إن " تعليم الكبار" هدف من أهداف الإسلامية . هذا الهدف، كان "تعليم الصغار" فيما بعد، يتطلب أعدادهم مسبقا، الإلهية. في غار حراء، قبل أن يكلف بالرسالة، إلا في سن الأربعين حيث كان قد إستصفيت روحه "صلى االله عليه وسلم"، وصار أهلا لما ينتظره من مسئولية كبرى وتبعه عظمى. في دار الأرقام ابـن هذه الدار مع الرسول الأمانة في حياته الشريفة، نشر لها، ثم حملوها من بعده، كأنه بينهم حي. في القيام بالمسئولية، وصارت (دار الأرقم) تضيق بالأعداد الكثيرة التي أقبلت على الإسلام، وأرادت في صدق أن تعرف عن الإسلام، وكان منطقياً كذلك أن يظل المسجد، منذ ظهوره فـي فجـر الدعوة الإسلامية، يقوم بالدور الأساسي في التربية الإسـلامية، وأن لتواكب (حركة الحياة) في المجتمع (العلوم الفلسفية)، في عهد عمر بن الخطاب، ثاني الخلفاء الراشدين، فيدرس فيه "الفلسفة والمنطق الحديث والبلاغة والفقه"، قـد جـروا وراء عقولهم، واسترسلوا في التساؤل وصارت (الفلسفة) ضـرورة مـن ضرورات الحياة الفكرية في المجتمع الإسلامي. وفي العصر العباسي الأول، للقيـام بحركة الترجمة عن اللغات الأجنبية أول الأمر، ثم للبحث في هـذه العلوم وتعليمها بعد ذلك، ولذلك يعتبرها هانز "أول جامعة إسـلامية" وإلى جانب (المسجد) و (دار الحكمة) ظهرت بعد ذلـك (قصـور الخلفاء)، بمثابة مؤسسات علمية متخصصة، (يحـج) إليهـا طـلاب العلـم في فرع من فروع المعرفة من كل مكان، منها منزل الرئيس ابن سينا وكذلك دار الإمام الغزالي التي كان يستقبل تلاميذه فيها بعد اعتكافه، واعتزاله بنظاميه نيسابور. وفي العصر، الأموي بدت الحاجة ماسة إلى تعليم الصـغار في مكان خاص بهم، خوفاً على الجامع من عبث الأطفـال وعـدم تقيدهم بأصول النظافة. وكما ظل المسجد يرافق نظام تعليم الكبار في الإسلام، مشرق الدعوة الإسلامية وحتى اليوم، ظل (الكتاب) يرافـق نظـام تعليم الأطفال منذ العصر الأموي، وحتى اليوم – العالم الإسلامي، رغم إنشاء (نظام المدرسة) في نيسابور في القرن وانتشار هذا النظام فـي العالم الإسلامي، يعد إنشاء (المدرسة النظامية) في بغداد إلى الشام، ومنها انتقلت المدرسة "إلى مصر، وذلك منـذ ثم ظهرت في شمال أفريقيا بعد ذلـك بمـا يقرب من قرن". وتعددت، في الإسلام – وقد تنوعت الكتاتيب – فإن الدراسة في هذه المرحلة الأولى لم تكن ارتجالية، ولـم يتـرك للمعلم أمر اختيار موضوعات الدراسة كيفما يشاء، بل كانت أصلية، لها برامج يتوخاها المعلمون في مختلف الكتاتيـب، وذلـك لإعـداد التلاميذ للدراسة في حلقات الجوامع، أو في المدارس المختلفة التـي ا و ار: من الأهمية بمكان أن نوضح ضرورة خلق لدى الكبار لكـي يتعلموا وهناك حوافز مادية تناولها والكثيرون لكي يحفزوا الكبـار على التعليم، غير أننا نعتقد أن شعبنا في الأمة العربية يؤمن بالـدين إيمانا عميقاً، ولذلك يجب توضيح ما يتطلبه الدين في هـذا الشـأن، فالتعليم يؤدي إلى معرفة العلم والعلم يوضح آفـاق العقـل، وهمـا