إن جسد كل فلاح قد شوهه العمل الشاق : في الانحناء على المحراث الذي يرفع الكتف اليسرى ويعطف الجسد جانبا ، فبدت كأنها بالونات جاهزة لحملهم والطيران بهم وقد برزت من كل بالون قدمان . وكان يجلس فيها رجلان جنبا إلى جنب في حين كانت تجلس امرأة في قاعها ملتصقة بجوانبها لتخفيف رجاتها العنيفة . وكان هناك حشد في ميدان جودرفيل العام وقد اختلط فيه صخب الناس بصخب الحيوانات ، وبرزت فوق الحشد قرون الماشية والقبعات العالية ذات الزغب الطويل التي يعتمرها مياسير الفلاحين إضافة إلى أغطية رؤوس النساء . وفي طريقه إلى الميدان العام لمح قطعة حبل ملقاة على الأرض ، ولأنه إنسان حريص _ شأن كل نورماني يؤمن بأنه لابد من التقاط كل ما هو نافع _ فقد انحنى متألما _ لأنه يعاني من داء المفاصل _ والتقط قطعة الحبل الرفيع وراح يلفها في حرص ، وفجأة انتبه إلى أن السيد مالاندين صانع عتاد الحيوانات على عتبة بيته ينظر إليه ، وبين الاثنين خلاف على رسن لم يحسم حتى الآن ، فهما في علاقة سيئة ، والحق أن السيد هوشوكوم أحس نوعا من الخزي لرؤية عدوه له يلتقط قطعة حبل من الأرض ، وازدحم فناؤه الواسع بعربات من كل الأنواع : عربات عادية وعربات خفيفة وعربات مقفلة وعربات قمامة بدت صفراء لقذارتها وعليها سمات الإصلاح والترقيع وترتفع أعمدتها نحو السماء مثل ذراعين ، وفي مواجهة الذين يتناولون الغداء استقر الموقد الضخم فوق طاولة حافلا باللهب الساطع وملقيا حرارة قوية على ظهور الجالسين في الجهة اليمنى . ويأكل عادة في مطعم جوردين كل وجهاء الفلاحين وحارس الحانة وسائس الخيل والصعلوك صاحب المال . وتحدث كل شخص عما يهمه : عما اشترى وعما باع ، فقام الجميع خلا قلة من اللامبالين ، وأسرعوا إلى باب المطعم أو إلى نوافذه وأفواههم لا تزال ملأى بالطعام والمناشف في أيديهم . وهتف منادي البلدية بعد أن أوقف دق الطبل في صوت قوي وعبارات لا نسق فيها : بذا أعلنا لمواطني جودرفيل ولعموم الموجودين في السوق أنه فقدت صباح اليوم في الطريق إلى بنزفيل بين التاسعة والعاشرة محفظة جلد سوداء فيها خمسمائة فرانك وبعض أوراق العمل ، فعلى من وجدها إعادتها بنفس حالتها إلى مكتب العمدة أو إلى السيد فورتين هولبرك من مانفيل ، ثم سمع دوي الطبل القوي وصوت المنادي ثانية في البعيد . وواجهوه بالسيد مالاندين الذي كرر توكيد كلامه واستمسك به ، قالوا له : انصرف يا عجوز يا صعلوك ! فتملكه السخط وقوي حنقه وانفعاله واغتمامه لما لاقاه كلامه من تكذيب دون أن يعرف ماذا يفعل ودون أن يكف عن ترداد ذلك الكلام . وذاع الخبر وشاع في المنطقة وعلم به السيد هوشوكوم ، وكان يبدو على الناس أثناء استماعهم له مظهر المزاح وعدم الاقتناع بما يقول ، قالوا في غيبته : أعذاره كاذبة .