تقدم البنية الصناعية في أي بلد معلومات مثيرة للاهتمام عن الثقافة السائدة فيه. إذ إن المجتمعات التي تمتلك عائلات قوية، لكنها تنصف في الوقت نفسه بروابط ضعيفة نسبياً من الثقة بين الناس الذين لا تجمعهم صلات القربي تخضع غالباً لهيمنة مؤسسات تجارية صغيرة، في تطوير مؤسسات اقتصادية خاصة وقوية تتجاوز تخوم العائلة. من المعروف تقليدياً أن اليابان تمثل نموذجاً لمجتمع يتميز بنزعة جماعية وميل للإذعان لسلطة الدولة، بينما تجسد الولايات المتحدة مثال المجتمع الفرداني. تشكل القطب المقابل لليابان في مجال النزعة نحو التواصل الاجتماعي. لكن لو نظرنا إلى البنى الصناعية في كل من اليابان والولايات المتحدة لوجدنا عدداً من أوجه الشبه المثيرة للاهتمام. وفيه عدد قليل نسبياً من الشركات التي تملكها الدولة أو تسيرها إدارات محترفة، في وقت مبكر نسبياً من تاريخهما التطوري: في ثلاثينيات القرن التاسع عشر بالنسبة للولايات المتحدة، وفي العقود الأخيرة منه بالنسبة لليابان. وبالرغم من احتفاظ اليابان والولايات المتحدة بقطاعات مهمة من المؤسسات التجارية الصغيرة التي تديرها العائلات على الأغلب، إلا أن معظم حجم العمالة موظف في شركات كبيرة ذات ملكية متوزعة على عدد كبير من الأطراف تتشابه هذه البني الصناعية في البلدين أكثر مما تتشابه مع تلك الموجودة في المجتمعات الصينية في تايوان وهونغ كونغ من جهة، أو في فرنسا وإيطاليا وإسبانيا من جهة أخرى. وإذا مثلت اليابان والولايات المتحدة قطبي نقيض في مجال النزعة الاجتماعية، فلا الولايات المتحدة على الدرجة نفسها من الفردانية، لقد أغفلت الأدبيات التي تناولت قضية القدرة التنافسية، حين ركزت على مسألة السياسة الصناعية في مقابل سياسة السوق الحر، إلا أن معظم المراقبين الاجتماعيين الجادين قد لاحظوا في الماضي أن الولايات المتحدة امتلكت تاريخياً العديد من البني الاجتماعية القوية والمهمة التي تعطي مجتمعها المدني كثيراً من الديناميكية والمرونة. إضافة طبعاً إلى قطاع خاص قوي ومزدهر، الرحال الفرنسي اليكسي دو توكفيل أثناء زيارته لأميركا في ثلاثينيات القرن التاسع عشر. كما لاحظ هذا الجانب من المجتمع الأميركي أيضاً عالم الاجتماع ومع أن هذه الجمعيات حصرية، إلا أنها في الوقت نفسه طوعية . وصحيح أن للأميركيين تراثاً راسخاً يناسب الدولة العداء، وهو أمر يتضح من صغر الحجم النسبي للقطاع العام الأميركي قياساً بحجمه في جميع البلدان الأوروبية، ومن استطلاعات الرأي التي تظهر دون لبس تدني مستوى ثقة الأميركيين بالحكومة وعدم احترامهم لها، مقارنة بما يظهره المواطنون تجاهها في البلدان الصناعية الأخرى، لكن مناهضة الدولة تختلف عن معاداة النزعة الاجتماعية. ويقول الأميركيون إنهم يشعرون بشكوك عميقة بالحكومات الكبيرة، لكنهم يتفوقون في إنشاء المؤسسات الخاصة الضخمة التي تتميز بالتماسك والتلاحم والمحافظة عليها، وكانوا رواداً في تطوير الشركات التراتبية الحديثة التي أصبحت في ما بعد شركات متعددة الجنسية) مع ما أفرزته من نقابات عمالية كبرى. فالعائلة التي تكون أصغر أشكال المجتمع البشري والقاعدة الأساسية له، مع ما رافق ذلك من ارتفاع حاد في نسبة الطلاق وفي عدد العائلات أحادية الأب أو الأم. وفي ما وراء تخوم الأسرة، وفي الوقت نفسه انخفض بشكل ملحوظ مستوى الثقة بين المواطنين الأميركيين، قامت الدولة، ولهذا تجسد الولايات المتحدة اليوم صورة مناقضة المجتمع حيوي فعال تمتع باحتياطي ضخم من رأس المال الاجتماعي الذي تراكم عبر السنين ليعطيه حياة اجتماعية غنية و ديناميكية، في وقت يفرط في إظهار عدم الثقة والفردانية بكل ما يتصفان به من جنوح لعزل أعضائه وتذريرهم. يوجد هذا النمط من الفردانية الانعزالية دوماً على شكل نزعة في حالة كمون داخل المجتمع، لكن أميركا استطاعت السيطرة عليها بواسطة التيارات الاجتماعية القوية التي شهدتها عبر تاريخها. ومن بين أبرز العلماء الذين ركزوا على مر السنين على دور الدولة في التطور الاقتصادي الياباني المؤرخ الاقتصادي الكسندر غير شنكرون، والباحث المختص في الشؤون اليابانية تشالمرز جونسون". وعلى شاكلة النظرة التي ترى الأميركيين فردانيين، فإن التوكيد على أن اليابان مجتمع يؤمن بمركزية سلطة الدولة يستند إلى بعض الأجزاء الجوهرية من الحقيقة، يطمح أذكى الناس وأبرعهم وأكثرهم شباباً ليصبحوا موظفين بيروقراطيين