أمران متلازمان وقد رفع االله من شأن العلم والعلماء بل جعل خشية االله لا تكون إلا من العلماء، "إنما يخشى االله مـن عبـاده العلمـاء"، وكانت أول آيـة العلق: "اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم" ونحن نجد في هـذه وكذلك نجد أن االله سبحانه وتعالى، يفتتح سورة القلم بالآيـة أي أن االله سبحانه وتعالى يقسـم تأكيدا للخير الذي يعود على النـاس من الكتابة السليمة التي تنفعهم. كما جاء في سورة الطور: "والطور وكتاب مسطور في رق لخرجنا منها بأهميـة التعليم وادارته، فمن المعلوم أن أدوات التعليم هي: قلم يكتب، يوضح ومادة يكتب عليها، وقد أقسم االله بهذه الأدوات الثلاثة فيمـا ذكرناه من الآيات، وهي الدواة على مـا ذهـب إليـه جمهور المفسرين وأقسم بالقلم، وأقسم بالرق المنشور، ومن أمعـن النظر في كتاب االله الكريم، وجد أن االله سبحانه وتعالى يقسم بكثيـر من مخلوقات تنويها بشأنها. وينبغي علينا أن نوجه النظر إلى الحقيقة التي أكدها القـرآن الكريم في أكثر من موضع، وهي أن نطلب العلم من أهله، فيقـول سبحانه وتعالى في سورة النحل: "فسألوا أهـل الـذكر إن كنـتم لا بـدليل يعلم لا يكون إلا بالسؤال من العلماء. ومما لا شك فيه أنه توجد في الديانات السماوية الكثير مـن التعاليم التي تحفز الناس على التعليم، والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: "طلب العلم فريضة على كل مسلم". العلم فهو في سبيل االله حتى يرجع". الأجر ولا خير في سائر الناس بعد". والدين يدعو الإنسان إلى أن يتعلم إلى أقصى الدرجات التـي يستطيع أن يستوعبها عقله. فليس هناك حدا للعلم أو الـتعلم الـذي ينتهي عنده العلم بل ينبغي على الإنسان أن يواصل البحث والـتعلم. وعليه أن يبتعد عن غرور "أنصاف" العلماء الذين يظنون أنهم علموا "إن الكريمة الآتية: ففي سورة الإسراء: "وما أوتيتم من العلم إلا قليلا". وفي سورة يوسف: "وفوق كل ذي علم عليم". وب ا وا: خطب رسول االله صلى االله عليه وسلم ذات يوم، فأثنى علـى طوائف من المسلمين خيرا، ثم قال: "مـا بـال أقـوال لا يفقهـون جيرانهم ولا يعلمونهم ولا يعظونهم ولا ينهونهم ؟. وما بال أقوام لا يتعلمون من جيرانهم ولا يتفقهون ولا يتعظون ؟. واالله ليعلمن قـوم جيرانهم ويفقهونهم ويعظونهم ويأمرونهم وينهونهم وليتعلمن من قوم جيرانهم ويتفقهون ويتعظون أو لا عاجلنهم العقوبة. ثم نزل رسول االله صلى االله عليه وسلم فقال قوم: من ترونه عنى بهؤلاء قل: الأشعرين، هم قوم فقهاء ولهم جيران جفاة من أهل وسلم فقالوا: يا رسول االله "ذكرت أقواما بخير وذكرتنا بشر، فما بالنا ؟ فقال: ليعلمن قوم جيـرانهم وليعظـنهم وليـأمرنهم ولينهـونهم، وليتعلمن قوم من جيرانهم ويتعظـون ويتفقهـون، أو لا عـالجتهم العقوبة في الدنيا فقالوا يا رسول االله: أنفطن غيرنا ؟. فأعـاد قولـه عليهم، وأعادوا قولهم: أنفطن غيرنا ؟ فقال ذلك أيضا فقالوا: أمهلنا ثم قرأ رسول االله صـلى االله عليه وسلم هذه الآية: "لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكـانوا يعتـدون، يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون". وأنك لترى في هذا الحديث من الحقائق ما يجدر التنبيه إليها: فالرسول عليه السلام لم يقر قوما على الجهالة بجانب قـوم متعلمين. واعتبر بقاء الجاهلين على جهلهم وامتنـاع المتعلمـين عـن تعليمهم عصيانا لأوامر االله وشريعته. واعتبر ذلك أيضا "عدوانا" و "منكراً" يوجبان اللعنة والعذاب. وأعلن الحرب والعقوبة على الفريقين حتى يبادروا إلى التعلم والتعليم. بينهم. "ولئن كانت الحادثة قـد وردت بشـأن الاشـعرين العلمـاء وجيرانهم الجهلاء. فإن الرسول (ص) أعلى ذلك المبدأ بصفة عامة، لا بخصوص الأشعريين وحدهم بدليل أن الأشـعر يين لمـا جـاءوا يسألونه عن سر تخصيصهم بهذا الإنكار كما فهم الناس، لم يقل لهم أ،تم لهم أنتم المرادون بذلك، بل أعاد القوم العام الذي سلف ثـلاث مرات دون أن يخصصه بالأشعرين، إشعاراً بأن القضية قضية مبدأ وبذلك يكون الرسول صلى االله عليه وسلم قد أعلن مكافحـة الأمية قبل أن تعلنه الدول المتحضرة في عصرنا هذا أربعة عشـر قرنا، وأن هذا لعجب أن يصدر من نبي أمي في بيئة أمية لولا أنـه ويؤكد العلماء والمفسرون أن مدلول العلم يمتد لكل علم نافع مفيد للأمة في شئون الدين والدنيا، الإسلام يرفض على العالم أن يعلم. وعلى الجاهل أن يتعلم، وأنه من الواجب على الإنسان أن يسعى لتحصـيل العلـم، وعلـى الدولـة والمجتمع أن تيسرا له الوصول إلى هذا الحق، السمحاء قد وضعت المنهج القويم لمحو الأمية، وكذلك تحفز الكبـار لكي يتعلموا، وكما أحيا العلم قلوبا أماتتها الجهالات، وأثـار عقـولاً أطبقت ليها الظلومات، والسلام. "ما اكتسب ابن آدم أفضل من عقل يهديه إلى هدى أو يرده عن ردى". فالعقل المكتمل يدرك الشر على حقيقته، ويدرك الخير علـى حقيقته، وهذا الإدراك من أكبر الحوافز على كره الشـر ومحاولـة الابتعاد عنه، وعلى حب الخير والعمل على الاستزادة منه، والعاقل هو الذي يتحكم في أفعاله، ويستطيع أن يخضـعها الصـالح العـام ويضعه فوق كل اعتبار، وعمل العقل هو الفكر، والتأمـل ويجمـع العلماء على أن العلم السليم يسهم في إيجاد العقل السـليم، السليم دائماً وأبداً ضابطاً من ضوابط النفس وعاصماً مـن جمـوح الغرائز، ولكن العقـل السليم يعصمها ويهيبها الإرادة وكل تربية فاضـلة، سـواء أكانـت شريعة سماوية، أو نظما وضعية، تجعل من أهدافها الأولى تربيـة الإرادة، وتقويتها وشحنها، فإذا حققنا ذلك في الكبار تأكد لنا ضـمنيا أننا سنحقق ذلك على نطاق واسع في الصغار أيضا. الرجل بطلاً، وعلى الضد من ذلك تعمل التربية الفاسدة، سواء فـي البيت أو في المدرسة على خلق أشباح ضعيفة الإرادة، حائرة العزم، ترى الرأي لكنها تنكل عن تنفيذه، ولا ينبغي علينا جميعا أن نؤمن بالفائدة العظمى للتعليم والتعلم، مهما كانت مستويات العلم التي استطعنا أن نصل إليها، وتؤمن على وجـه