اعلم ان في التاريخ فن غزير المذهبي جمل فوائد شريف الغايه اذ هو يوقفنا على احوال الماضين من الامم في اخلاقهم والانبياء في سيرهم حتى تتم فائده الاقتداء في ذلك لمن يرومهم في احوال الدين والدنيا فهو محتاج الى ماخذ متعدده ومعارف متنوعه وحسن نظرا وتثبت يفضيان بصاحبهما الى الحق وينكبان به عن المجلات والمغالط لان الاخبار اذ اعتمد فيها على مجرد النقل ولم تحكم اصول الماده وقواعد السياسه وطبيعه العمران والاحوال في الاجتماع الانساني ولا قيس الغائب منها بالشاهد والحاضر بالذاهب فربما لم يؤمن فيها من العثور ومذله القدم والحيدي عن جاده الصدق وكثيرا ما وقع للمؤرخين والمفسرين وائمه النقل ومغالط في الحكايات والوقائع لاعتمادهم فيها على مجرد النقن غثا او سمينا لم يعرضوها على اصولها ولا قاسوها باشباهها ولا صبروها بمعيار الحكمه والوقوف على طبائع الكائنات وتحكيم النظر والبصيره في الاخبار فضلوا عن الحق وتاهوا في بيداء الوهم والغلط ولا سيما في احصاء الاعداد من الاموال والعساكر اذا عاضت في الحكايات اذ هي مضنه الكذب ومطيه الهذر ولابد من ردها الى الاصول وعرضها على القواعد ومن الغرض الخفيف التاريخ الذهول عن تبدلالاعصار ومرور الايام وذلك ان احوال العالم والامم وعوائدهم ونحلهم لا تدوم على وتيره واحده ومنهاج مستقر انما هو اختلاف على الايام والازمنه وانتقال من حال الى حال وكما يكون ذلك في الاشخاص والاوقات والامصار فكذلك يقع في الافاق والاقطار والازمنه والدول سنه الله التي خلت في عباده وقد كانت في العلم امم الفرس الاولى والسريانيون والنيط والتبابعه والقبض وكانوا على احوال خاصه بهم في دولهم وممالكهم وسياستهم وصنائعهم ولغاتهم واصطلاحاتهم وسائل مشاركاتهم مع ابناء جنسهم فتبدلت تلك الاحوال وانقلبت بها العوائد الى ما يجانسها او يشابهها والى ما يباينها او يباعدها ثم جاء الاسلام بدوله مضر فانقلبت تلك الاحوال اجمع انقلابه اخرى فربما يسمع السامع كثيرا من اخبار الماضين ولا يتفضل لما وقع من تغيير الاحوال وانقلابها فيجريها لاول وهله على ما عرف ويقيسها بما شهد وقد يكون الفرق بينهما كبيرا فيقع في مهواه من الغلط فاذا يحتاج صاحب هذا الفن الى العلم بقواعد السياسه وطبائع الموجودات واختلاف الامم والبقاع والاعصار في السير والاخلاق والعوائد والنحل والمذاهب وسائر الاحوال والاحاطه بالحاضر من ذلك ومماثله ما بينه وبينالغائب من الوفاق او بون ما بينهما من الخلاف وتعليل المتفق منها والمختلف والقيام على اصول الدول والملل ومبادئ ظهورها واسباب حدوثها ودواعي كونها واحوال القائمين بها واخبارهم حتى يكون مستوعبا لاسباب كل حادث واقفا على اصول كل خبر وحينئذ يعرض خبر المنقول على ما عنده من القواعد والاصول فان وافقها وجرى على مقتضاها كان صحيحا والا زيفه واستغنى عنه