سار التابعون الله ومن بعدهم من السلف والمحدثين على خطا أصحاب النبي ﷺ في العناية بالسُّنَّة وحفظها، وبذلوا جهدهم في سبيل أداء هذه الأمانة على أكمل وجه، وقد كان لاستقرار الرأي على كتابة الحديث أثر كبير في انتشار السُّنَّة، كما كان لتغير أحوال الناس ووجود الاختلافات السياسية وظهور البدع أثر في الاحتياط في تلقي الحديث والتفتيش في الأسانيدمرت رواية الحديث بأطوار متعدّدة عبر العصور، من لدن صدر الإسلام حتى استقرت المرويات في المصنفات الكبار، وكانت هناك عوامل متعدّدة لها أثر في الرواية في شتى مراحلها وأطوارها، وكان لبعضها أثر في جوانب من منهج المحدثين في التحمل والرواية والنقد. ولم يكن تأثير هذه العوامل على الرواية سلبيا، بل إنَّ المحدثين قد تعاملوا معها بوعي للحفاظ على السُّنَّة النبوية، وقد ظهر ذلك جليا من خلال قواعد قبول الرواية وانتقاء الرواة ونقد المرويات، كما سيأتي بيانه إن شاء الله. كان المسلمون في زمن النبي ، ثم في خلافة أبي بكر وعمر وصدر من خلافة عثمان = على خير واجتماع كلمة وتمسك بالسُّنَّةِ، ولم تكن الخلافات السياسية أو المذهبية قد ظهرت بعد. ثم بدأت تلك الخلافات تظهر في أواخر خلافة عثمان الله بعد أن ثارت الفتنة التي أدت إلى مقتله، وكان ذلك أول خلاف ظهر بين المسلمين، وبه بدأ ظهور الأهواء الدخيلة على الإسلام. ثم ازدادت الخلافات بعد وقوع الفتن الأخرى؛ كالشيعة والخوارج، وظهر الكذب في حديث النبي ﷺ؛ لأنَّ بعض هذه الفرق لم تجد في نصوص القرآن والسنة الصحيحة ما يُؤيد بدعتها، فلجأت إلى انتحال الكذب. واختلقت أحاديث في مسألة الخلافة والأحق بها، وذم غيرهم. وكانت الرافضة أول فرقة وضعت الأحاديث نصرة لمذهبها، وذلك للتقدم الزمني لها من جهة، واستحلالها الكذب من جهة ثانية. ولذا حذر الأئمة من الرواية عن الرافضة،أحاديث أهل العراق؛ ومن ذلك : أنه لما جاء جماعة من أهل العراق إلى عبد الله بن عمرو بن العاص ، وطلبوا منه أن يُحدثهم؛ قال: «إنَّ من أهل العراق قوما يكذبون ويكذبون ويسخرون (۱). وقال بعض الحفاظ : «تأملتُ ما وضعه أهل الكوفة في فضائل علي وأهل بيته، فزاد على ثلاثمئة ألف (٢). قال: كنا إذا اجتمعنا واستحسنا شيئًا؛ جعلناه حديثا. الجامع لأخلاق الراوي (۱/ ۱۳۸). فتاب منه - قال: «لا ترووا عن أحد من أهل القدر شيئًا، فوالله لقد كنا نضع الأحاديث، تدخل بها الناس في القدر نحتَسِبُ بها» (۳). فقالوا: نحن نكذب له، فذهبوا إلى جواز وضع الحديث ترغيبا للناس في الطاعة، وزجرًا لهم عن المعصية (٤). ج وكان للزنادقة نصيب وافر من ذلك أيضًا، فقد كانوا يتسترون بالإسلام، ويضعون الأحاديث في تحليل الحرام وتحريم الحلال تشويها للدين، وإيقاعا للشك والريب في نفوس الناس. فهي تجول في أيدي الناس (0) وساهم القصاص أيضًا في وضع الحديث ، فرووا الغرائب والمناكير، رغبة في استثارة عواطف الناس ولفت انتباههم،من المؤلفات في التحذير من أحاديث القصاص: 1. لابن تيمية (٧٢٨هـ). . تحذير الخواص من أكاذيب القصاص»، هـ وكان لبعض جهلة الصالحين كثر في وضع الأحاديث وانتشار الغرائب والمناكير؛ فوضعوا الأحاديث حسبة بقصد ترغيب الناس في عمل الخير، وزجرهم عن الشر. فكان له دور كبير في ظهور الأحاديث الموضوعة، فوضعت أحاديث كثيرة في فضائل بلدان معينة أو لغات أو قبائل، والموطات، والمصنفات، وغيرها، كما