الخصـوص بضرورة تعبئة الجهود لتعليم الكبار. إن القول المأثور الذي توارد في التراث ونسب إلى الرسول الكريم صلى االله عليه وسلم: "اطلب العلم من المهد إلى اللحد". يحدد الفترة الزمنية لطلب العلم أو المرحلة العمرية، وهذا القول المأثور الذي تناقله التراث العربـي الإ سـلامي التي تحث على التعلم وطلب العلم ونشره" يدعو إلى التأمل في نوع هذا الطلب ونوع العلم المطلوب، وبعض النظر عنهما فقد لا تجد إلا الإقرار بأن هذا النوع من الطلب كان يمثل مطلبا عامل وضـرورة اجتماعية قائمة فضلا عن ضروراتها الفردية وذلك يحكم المبـادئ الفردية والاجتماعية مع الخالق والعباد على أسـس جديـدة غيـرمحكومة بأحكام العرف والتقاليد إلا بما يضـمن انسـجامهما مـع إن الدعوة الإسلامية لم تقم على المحاكاة والتقليد بقـدر مـا ومن ثم التطبيق القائم على الاقتناع وذلك لكون الإسلام دينا متكاملا يمثل خـاتم الأديـان والدلائل البشرية والقوانين الطبيعية والحياة، فالتربية المستمرة لهـذا والعلماء، في الوقت الذي تراهم يستنبطون الأحكام الدينية في التعلم والتعليم ونشر العلم التزاما بالشريعة واجتهادا مبررا فيها، ولولا هذا التأكيد أيضا لما كنا نجد هذا الحشد الكبير مـن الفقهـاء والعلمـاء سلوكهم اليومي. ديني فضلا عن كونها مطلبا حياتيا، فالدعوة الإسلامية تمتـاز عـن للمرحلة العمرية إلا بما يتناسب والمدركات العقلية والقدرات الفكرية الاجتماعي. لا يمكـن من خلال إثبات كونها تمثل في مداها القريب (مسئولية فردية) وفي مداها البعيد (مسئولية اجتماعية). الأساسية في الإسلام. حيث كانت تنحوا نحو إسعاد الفرد في دنيـاه وأخره، وإن سعادة المجتمع مقرونة بمدى تكاملية هذه العملية وبمدى تحقق أغراض التعليم الدينية والدنيوية. قال تعالي: "وابتغ فيما أتاك االله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك وقوله تعالى: "قل هل يسـتوي الـذين يعلمـون والـذين لا يعلمون". درجات". وقوله تعالى: "إنما يخشى االله من عباده العلماء". "وقـل رب وفي الأحاديث الشريفة: الناس رجلان: عالم ومتعلم، ولا خير فيما سواها). وهنا تأكيد واضح على طلب العلم والاستمرار في هذا الطلب دون تحديد للمرحلة العمرية أو لطبيعة المعرفة العلمية والإنسـانية المطلوبة. إن استنباط المسئولية الفردية في التعليم يقوم على أساس من التأكيدات المباشرة على طلب العلم ونشـره مـن خـلال الآيـات الكريمات والأحاديث الشريفة، فضلا عن أن الدين الإسـلامي قـائم فمتطلبـات أداء وفي العمل وطبيعة التعايش الاجتماعي تفرض على الفرد (شـاء أم أبى) الانسياق نحو التعلم بأية صورة من الصور وبأي مستوى مـن وإن كان التأكيد كبيراً على عدم الانقطاع عن التعلم في متعلم)، فالعملية التعليمية مستمرة ما دامت القدرة التعليمية قائمة وما دام العلم في تطور واتساع نتيجة ذلك. فالمسئولية الفردية قائمة ومستمرة ما دام العلم وطلبه مطلبـا رئيسا من مطالب التدين والتمدين. فتبدو من خلال