من هو إسرائيل؟ ومن هم بنو إسرائيل؟ ومن هم العبرانيون؟ مقطع من كتاب موسوعة نينورتا التاريخية، فصل جغرافية الأنبياء وتصحيح المفاهيم المغلوطة. للدكتور أحمد داوود والدكتورة نينورتا أحمد داوود. ومن هم «العبرانيون»؟ على مستوى الجنس البشري نحن في فترة طوفان نوح أمام ثلاثة أصناف من البشر: الأول هو الجنس العاقل والذي يمثله نوح؛ هلك منهم من أصابه الطوفان والكوارث البيئية وبقي من الشعوب البدائية من لم تضربه تلك الأحداث؛ هو الجنس الخليط الذي عبّر عنه التراث الديني بكلمة «إسرائيل»، فمن هو «إسرائيل»؟ ادّعى كتبة التوراة الموجودة حالياً بأن يعقوب هو إسرائيل، وهذا كلام خاطيء تماماً ونعتبره من جملة مواضع التزوير الذي ضرب تاريخ العرب والبشرية كلها. إن يعقوب ليس بحال من الأحوال إسرائيل، فأين نجد «إسرائيل»؟، نجده في القرآن الكريم بكل وضوح في سورة الإسراء: سُبحانَ الذي أسْرى بِعَبدِهِ ليلًا مِن المَسجدِ الحرام إلى المَسجدِ الأقصى الذي بارَكْنا حولَهُ لِنريَهُ مِن آياتِنا إنَّهُ هو السَّميعُ البصير (1) وآتَيْنا موسى الكتابَ وجعَلْنَاهُ هُدىً لبني إسْرائِيلَ ألَّا تتخذوا مِنْ دوني وكيلا (2) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مع نُوحٍ إنَّهُ كانَ عَبْداً شكُورا (3) وقضَيْنا إلى بَني إسْرائِيلَ في الكِتاب لَتُفسِدُنَّ في الأرضِ مرَّتَيْن ولَتَعلُنَّ عُلُوًّاً كبيرا (4){. لنتمعّن بهذه الآيات جيداً وسنصل إلى الحقيقة: يقول الخطاب القرآني هنا (وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدىً لبني إسرائيل)، فاعتقد المفسِّرون خطأً وجهلاً متأثرين بالرواية التوراتية المحرّفة بأن بني إسرائيل هم بنو يعقوب، لكن القرآن أكمل الشرح والتوضيح ووصف بني إسرائيل بأنهم (ذريّة من حملنا مع نوح إنه كان عبدأ شكوراً). لقد شرح النص القرآني بكل وضوح من هو إسرائيل وما هو زمنه الحقيقي، وهو كان في زمن نوح وكان ممّن نجا من الطوفان مع نوح والأمم الباقية، (هود:48). إذن القرآن واضح هناك مع نوح وأسرته أممٌ أخرى نجت معه وليست من سلالته، فماذا يعني هذا الخطاب؟: يعني أن نوحاً هو من الجنس العاقل المبدع، ذلك أن فعل الابتكار أُسند له هو، لماذا؟ لأنه وبعد تشكل التصدّعات والبحار الجديدة والأنهار الكبيرة وارتفاع منسوب البحار فقد انفصلت اليابسة عن بعضها ولم يعد بالإمكان التنقل إلا بوسيلة نقل واحدة، أما «إسرائيل» فهو كان عبداً شكوراً لكنه غير مبدع، هو مؤمن فقط، غير مبتكر، صعد على متن السفينة بمعنى أن الجنس الخليط لم ينقرض حينها بل بقي وأكمل مسيرة البشرية. إذن فإسرائيل ببساطة هو ابن الجنس الخليط الذي كان موجوداً زمن نوح وبقي مستمراً، وليس يعقوب، والقرآن ذكَرَ يعقوب بالاسم ولم يسمِّه ولا بآية واحدة باسم إسرائيل، وعليه فهناك كذبة أخرى بُنيت على الأولى، هي أن الأسباط المذكورين بالقرآن هم بنو يعقوب، ونحن لا نعرف أي خلل في التفكير جعل المفسِّرين يقتنعون بأن النص القرآني قد أمر بالايمان ببني يعقوب من جملة الرسل والأنبياء، الذين يقولون لنا بأنهم من المفترض أنهم الأسباط، فما الذي يجعلنا نؤمن بإخوة لا أخلاق لهم ولا رادع بحسب القرآن نفسه؟ وكيف استقام هذا الأمر مع المفسرين ولم يجدوا فيه تناقضاً؟، إنها آفة النقل دون العقل هي التي أوصلت التفاسير إلى هذا الدرَك من التناقضات وتسطيح العقول. إذن بنو إسرائيل ليسوا من ذريّة نوح، ولقد دعا القرآن من بُعث من بني إسرائيل بالنقباء وليس الأسباط {ولقد أخذَ اللهُ ميثاقَ بني إسرائيلَ وبعثنا منهُم اثني عشَرَ نقيباً وقال اللهُ إني معَكُم لَئن أقمتمُ الصلوةَ وآتيتُم الزكوةَ وءآمنتُم برُسُلي}. (سورة المائدة، بل هم رمز للجنس الذي حاد عن خط النسل العاقل الصافي وفكره، وماد بعقائده وسلوكياته، وضل عن حقيقة الخلق الأول ورسالته، فجاءت الرسالات والتعاليم لإعادة جنس «بني إسرائيل» بأكمله إلى الطريق الإنساني القويم: - إن سورة البقرة وحدها قد اشتملت على ثلاث آيات تذكّر بني إسرائيل بـ "نعمة الله" التي أنعمها عليهم وبأنه فضّلهم على العالمين، لكن بماذا فضّلهم؟ بأنه أعطاهم فرصة الهداية ونجاهم من العذاب الكبير، والظلم، ونصرة الباطل، والفساد في الأرض. تقتصر على عائلة وأفرادها؟؛ بالطبع هذا لا يعقل بل يوصف بأنه فادي لكل البشر. إذن، إن بني إسرائيل هم جنس كامل من البشر الذي اختلط جينياً ما بين العاقل الناطق السامي، فضلّ عن الفكر الصحيح وابتعد عن إدراك مكارم الأخلاق، ومن الطبيعي بأن هذه التعاليم ومحاولاتها التصحيحية للمسيرة الإنسانية قد أتت لجموع البشر من كل صنف ولون، باختلاف مكانهم وزمانهم، - تتميز لغة القرآن بالتمييز بين كلمتي «بني و«آل»؛ إذ نلاحظ أن الخطاب القرآني ذكر السلالات بكلمة «آل» ك: آل ابراهيم، ، بينما كلمة «بني» جاءت مرافقة لاسم إسرائيل تحديداً؛ فإذا كان إسرائيل هو يعقوب أو أي شخص آخر كما جرى بالتزوير الشائع، فالمنطقي أن يصف القرآن نسلَه بكلمة "آل إسرائيل"، لكن هذا لم يحدث أليس كذلك؟، وهذا دليل آخر على أن كلمة «بني» تصف جنساً بشرياً كاملاً تماماً ك«بني آدم» وليست سلالة ولا نسلاً لا لشخص ولا لعشيرة. بهذا يكون إسرائيل رمزاً للجنس الخليط، جعلوا من بني إسرائيل سلالة من ذرية الرسل والأنبياء ليستحقوا الحكم والسلطة، وقاموا بذلك بعملية تضليل عبرت حدود المكان والزمان وانطلت على العقول، فأصبح بجرّة قلم حتى موسى وعيسى من "بني إسرائيل"، وهو غير صحيح. علمأ أننا لو أكملنا قراءة ما بعدها لفهمنا فوراً أنها لا تتحدث عن سلالة رسل وأنبياء بل تتحدث عن جنس كامل من البشر سيعيش حتى تنتهي الحياة على الأرض وسيجري الفصل والحكم على من ضلّ منهم وعلى من كان مؤمناً صالحاً، وإن هذا الجنس قد مُنح التعاليم (الكتاب) والسلطة (الحكم) والهداية (النبوة) بمعنى أنه مُنح فرَصاً للنجاة ولتصحيح المسيرة، ولا تعني على الإطلاق بأن النبوّة والحكم هما احتكار قد مُنح، إلهياً، لعائلة سيجري الحكم بين أفرادها يوم القيامة!