بالرغم من أن العطاء الفكرى الإسلامى لم ينقطع خلال عصور الإسلام كلها، أما ثالث هذه الأمور فيتمثل في ولوج ميدان التطبيق للاقتصاد الإسلامي، فقد اكتفى الباحث بعرض أفكار بعضهم على اعتبار أن كتاباتهم تمثل عينة فهو يؤكد أن الإسلام كل لا يتجزأ : عباداته ومعاملاته شرائعه وتوجيهاته ولذا فالشعائر التعبدية ليست منفصلة في طبيعتها وأهدافها عن النظم والمعاملات وأن محاولة تضخيم الجانب التعبدي وعزله عن الجانب الاجتماعي أو عزل الجانب الاجتماعى عنه هى آفة العصر لا آفة الدين). وأن يكون هناك توازن بين الأعمال التعبدية والأعمال الدنيوية. ويرى سيد قطب أن الإسلام أحاط العمل بقداسة، كذلك فإن العمل بكل أنواعه وألوانه قيمة أساسية من القيم الاجتماعية والاقتصادية الإسلامية (٢) . ومن أجل ذلك أوجب على الجماعة تهيئة فرص العمل لكل فرد فيها الأن الطاقة التي لاتصرف في العمل ستجد لها طريقا آخر هو طريق المعصية) (۳). فإذا لم تجد في الطاعة عملا التمست في المعصية أعمالا، إن أحد العوامل - في رأيه - التي تزيد الكفاءة الإنتاجية للعامل هو احترام حقه في الرعاية الصحية والراحة الضرورية وتعجيل أداء الأجور فالرعاية الصحية والراحة الضرورية تزيد من قدرة العامل بينما تعجيل أداء الأجور يزيد من رغبته ونشاطه في العمل، والإسلام يحرص على أن يعمل كل فرد بكامل طاقته الإنتاجية. بل إن الإسلام يطالب العامل بالتجويد في عمله وإتقانه ويعتبر ذلك عبادة لله، كما يرى سيد قطب أن الإسلام عالج فساد جهاز العمل وضعف الإنتاج بطريقتين (٦) تتمثل أولهما في ملء النفس بالعقيدة الدافعة على العمل وتغيير الأوضاع الاجتماعية المريضة التي أدت إلى فساد الذمم والضمائر والاستهتار بالعمل الواجب وتبديد الثروات البشرية الهائلة وتحويلها إلى فتات وحطام. كما اعتبر أن حق العمل كحق الطعام وأن العمل زكاة للأرواح والأجسام، وهكذا استطاع سيد قطب أن يبين كيف أن أمراضا معاصرة يمكن علاجها بالعقيدة وتطبيق الشريعة. وقد استعان بالفكر الاقتصادي الحديث لإبراز مدى تفرد وتميز الفكر الإسلامي مقارنة بالفكر الوضعى وهو يرى أن المشكلة الاقتصادية في الإسلام هي مشكلة الإنسان نفسه لا الطبيعة، فالقاعدة الإسلامية عنده هي "إن العمل سبب لتملك العامل للمادة، أما بالنسبة لمركز الإنسان فهو فى صف سائر القوى المساهمة في الانتاج (طبيعة ورأسمال) وبالتالي يتلقى الإنسان نصيبه من الناتج بوصفه مساهما فيه خادما له ويتساوى في الأساس مع الوسائل المادية التى تساهم معه في عملية الإنتاج. فعملية الإنتاج نفسها من أجل الإنسان، أما بالنسبة لمفهوم العمل ودوره في تنمية الإنتاج، فيؤكد باقر الصدر أن النقطة الوحيدة التي تتفق عليها المذاهب الإسلامية والرأسمالية والماركسية جميعا على الصعيد المذهبي هي تنمية الإنتاج والاستفادة من الطبيعة إلى أقصى حد ضمن الإطار العام للمذهب (۳). كما يوضح وسائل الإسلام في تنمية الإنتاج من الناحية الفكرية ومن الناحية التشريعية ونستطيع أن نلخص أفكاره بالنسبة لهذه النقطة في الآتي: ۱) أوضح أن الإسلام حث على العمل والإنتاج، ۲) أكد أن الإسلام حرم الكسب بدون عمل، كما قاوم فكرة البطالة بكافة أنواعها. (۳) أشار إلي أن الإسلام حرم بعض الأعمال العقيمة من الناحية الإنتاجية كالمقامرة ٤) أوضح أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن اللهو والمجون لما فيه من عزل الإنسان عن مجال الإنتاج والعمل الحقيقي المثمر. 0) أشار أن الإسلام حرم القادرين على العمل والنشاط الاقتصادي من الضمان الاجتماعي، ولذلك سد عليهم منافذ التهرب من العمل المثمر. ٦) أشار إلي أن الإسلام أوجب على المسلمين كفاية تعلم جميع الفنون والصناعات التي تنتظم بها الحياة، كما أوجب عليهم الحصول على أكبر قدر ممكن وأعلي مستوى من الخبرة الحياتية العامة في كافة الميادين. ۷) رأى أن الإسلام منح الدولة القدرة على تجميع عدد كبير من القوى البشرية العاملة والاستفادة منها في مجالات القطاع العام الإنتاجي بما يضمن مساهمة جميع الطاقات في حركة الإنتاج الكلى (١). ثم يعرض لتعريفات العمل ومفاهيمه عند العرب والفلاسفة وعلماء النفس والاقتصاديين المحدثين وإنجلز والنظام الرأسمالي وعند المدرسة التاريخية، وتحت عنوان "مفهوم تقدمي للفظ العامل في الإسلام يستعرض كل ما يتعلق بالعمل والولايات في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وفي عهد أبي بكر وعمر رضى الله عنهما. ثم يحاول أن