الأمور الآتي: سلامة النظام الاجتماعي وسلامة تطبيق بحكم الضرورات الدينيـة بطلب العلم ومسئول بحكم الضرورات الحياتيـة بالاسـتزادة فيـه، ومسئول بحكم الضرورات الاجتماعية بدعوة غيره إليـه ونشـره. فضلا عن أن المبادئ الأساسية في التكافل الاجتمـاعي الإسـلامي تحت ضرورة التعاون في توفير الفرص التعليمية لأفراد المجتمـع الثاني: التأكيد على أن المسئولية الفردية في التربية لا تقـف عند حدود طلب العلم والاستزادة فيه بل يتعدى ذلك إلى مسئوليته في وبالشـكل الـذي حياتي للمجتمع. الثالث: إن التأكيد على العلم لم يرد في مجمل الشواهد النصية سواء في النصوص القرآنية أو في الأحاديث النبويـة إلا مقرونـاً بالعمل. (فالعلم والعمل به) هو الأساس في مثل هذا التأكيد، والمنفعة التأكيد عليـه مـن المسئولية الاجتماعية: داء رضـي االله عنـه أن أعلمت أم عملت فيمت علمت؟ وإن قلت جهلت قيل لك: فما كان عـذرك فيما جهلت ؟ ألا تعلمت". وروي أبو داود عن أبي هريرة رضي االله عنه أن النبي صـلى االله عليه وسلم قال: (من سئل عن علم فكتمه الجم يـوم القيامـة وعن عبد الرحمن بن لأيزي قال: خطب رسـول بلجام من نار) ولا يعظونهم ؟ ولا يأمرونهم ؟ ولا ينهونهم ؟ وما بال أقـوام لا يتعلمون من جيرانهم ولا يتفقهون ولا يتعظون واالله ليعلمن قـوم جيرانهم ويفقهونهم ويعظونهم ويأمرونهم وليـتعلمن قـوم مـن جيرانهم ويتفقهون ويتعظون. أو لعاجلتهم العقوبة". روي مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى االله عليه وسلم قـال: إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جاريـة، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له). وروي الترمذي عن أنس أن النبي صلى االله عليه وسـلم قـال: من خرج في طلب العلم فهو في سبيل االله حتى يرجع). كما روي الطيراني عن سمرة بن جندب أن النبي صلى االله عليه وسلم قال: (ما تصدق الناس بصدقة مثل علم ينشر). قال الرسول صلى االله عليه وسلم: (من أراد الدنيا فعليه بـالعلم، ومن أرادهما معا فعليه بالعلم). وحسبنا أن نستدل من هذا الحديث أن العلم في نظر الرسول وتتضح من الأحاديث الشريفة السابقة توجيهـات الرسـول صلي االله عليه وسلم إلى أمته في: تعلم ما لا غنى في حياة كل فرد من أفراد الأمة. العمل بمقتضى العلم (أي حدوث عملية التعلم أو التدبير فـي السلوك بالمفهوم الحديث). إن الفرد لا يستطيع التهرب من مسئوليته الاجتماعيـة فـي طلب العلم ونشره والعمل به. وهذا آت من حرص الرسول صلى االله عليه وسلم علـى أن يبصرهم بمسئولياتهم لكي يتبين كل منهم حالة ويتصور مصيره، لذا نجده عليه الصلاة والسلام يقوم بتعليم الصحابة بأمور دينهم، ويتولى إرشادهم إلى ما ينفعهم في الدنيا والآخرة ويحذرهم من البقاء علـى الجهل وينذرهم بالعقاب الشديد في حالة كتم العلم وعدم إفادة السائلين عنه. وفي القرن الرابع الهجري تصدى القابسي القيروانـي ( ٣٢٤ – ٤٠٣ هـ) إلى مسألة مؤداها أن تعليم جميع