، لنقرأ بقية الآيات: }وآتيناهم بيِّناتٍ مِن الأمر فما اختلَفوا إلَّا من بعْدِ ما جاءهُم العِلمُ بغياً بينَهُم إن ربكَ يقضي بَينهم يومَ القيامة فيما كانوا فيه يختلفون (17) ثمَّ جعلناكَ على شريعةٍ منَ الأمرِ فاتَّبِعها ولا تتَّبِع أهواءَ الَّذين لا يعلمون (18) إنَّهم لن يُغنوا عنكَ مِن اللَّهِ شيئاً وإنَّ الظَّالمينَ بعضهم أولياءُ بعضٍ واللَّهُ وليُّ المُتَقين (19){. وهذا هو مفهوم الدينونة بشكل عام في كل الديانات؛ فهل سمعنا بديانة تقوم بالفصل في يوم القيامة بين أبناء عائلة؟ أو عشيرة؟ أو شعب محدد؟، بالطبع لا، بل إن الديانات تتحدث عن البشر جميعهم بمختلف أجناسهم وأطيافهم ولكل زمان ومكان. إن تأكيد القرآن على أن «بني إسرائيل» سيبقون إلى يوم القيامة، هو أبلغ دليل على أنه يخاطب جنساً بشرياً بكامل أطيافه؛ تخيلوا أن القرآن يطالب عشيرة فقط من بين جميع الأمم بمكارم الأخلاق وبالتوحيد، وبأنه سيحاسب هذه العائلة أو القبيلة من بين جميع الشعوب، هل هذا يُعقل؟، وهل حدث وأن بقيت عائلة ونسلها أو عشيرة كما هي لم تتغير ولا اختلطت ولا انقرضت ولا تفرقت طوال آلاف السنين حتى يأتي الرب بهم للحساب في اليوم الآخر؟، - وهذه آية أخرى شديدة الوضوح تدل على أن جنس بني إسرائيل ليسوا من ذرية نوح ولا ابراهيم، وذرية إسرائيل، وبين ذرية من حمل مع نوح، وليس ذرية نوح. - وإن نظرة واحدة للتوراة تجعلنا نصل إلى هذه الحقيقة وهذا مثال من سفر إرميا يقول حرفياً: «اسمعوا كلمة الرب يا آل يعقوب ويا جميع عشائر بني إسرائيل. ربّ الناس، في القرآن الكريم، إذن يعقوب ليس إسرائيل، ولا علاقة له باليهود، ولا بداود ولا أنبياء السلالة من يعقوب، - وفوق هذا فكثير من الآيات تذكر بأن الخالق قد أخذ من بني إسرائيل عهداً أو ميثاقاً بالالتزام بوحدانية الخالق ومكارم الأخلاق، فهل هذا يعني أنه أخذ عهداً من عائلة بمفردها؟، أو من قوم بمفردهم؟، فسَمْعان هو شمْعون بالسريانية ومنه اسم سيمون Simone المنتشر عالمياً، خالف، يبطل الرسالة، ساقط، والأصل الجيد، والنسب. أما الجذر س ر ا ، كشف، كما استريت الشيء: اخترته. بهذا يكون معنى إسرائيل اختيار الله، الذي اختاره الله ليبلوه ويمنحه فرصة النجاة وليس "شعب الله المختار" كما فُسّرت الكلمة خطأً، لهذا يقول العرب "في الإل كريم الخِلّ" أو بمعنى آخر "عالأصل دوّر"، من أصل آدم، وإن فسد الطعام يقولون له "انتزع". إن كلمة "انتزع" بمعنى فسد تصف عمليات متناهية الدقة في الأكسدة وفصل المكوّنات وانتزاعها من مسارها، تماماً كما "انتزع" الجنس العاقل حين انفصل عن الأصل الجيد واختلط بالجنس البدائي المتخلف، ففسدت طينته. كما أن إسرائيل تعني عبد الله، خلق الله بالعربية، الناس، جماعة البشر، الجماعة، الذين هم عموم جنس البشر، هو مصطلح