يفرق بين العمل المشروع والعمل غير المشروع. الآتية وفي كل من إجهاد الذهن وإجهاد العضل شقاء للبدن. ولكن مادة العمل واحدة. وماءه ومأواه، بالحياة. د - أن طلب الرزق بالعمل المنتج حق لله والعباد وحق الله فيه غالب على حق كل فرد. وتكليف أساسى يقع على عاتقها لصالح كل فرد . و- إفراد الخطاب لآدم في كلمة "فتشقى" يقرر مبدءا هاما في أن العمل فريضة على الرجل دون المرأة. بل في كتاب الله العزيز وسنة نبيه صلي الله عليه وسلم ما يفيد أن كرام النساء كن يعملن فهذا المبدأ يقرر فقط أن تدبير المعاش أساسا فريضة على الرجل. ۲) يؤكد عیسی عبده نفس ماقيل عن العمل عند الصحابة وأئمة وعلماء المسلمين، فله في الإسلام منزلة رفيعة سامية حيث نادى به الإسلام وجعله أفضل القريات إلى الله تبارك وتعالى وهو عبادة وجهاء ويسمو على كل الفرائض في تكفير بعض الذنوب والعمل الصالح فى المرتبة الثانية بعد الإيمان ولم يفرق الإسلام بين العمل الفكري والعمل اليدوى، ولهى عن البطالة بأنواعها وحدر من السؤال الغير حاجة، وطالب بإتقان العمل وهذا يتطلب ثلاثة أمور فى مراقبة الله في السر والعلن وتهيئة الجو كما طالب بأن يكون العمل على قدر الطاقة (١). (۳) يرى أن الإسلام اعتبر كل جهد مشروع مادى أو معنوى (أو مؤلف منهما معا ) عملا ويترتب على ذلك تساوى البشر من حيث كونهم عمالا ولا إمتياز لفئة على أخرى إلا بقدر المنفعة التي يقدمونها للمجتمع، ذلك أنهم ليسوا فريقا من المجتمع بل هم جميع العاملين في المجتمع، وعلى العاملين الكاسبين أن يتكفلوا بإعالة العاملين العاجزين عن الكسب (٢). 1) يرى عيسى عبده أن الشروط التي يجب توافرها فى العمال عند اختيارهم تتمثل في الحرية (من استقل بكفايته) والإسلام ووثق بدينه وأمانته كما يؤكد على ضرورة التزام مبدأ الجدارة في التوظيف كأساس لتنمية القوى العاملة في الإسلام، وفي وجوب تولية الأصلح للعمل والحرص على تنمية كفاءة القائم به عن طريق التدريب. أما الشروط التي يجب إعلامها للعامل عند تولية العمل فهي إعلامه بمكان العمل وتعيين العمل والعلم بمسئولياته وحقوقه (۳). ٥) يؤكد ضرورة اختيار العامل المسلم للأعمال - أو الأنشطة الإنتاجية - المباحة شرعا والامتناع عن تلك المحرمة وأن يختار العمل الذى يناسبه وفقا لقدراته. فالتجار والزراعة والصناعة من الأعمال المشروعة إذا كانت فى حدود الشريعة ومقاصدها أما الأعمال غير المشروعة فهى التى تخرج عن حدود الشريعة ومقاصدها مثل العمل مع الظلم والاحتكار والربا والإضرار والغش (6) . ٤) عبد الرحمن يسرى أحمد وحركية العمل" تبعا لفرص التوظف والدخل الأفضل والمحاولات المستمرة لاكتشاف أخطائهم الفنية والعمل على تفاديها، والجهود المبذولة للارتقاء بمستوى مهاراتهم عن طريق التعليم والتدريب. وقد استدل بالعديد من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية لكي يثبت أن هذه جميعا من الأمور التي تحرص عليها الشريعة الإسلامية وتحث عليها القيم المنبثقة من العقيدة الغراء. ثم ناقش بأن عدم تحقق المقدرة البشرية العالية فى الدول الإسلامية النامية يرجع لأحد افتراضين: وحيث إن ظروف التخلف الاقتصادى هى السائدة فإنه لا يمكن النفاذ من حلقة التخلف إلا عن طريق المتغيرات المادية الإيجابية مثل زيادة معدلات الاستثمار أو التقدم التقني ومعظم النظريات الوضعية تدور في فلك هذا الافتراض وبعضها يصل إلى حد الاستبعاد المطلق للعوامل غير المادية وهذا ما يرفضه الإسلام كلية. ب أن مقدرة العنصر البشرى متغير أصلي يؤثر في المتغيرات المادية من حوله ولكنه ضعيف أو غير كاف لإحداث التغير الموجب في العوامل المادية لسبب أو لآخر، ويرى الاقتصاديون الوضعيون أن ذلك راجع إلى القوة النسبية للمتغيرات المادية. ولذا يرى عبد الرحمن يسرى أن المنهج الإسلامي يهيئ المناخ الاجتماعي الملائم الذي ومهما كان فهو خير من البطالة الاختيارية. واهتمام رسول الله صلي الله عليه وسلم بهذا الأمر بنفسه أرسى قاعدة يتمسك بها حكام المسلمين فيما بعد (۳). وإذا فهم الفرد والمجتمع المسلم ذلك سيترتب عليه النتائج التالية: أ- أن المسلم سيعمل دائما بنشاط متجده بصرف النظر عن العائد المتوقع الحصول عليه العقيدته وإيمانه بأن الله ورسوله والمؤمنين يراقبونه فى عمله ولذلك فإن إتقانه وكلما زادت المقدرة على تحمل مخاطرة أكبر كلما زادت احتمالات التجديد والربح وازداد رواج النشاط الاقتصادى وفى ذلك مصلحة للمجتمع كله. أو بخس حق صاحب العمل .