يبنى المذهب الإلحادي على المادية التي تننبذ كل تصور فكري يخرج الإنسان من دائرة واقعه الملموس. ولذلك كان لكل عصر إلحاده الذي يستفز الشعور الديني ويضطره إلى تبرير نشوئه وتأسيس مقولاته، وقد تمخض عن الفكر المادي القول بأن الكون وما فيه نشأ صدفة من لا شيء أي من علة غير مدركة وغير مدبرة، كما سبقت الإشارة إلى ذلك. فهم يعتبرون أن المادة هي الأصل الذي انشقت منه كل الكائنات الحية، والمادية تذهب إلى أن المادة في كافة صورها هي المؤثرة في كل شيء وإلى أنها في الوجود أسبق( ). ويتضاعف ذلك الغلو المادي في تصور أن المادة الصماء سابقة على العقل نفسه، فقد وجدت الطبيعة ليس فقط قبل الناس وإنما عموماً قبل الكائنات الحية وبالتالي مستقلة عن الإدراك وهي أولية. أما الإدراك فلم يستطع التواجد قبل الطبيعة فهو ثانوي. والوحدة التي تجمع الكون هي ماديته، ويذهبون إلى أن المادة تقوم على قوانين، فقد ذهب الملاحدة إلى القول: " إن أصل الكون هو المادة، ومن ثم استبعدوا أي مصدر خارجي للكون، وتطو المادة فيه بالمصادفة (٢). أي أنها أزلية أبدية موجودة بذاتها ومنشئة لغيرها، فهو عندهم خرافة ابتدعها خيال الإنسان، وبناء عليه يمكن القول إن الفكر المادي يقوم على رفض وجود الخالق لهذا الكون؛ والنظر إلى الإنسان على أنه كائن مادي، وقد أثر الفكر المادي ليس فقط على تشويه الأفكار ؛ كما ربط الفكر المادي بين نشوء إلحاده، ويؤيد صحة النظرة المادية للعالم، والعلم يتفق مع المادية في بحثه عن الحقيقة في الحياة ذاتها، وهذا ما يدل على أن العلم الحقيقي هو ذو طابع مادي، هذا وإن تفسير الكون بوساطة قانون " الصدفة " ينطبق على قوانين الصدفة الرياضية المحضة، وهي تطلق على الأمور التي لا تتوفر في مات قطعية، والمعجبون بها قال عنها " هي نظرية رياضية علمية نطبقها في حياتنا على كل ظاهرة، فالمصادفة اليوم أساس تقوم عليه العلوم الحديثة " (٢). يقول الفيزيائي الملحد (أندريه لا لاند): " لدينا العديد من المصادفات العجيبة جدًا جدًا، وكل هذه المصادفات تتميز بأنها تنتهي إلى جعل الحياة ممكنة (۳). هكذا قالوا بالصدفة على اعتبار أن الصدفة نظرية رياضية تطلق على الأمور التي لا تتوافر في بحثها معلومات قطعية، لأن المصادفة لا تجري على ترتيب، إنها فعل بدون قصد ولا غاية هذا وقد أثر الفكر المادي على بعض الاتجاهات العلمية فانحرفت مسايرة للفكر المادي، حيث نشأت نظريات علمية مأخوذة من الأسس والمنطلقات الفكرية والمنهجية التي قام عليها الفكر المادي، سيما أن الفكر المادي مرتكز على أزلية المادة وأبديتها، والمنهج التجريبي بالفكر المادي. وقد احتج القائلون بالصدفة لتأييد زعمهم بنظريتين: أولهما : نظرية التطور (1) وحسبنا أن نذكر منها ما يتعلق بموضوع الصدقة فقط. وإما على قانون يفرض عليه منحى معين"( ). وتتطور، وذلك يجري في الكائنات بسبب تطورات كثيرة عبر ملايين السنين، ويبقي الأقوى والأصلح. ويؤكد ذلك بقوله:" بعد اكتشاف حاب الطبيعي ضعفت عندي فكرة أن الكون مخلوق لغاية ووفق خطة معينة، ليس نتيجة لتدخل قوة عليا خارجية؛ وبذلك أصبح النظام في الطبيعة نتيجة عن التوافق والتكيف، وأما ذلك التنوع الطبيعي يرى " داروين" أنه من فعل "الطبيعة" فهو حادث بالصدفة" ولهذا فهو يقول: " أنه لما كانت التنوعات النافعة لا تحدث إلا مصادفة،