مطلق الدلالة وليس محدوداً، فأي مؤمن هو عبد الله، عِباد الله، وأماكن حدوثها: وحين رأته ابنة فرعون رق قلبها وقالت «هذا من أولاد العبرانيين. ثم طلبت له مرضعة من العبرانيات». فقال الرب إني قد نظرتُ إلى مذلة شعبي الذين بمصر وسمعتُ صراخهم من قبل مسخّريهم وعلمت بكرْبهم. الفصل 3). إن الرب أمر موسى بإنقاذ خلق الله، المستعبَدين، من أيدي حكام مصر العتاة الظالمين، وإخراجهم منها ليأتي بهم إلى أرض كنعان المقدسة. إنها باختصار ووضوح دعوة لتحرير الناس المظلومين والمستضعفين من العبودية. «العبرانيون» هم «البدو»: العابرين، المهاجرين، المرتحلين إلى المنطقة لسبب أو لآخر، هي بتعبير آخر «عابرين السبيل» كما ورد في القرآن؛ البدويات، ولم تكن بالطبع تتحدث عن شعب بعينه إذ ما الذي يجعل أحداً ينسب رضيعاً لشعب بمجرد رؤيته؟. كذلك حين أرادت ايجاد مرضعة له طالبت له بمرضعة «عبرانية» أي بمرضعة بدوية، يفسر كاتبو التراث والسير ذلك بأنه «كانت عادة أشراف مكة أن يعهدوا بأطفالهم إلى نساء البادية في الصحراء ليقمن على رضاعتهم، لأن البادية أصلح لنمو الأطفال وأبعد عن أمراض الحضر التي كثيراً ما تصيب أجسامهم فضلاً عن إتقان اللغة العربية والنطق بالفصحى منذ نعومه أظفارهم». إذن العبرانيون هم البدو بلغة العرب، ولغتهم هي اللهجة البدوية كما نسميها اليوم، وقد كان العرب عبر التاريخ وكما ذكرت كل القواميس والمصادر القديمة فئتين فئة الحضر سكان المدن والقرى وفئة البدو التي تنقسم إلى أنصاف بدو وأعراب، حسب ظروف المكان والمناخ، والبدو هم جزء من العرب بالتالي من الطبيعي أن يتحدثوا العربية لكن تحولت لكنتهم إلى المحلية المبسّطة، وما نزال حتى اليوم نميز اللهجة البدوية التي يتكلمها سكان البوادي ونفهمها. أما عزرا فقد كتب التوراة بالخط الآرامي العربي حين كانت الآرامية العربية، أو بمعنى آخر العربية المكتوبة بخط آرامي، حين أراد عزرا ربط اليهود بمصالح طرق التجارة الدولية وجعل اليهودية قابلة للانتشار، فقد كانت العربية الآرامية هي اللغة العالمية من بلاد فارس والصين شرقاً إلى مصر غرباً، أما شقيقتها العربية الفينيقية فانتشرت في القارتين الأوروبية والأمريكية وصارت أساس الخط اليوناني ثم اللاتيني ثم الخط الذي تكتب به اليوم كل شعوب الغرب كما وضحنا سابقاً. تماماً كما صارت اليونانية ذات الأصول العربية بالزمن البيزنطي، وكما كانت اللغة العربية التي كُتبت وعُمِّمت بخط الجزم في فجر الإسلام هي لغة التجارة والعلوم والمراسلات الدولية بالفترة الأموية والعباسية والفاطمية وبقي الحال حتى سقوط دولة المماليك فبدأت اللغات المحلية تحل محل العربية فظهرت السلافية والتركية العثمانية واللاتينية، وما دُعي ب«الخط العبري» ليس إلا الخط الآرامي العربي مع قليل من التنميق الذي لم يغيّر من هوية الخط، تماماً كما نميز اليوم ضمن أنماط خط الجزم العربي بين الديواني والكوفي والأندلسي.