كَمَا أَنَّ رُؤْيَةَ الْمُسْتَقْبَلِ قَبْلَ حُدُوثِهِ هِيَ مَسْأَلَةٌ تَهْدِمُ الْفِكْرَ الْمَادِّيَّ مِنْ أَسَاسِهِ، سَوَاءٌ الْفِرُويْدِيَّ مِنْهُ أَوِ الْمَارْكِسِيَّ، وَيُمَيِّزُ الْقُرْآنُ بَيْنَ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ مِنَ الْأَحْلَامِ وَيَفْصِلُ بَيْنَهُمَا، فَهُنَاكَ إِذًا أَضْغَاثٌ وَرُؤًى، وَلَكِنَّ فِرُويْدَ لَا يَرَى مِنَ الْأَحْلَامِ إِلَّا تِلْكَ الْأَضْغَاثَ وَالْهَلْوَسَةَ الشَّهْوَانِيَّةَ، بَيْنَمَا يَرَى الدِّينُ أَنَّ السَّعَادَةَ فِي مُخَالَفَتِهَا وَقَمْعِهَا وَالتَّحَكُّمِ فِيهَا وَالتَّسَلُّقِ عَلَيْهَا عَوْدًا إِلَى الْوَطَنِ الْأَوَّلِ إِلَى اللهِ الَّذِي مِنْهُ جَاءَتْ كُلُّ النُّفُوسِ وَإِلَيْهِ تَعُودُ. أَمَّا الْحُزْنُ عِنْدَ فِرُويْدَ فَهُوَ عَلَى الْعَكْسِ نَتِيجَةُ حُبِّ الدُّنْيَا وَالْحِرْمَانِ مِنْهَا. وَالطَّبِيبُ النَّفْسِيُّ يُحَاوِلُ أَنْ يَصِلَ إِلَى هَذِهِ الْخِبْرَةِ الْمَنْسِيَّةِ بِالتَّحْلِيلِ أَوِ التَّنْوِيمِ الْمِغْنَاطِيسِيِّ أَوْ بِمُلَاحَظَةِ الْمَرِيضِ فِي أَثْنَاءِ تَدَاعِي خَوَاطِرِهِ. وَلَكِنَّ الدِّينَ يَنْظُرُ إِلَى الْمَوْضُوعِ فِي إِطَارٍ أَوْسَعَ وَأَشْمَلَ، هُوَ إِطَارُ الْعَلَاقَةِ بِاللهِ. فَمَنْ كَانَ قَرِيبًا مِنْ رَبِّهِ ذَاكِرًا لَهُ عَلَى الدَّوَامِ، لَا يَنْسَى شَيْئًا وَلَا يَغِيبُ عَنْ بَالِهِ شَيْءٌ لِأَنَّهُ فِي دَائِرَةِ النُّورِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ نَظْرَةِ عِلْمِ النَّفْسِ وَنَظْرَةِ الدِّينِ هُوَ افْتِقَادُ عِلْمِ النَّفْسِ لِلشُّمُولِ وَالنَّظْرَةِ الْكُلِّيَّةِ.