أبنـاء المسـ لمين أغنياء كانوا أو فقراء). واجب إجباري وقد تطـرق القابسـي أيضا إلى التزام المجتمع بإلزامية التعليم حيث أجاب عن سـؤال حول حالة الوالد الذي يمتنع عن إرسال ابنه إلى الكتاب لتلقـي دليلا شرعيا من الكتاب أو السنة أو الإجماع يوجب عقاب الوالد في حالة امتناعه عن إرسال ولده إلى التعليم، فقد امتنع لإقـرار الإجبار، ولكن له فضل السبق في عرض هذه المسألة الخطيرة على بساط البحث والمناقشة وبذلك فتح بـاب واسـ عا للفقهـاء فسر (الغزالي) الحديث الشريف (طلب العلم فريضة على كـل مسلم) بقوله: أن الناس اختلفوا في العلم المفروض علـى كـل مسلم، وقال الفقهاء هو علم الفقه إذ تعرف به العبادات والحـلال والحـرام، وقـال المتصوفون إنه المراد به هذا العلم، أما رأي الغزالي فيه فإنـه علم المعاملة التي كلف العبد العاقل البالغ العمل به، أما فـرض الكفاية فهي تلك العلوم التي تستوجب معرفتها للاسـتزادة فـي معرفة الدين كاللغة والنحو والتفسير والحساب . الخ. كما أشار (ابن رشد) إلى أنه (كما يجب على المتعلم الـتعلم فكذلك يجب على العالم التعليم) مستندا إلى قوله تعالى: (إن الـذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بينـاه للنـاس فـي الكتاب أولئك يلعنهم االله ويلعنهم اللاعنون). يرى (الغزالي) إن العلم الذي لا يستعمله الإنسان في نفع البشر إنما هو علم عديم القيمة، وهو يضع مراتب العلم فيقول إن العلم يجب أن يقترن بالعمل والعمل والإخلاص فيه ولا أدل على ذلك من قوله في فاتحة العلوم (الناس كلهـم هلكـي إلا العـالمون و العالمون كلهم هلكي إلا والعاملون كلهم هلكى إلا المخلصون. هل كان للتربية المستمرة مفهوم واضح في التـراث يمكـن ويمكننا أن نجيب: إن التربية المستمرة كانت واقعـا معاشـا بحكم الضرورات الدينية والحياة الاجتماعية. والشواهد كثيرة علـى ذلك وإن لم تنشر في بعضها إلى بروز هذا المفهوم كالـذي نفهمـه اليوم، إلا أنه يثبت بما لا يدعو إلى الشك، إن التربيـة مـن خـلال التنشئة الاجتماعية والتعلم المستمر، لم يكن لها سقف زمني أو حدود تنتهي إليها ومع أنها كانت (في أغراضها) تتأرجح بين الفردية تارة والاجتماعية تارة أخرى، إلا أنها استمرت كعرف ديني واجتمـاعيوإن كانت الظروف الاجتماعية في بعض الأحيان تعرقلها أو تمنـع انسيابيتها في حياة الأمة وأفرادها كافة. عرف منهج التعليم في الإسلام للكبار والصغار علـى حـد سواء المواد العامة التي يجب أن يدرسها الناس جميعـا، والمـواد المتخصصة، والتي تخضع لميول المتعلم واهتماماته، قبل أن تعرفها الحضارة الغربية الحديثة، بحوالي اثني عشر قرنا من الزمان. هذا النحو في الإسلام، مختلفا عنه في الحضارة الغربية المعاصرة. له مواصفات معينـة، ولتوفر فرصة اكتشاف المواهب والإمكانيات، في مرحلة التخصص التالية. أما في الإسلام، فإن الهدف الأساسي من التربية الإسـلامية، هو خلق هذا (المواطن الصالح) والاهتمام بنموه العقلي والجسـديوالنفسي،