لا رجال أعمال، وتتدخل الدولة لتنظيم الاقتصاد والمجتمع وضبطهما بدرجة أكبر بكثير مما يحدث في الولايات المتحدة، كما أن الشركات والأفراد على استعداد أكبر للإذعان السلطة الدولة مقارنة بالولايات المتحدة، وذلك بتوجيه الاعتمادات، وتمويل البحث والتطوير وما شابه. أما الولايات المتحدة، من جهة أخرى، فلم يكن لديها على الإطلاق سياسة صناعية واضحة المعالم، لكن الدور المباشر الذي تلعبه الدولة في الاقتصاد الياباني يظل محدوداً مقارنة بالمجتمعات التي يزداد فيها تركز السلطة بيد الدولة مثل فرنسا والمكسيك والبرازيل (فضلاً عن المجتمعات الاشتراكية في الصين أو في بلدان الاتحاد السوفييتي السابق). وظل إنتاج القطاع العام الياباني بالنسبة للناتج القومي الإجمالي الأقل حجماً منذ عدة سنوات بين دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وبالطبع، لا يشير أولئك الذين قدموا الحجة على التفسير الدولتي للتطور الاقتصادي الياباني إلى تدخل الحكومة المباشر، بل إلى ذلك التفاعل المتميز بالبراعة والمهارة بين الحكومة والشركات الكبرى في اليابان - والتعبير المألوف الاندماج الياباني بين الحكومة والشركات أبلغ ما يصف هذه العلاقة. بحيث يصعب التفريق بين القطاع العام والقطاع الخاص، لقد أكد المراقبون مراراً على أن في الحياة الاقتصادية اليابانية عنصراً قومياً تفتقده الدول الغربية. فإنه لا يبذل قصارى جهده من أجل نفسه أو عائلته أو شركته فحسب، بل في سبيل مجد ورفعة الأمة اليابانية أيضاً ). وبسبب التعاون الوثيق ما بين الحكومة والشركات، والذهنية القومية السائدة، بحيث يصعب رسم خط فاصل يميز بدقة بين العام والخاص في اليابان، تسرع الكثيرون في استنتاج عدم وجود فوارق بينهما. كما إن غموض المجتمع الياباني المعظم الأجانب عنه، أعطى الدعم لمثل هذه النظريات التي تفسر العلاقة بينهما باعتبارها نوعاً من التواطؤ الذي يصل إلى حد التأمرا لكن المحركات الكبرى للنمو الاقتصادي الياباني كانت جميعها (باستثناء الفترة القصيرة التي امتدت عقدين من السنوات في بداية عصر النهضة الميجية) مشروعات تجارية قام بها القطاع الخاص عرفت في مرحلة ما قبل الحرب باسم از ایباتو Zaibatu، مع الشبكات التجارية للشركات متعددة الجنسية، تشكك جميعها بالفرضية القائلة إن الدولة هي العامل الرئيس في التنمية الاقتصادية حتى في حالة اليابان. وكانت على درجة من الانتشار والتنوع بحيث يصعب اختزالها في صيغة كهذه ). وأن النمو قد حصل بالرغم من وليس بسبب الجهود التي بذلتها وزارة الصناعة والتجارة الخارجية اليابانية. وعلى أي حال، لكنها لا تعتمد على صلات القرابة، التي لا يوجد ما يماثلها في الصين، وعلى شاكلة الأميركيين، والبوذية وحتى المسيحية بمختلف طوائفها وكنائسها، ويدعمون بإسهاماتهم الحالية شبكة كثيفة ومتنوعة من المنظمات الدينية والطبيعية الطائفية للحياة الدينية اليابانية أقرب إلى الأميركيين منها إلى الصينيين وعلى طول مجرى التاريخ الياباني، وسوفيا، ودوشيشا، كمثيلاتها الأميركية في هارفارد، يكتسب القول دقة أكبر حين يشير إلى أن لليابانيين ثقافة تنزع نحو الجماعة لا الدولة . وبينما يكن معظم اليابانيين احتراماً للدولة في مرحلة ما بعد الحرب، فإن ارتباطاتهم الوجدانية الأساسية - مشاعر الولاء والإخلاص التي تجعلهم يبقون في مكاتبهم حتى العاشرة ليلاً، أو تفوت عليهم فرصة قضاء عطلة نهاية الأسبوع مع أسرهم هي مع الشركات والمؤسسات التجارية والجامعات التي تستخدمهم. لقد كانت هنالك حقبة سبقت الحرب العالمية الثانية جسدت أثناءها الدولة الهدف الأساسي للولاء، وكان المواطنون في حياتهم الخاصة على درجة أكبر من الوعي الذاتي بالأهداف القومية التي يطمحون لخدمتها. لكن الهزيمة في الحرب استطاعت تقريباً التشكيك بهذا النوع من المشاعر القومية، لكن اليابان تشترك مع الولايات المتحدة في القدرة على الإنتاج التلقائي للمؤسسات الاجتماعية القوية التي تقف في الجزء الأوسط من السلسلة أي في المنطقة التي تحدها العائلة من جهة والدولة من جهة أخرى، وتصبح الأهمية التي تعزى لهذه القدرة أكثر وضوحاً حين تقارن الولايات المتحدة واليابان بالمجتمعات الاشتراكية، أو البلدان الكاثوليكية اللاتينية، أو المجتمعات الصينية. لقد تعمدت الدولة اللينينية القضاء على جميع المنافسين المحتملين لقوتها: بدءاً بالقمم المتحكمة بالاقتصاد،