سيأتي بيانه في الوحدة الثانية. وقد اعتنى الأئمة بالكلام على الأسانيد، وتواريخ الرجال وأحوالهم جرحًا وتعديلا، والرحلة في طلب الحديث، وروايته وتحمله، والتصنيف فيه، منها: تطور الرواية في هذه القرون، فصارت رواية الكتب أكثر من رواية الأحاديث، وزيادة الاهتمام بالإجازة؛ بسبب كثرة الشيوخ ومروياتهم وطول الأسانيد. الانتخاب على الشيوخ والانتقاء من مروياتهم أكثر مما كان موجودًا من قبل. ج انتشار مجالس الإملاء، وكثرة الإقبال عليها ثم تلقى أتباع التابعين العلم عن التابعين، حتى دونت الكتب، وقد برزت في العصر الأول مدرستان كبيرتان أولاهما في الحجاز (المدينة ومكة)، والثانية في العراق (الكوفة). ولا ريب أن المدينة كانت مركز العلم الأول بعد وفاة النبي ﷺ، وكان فيها أكثر الصحابة ، من أشهرهم: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وخارجة بن زيد، وكان بعد هؤلاء طبقة أخرى أخذت العلم عن كبار التابعين؛ كابن شهاب الزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وأمن مكة فكان فيها حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس ، كسعيد بن جبير، وغيرهم. وكان بعد هؤلاء طبقة أخذت العلم عنهم أو عن بعضهم؛ كعمرو بن دينار، وأما مدرسة الكوفة فإمامها الصحابي الجليل : عبد الله بن مسعود له، والأسود بن يزيد، ومن بعدهم: إبراهيم النَّخَعي، وعامر الشعبي. وكان بعد هؤلاء طبقة فيها : الأعمش، وأبو إسحاق السبيعي، ومن بعدهما طبقة فيها سعيد بن أبي عروبة، وشعبة بن الحجاج، وحماد بن سلمة، وغيرهم. وبالشام: عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، وبواسط: هشيم بن بشير. وقد سار التابعون فمن بعدهم على طريقة الصحابة في تلقي الأخبار وروايتها، ا قوی و استفادوا من منهجهم في التعامل مع المتغيرات التي طرأت في زمانهم، ومن ذلك: الأسباب التمسك بالسنة والالتزام بها. منهج الله بعين التي طرية في زمانهم فقد كانوا على درجة رفيعة من التمسك بالسنة، وكانوا يحثون تلاميذهم على الاعتصام بها وامتثالها، وهذا من أعظم وسائل حفظها. ب وقول الأوزاعي: «إذا بلغك عن رسول الله ﷺ حديث فإيَّاك أن تقول بغيره، فإنَّ رسول الله ﷺ كان مبلغا عن الله تبارك وتعالى ) (٢). ج - وقوله أيضًا: ندور مع السنة حيث دارت (۳). السؤال عن الإسناد. كان السلف الصالح من التابعين فمن بعدهم أمناء على سنة النبي ، فكانوا يحتاطون في نقلها، ولا يقبلون الرواية إلا عن أهل الصدق والإتقان. ومما يدل على ذلك :أ- قول محمد بن سيرين إنَّ هذا العلم دين، ب وقول سفيان الثوري: «الاسناد سلاح المؤمن، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء (۳). التثبت والاحتياط في التحمل والتلقي. ومن صور ذلك: سؤال الراوي والتأكد منه. ومن ذلك ما رواه . ا رواه مسلم (4)، فقال كعب لأبي هريرة: أنت سمعت هذا من رسول الله ؟ قال أبو هريرة: «نعم». الرجوع إلى صاحب القصة للتحقق من الحديث. قال عروة بن الزبير: ذكر مروان في إمارته على المدينة أنه يتوضأ من مَسَّ الذكر إذا أفضى إليه الرجل بيده، وقلت: لا وضوء على مَن مَسَّه، فقال مروان أخبرتني بسرة بنت صفوان، فذكر الحديث، قال عروة فلم أزل أماري مروان حتى دعا رجلًا مِن حَرَسِه، فأرسله إلى بسرة، فأرسلت إليه بسرة بمثل الذي حدثني عنها مروان (0). قال يزيد بن أبي حبيب: «إذا سمعت الحديث فانشده كما تَنشُدُ الضَّالَّةَ، فَإِنْ عُرِفَ فَخُذْه، وإلا فدعه ). وقال أحمد: لا تكتبوا هذه الأحاديث الغرائب؛ فإنها مناكير، وعامتها عن الضعفاء» (۷) وقال مرة: «شر الحديث الغرائب التي لا يُعمل بها ولا يعتمد عليها (۸) ولا حدثني رجل بحديث وأحببت أن يُعيده علي، ولا حدثني رجل بحديث إلا حفظته (۱). ب وقول علقمة: «أطيلوا كر الحديث لا يَدْرُس ) (۲). تحفظوه » (۳). العناية بمذاكرة الحديث. اعتنى التابعون فمن بعدهم من المحدثين بمذاكرة الحديث عناية فائقة، فلم يكونوا يكتفون بحفظ الحديث في صدورهم، بل كانت تعقد مجالس للمذاكرة، وتقام المناظرات بين أصحاب الحديث فيها. ومما يدل على ذلك: أ- قول علقمة: تذاكروا الحديث؛ ب وقال يزيد بن أبي زياد التقى ابن أبي ليلى وعبد الله بن شداد بن الهاد، فتذاكرا الحديث، فسمعت أحدهما يقول للآخر : يرحمك الله، فرب حديث أحييته في صدري كان قدمات » (٥). ج- وقال علي بن الحسن بن شقيق يقول: كنت مع عبد الله بن المبارك في المسجد في ليلة شتوية باردة، فقمنا لنخرج، فلما كان عند باب المسجد ذاكرني بحديث أو ذاكرته بحديث، فأذن لصلاة الصبح (1) . الرحلة في طلب الحديث وسماعه. فقد كان التابعون يرحلون إلى الصحابة ليأخذوا العلم عنهم، ثم رحل أتباع التابعين إلى التابعين، حتى اتسع نطاق الرحلة شيئًا فشيئًا. ومما يدل على ذلك: ج - وقول هشيم: كنتُ أكون بأحد المصرين، فيبلغني أنَّ بالمصر الآخر حديثا، ومعرفة مصادرها ومخارجها. معرفة أحوال الرواة، اللقاء بالحفاظ، ومذاكرتهم، وللرحلة آداب يذكرها المحدثون، وإتقان المعرفة به. استئذان الأبوين في الرحلة. اختيار الرفيق الصالح في الرحلة. الرجوع إلى الوطن والإقامة فيه عند انتهاء الغرض المقصود من الرحلة. طلب علو الإسناد. كان أهل الحديث يرغبون في الإسناد العالي ويتطلبونه، بغية التثبت من رواية راوي الخبر، ولكون العلو أقرب إلى الصحة وأبعد عن الخطأ؛ لأن الإسناد العالي تقل الوسائط فيه، فيقل احتمال وقوع الخطأ فيه. لذا اعتنى الأئمة في عصور الرواية بطلب علو الإسناد، حتى قال أحمد: طلب الإسناد العالي سنة عمن سلف (٥)، كما جاء عن ابن المديني أنه قال:النزول شؤم (۱)، وعن ابن معين: الحديث بنزول كالفرحة في الوجه » (٢). وقد كان عقد مثل هذه المجالس دأب أهل الحديث من قديم، وكان يحضرها الجم الغفير من الناس، حتى شاع عندهم اتخاذ المستملين، وهم الذين يبلغون كلام المحدث إلى الناس البعيدين الذين لا يصلهم صوته. وكان لمثل هذه المجالس الأثر الكبير في نشر الحديث على نطاق واسع، ثم تطورت من حيث المضمون، فصار بعض الشيوخ يسوق طرق الحديث ومتابعاته وشواهده بأسانيده، ويتكلم عليها، وصار لمثل هذه المجالس آداب خاصة عندهم، اختبار الشيوخ والرواة. فتنكشف حال الراوي بعد الاختبار، وقد ابتكروا في هذا السبيل أصنافا من الاختبارات؛ كاختبار الراوي بالسؤال عن وقت سماعه، أو بقلب الأحاديث وإدخالها عليه، وغير ذلك. ومن الأمثلة على ذلك: أ- ما جاء عن إسماعيل بن عياش قال: كنت بالعراق، فأتاني أهل الحديث، فقالوا: هاهنا رجل يحدث عن خالد بن معدان، فقلت: أي سنة كتبت عن خالد بن معدان؟ قال: سنة ثلاث عشرة، فقلت: أنت تزعم أنك سمعت من خالد بن معدان بعد موته بسبع سنین (۳). ب وعن حماد بن سلمة قال: كنت أقلب على ثابت البناني حديثه، وكنت أقول لحديث أنس: كيف حدثك عبد الرحمن بن أبي ليلى؟ فيقول: لا إنما حدثناه أنس، وأقول لحديث عبد الرحمن بن أبي ليلى: كيف حدثك أنس ؟ فيقول: لا إنما حدثناه عبد الرحمن بن أبي ليلى (4) طرق التابعين فمن بعدهم في ضبط الحديث اعتنى التابعون ومن بعدهم من المحدثين بضبط الحديث أشد اعتناء، وبالغوا في إتقان المكتوب وضبط المحفوظ ؛ ليبلغوه كما سمعوه، والتثبت من المكتوب. ومن ذلك: أ- ما جاء عن محمد بن عمرو أنه قال: «لا والله لا أحدثكم حتى تكتبوه، إني أخاف أن تغلطوا علي (٢) . ب وقال طلحة بن عبد الملك: أتيتُ القاسم وسألته عن أشياء، فقلت: أكتبها؟ قال: نعم، فقال لابنه: انظر في كتابه، لا يزيد علي شيئًا»، قلت: يا أبا محمد، إني لو أردت أن أكذب لم آتِكَ»، قال: «إني لم أرد ، وصحيفة سعيد بن جبير عن ابن عباس ، الاهتمام بضبط الكتاب وإصلاح الغلط. ومن مظاهر هذا الاهتمام: - توضيح الكتابة، وإزالة الإبهام والاستعجام عنها بالنقط ونحوه. قال الأوزاعي: «العَجْمُ (۲) نور الكتاب» (۳). ب - ضبط الكتابة، والتحرز من التصحيف، فاشهد له بالصحة (٤). وقال أبو زرعة الدمشقي: رأيتُ عفَّانَ يحض أصحاب الحديث على الضبط والتغيير؛ ليصححوا ما أخذوا عنه من الحديث (٥). - معارضة الكتاب بأصله ومقابلته. قال: عارضت ؟ قلت: لا، وتحريف الغالين، وتأويل الجاهلين، فبذلوا في سبيل ذلك الجهود العظيمة. والكلام على منهج النقد عند المحدثين وأثره في حفظ السنة النبوية = لا يفي به مثل هذا المقام، نقد الأحاديث وتمييز صحيحها من سقيمها . وهو مضمار كبير، فابتكروا فيه العلوم، وقعدوا له القواعد، وألفت فيه المؤلفات النظرية والتطبيقية. وقد وضع أهل الحديث لهذا النقد قواعد دقيقة، مبنية على أصول علمية محكمة، تراعي حال الراوي في نفسه من جهة ديانته وصدقه، وتراعي حاله في شیخه وطريقة سماعه وروايته، وعرض روايته على روايات غيره والمقارنة بينها؛ للكشف عن سلامة روايته من الخطأ. ولكل قاعدة من تلك القواعد ضوابط وأصول تحكمها، حتى نتج عن ذلك تراث ضخم في النقد نظريا وتطبيقيا. فنعرضه على أصحابنا كما يُعرَضُ الدرهم الزائف، فما عرفوا منه أخذنا به، وما أنكروا تركنا» (٢). ب تحملهم عناء السفر في سبيل التحقق من صحة الأحاديث، ومن ذلك: قصة رحلة شعبة بن الحجاج ليتأكد من صحة حديث الوضوء؛ حيث رحل إلى مكة، ثم إلى المدينة، ثم إلى البصرة (۳ ج - وقول ابن المبارك: «إذا أردت أن يصح لك الحديث؛ فاضرب بعضه ببعض (۱). التحذير من الكذابين وتبيين الأحاديث الموضوعة. مع ظهور الوضع في الحديث إبان فشُو الفتن والأهواء والبدع في هذه الأمة = شمر المحدثون عن ساعد الجد للكشف عن هذه الأحاديث وتبيينها والتحذير منها؛ لئلا يغتر الناس بها. ومما يدل على ذلك أن الرشيد أخذ زنديقا ليقتله، فقال: أين أنت من ألف حديث وضعتها؟ قال: «فأين أنت - يا عدو الله - عن أبي إسحاق الفزاري وابن المبارك؟ ينخلانها، فيخرجانها حرفا حرفًا» (٢). ومنه قول يحيى بن سعيد القطان: لم تر الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث، وفسره مسلم بأن الكذب يجري على لسانهم ولا يتعمدونه (۳). ج - استعمال التاريخ في كشف كذب الكذابين الذين يدعون السماع ممن لم يلقوهم. ومن ذلك قول سفيان الثوري: «لما استعمل الرواة الكذب؛ استعملنا لهم التاريخ (4). نقد الرواة، والتحذير من الرواية عن الضعفاء.