الجرح : هو ظهور وصف في الراوي يثلم عدالته، فعلم الجرح والتعديل هو العلم الذي يبحث في أحوال الرواة من حيث قبول رواياتهم أو ردها، إذ به يتميز الصحيح من السقيم. (2) نشأة علم الجرح والتعديل : تعود نشأة علم الجرح والتعديل إلى وقت مبكر من تاريخ السنة النبوية الشريفة، إلى عهد النبي صلى الله عليه وسلم إذ ثبت الكلام عنه في التعديل والتجريح. ومما جاء عنه في التعديل أنه قال :" إن عبد الله رجل صالح"، يعني عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما. (4) وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عباس وغيرهم، (5) والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله ابن عمر، وعلي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وأبي سلمى بن عبد الرحمان بن عوف، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وخارجة بن زيد بن ثابت، وغيرهم من فتشوا عن الروايات، وبحثوا في أحوال الرواة. ثم تبعهم في ذلك وسار على هديهم فيه من جاء بعدهم من التابعين، كمحمد بن مسلم بن شهاب الزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري، والبحث عن الرجال، وشعبة بن الحجاج، وغيرهم. ثم أخذ عن هؤلاء الحديث والبحث عن الرجال والتفتيش عن الضعفاء جماعة بعدهم : كعبد الله بن المبارك، ويحيى بن سعيد القطان، ووكيع بن الجراح، وعبد الرحمن بن مهدي، وغيرهم من أقرانهم. وأخذ عن هؤلاء جماعة ممن رحلوا في جمع السنن والتفتيش عنها والبحث عن الرجال، وبيان أحوالهم جرحا وتعديلا، وعلي بن المديني، وأبي بكر بنابي شيبة، وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي، وغيرهم. وتبعهم في ذلك جماعة من تلاميذتهم الذين أخذوا عنهم السنن، وسلكوا طريقهم في البحث عن أحوال الرجال وانتقاء الآثار : كمحمد بن يحيى الذهلي، وأبي زرعة الرازي، ومسلم بن الحجاج، وأخذ علم هؤلاء تلاميذتهم، (6) وتجدر الإشارة إلى أن الكلام في الجرح والتعديل كان قليلا محدودا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك في عهد كبار الصحابة رضي الله عنهم، وذلك لقلة الضعفاء والمشكوك في أمانتهم من الرواة في هذين العهدين الكريمين. حتى اتسع في أواخر عهد صغار التابعين وأوائل عهد كبار أتباع التابعين، فتصدى لذلك العلماء، إذ تسابقوا في التفتيش عن الروايات ليميزوا صحيحها من سقيمها، وجالوا الأمصار، وأوسعهم تفتيشا وبحثا، ظن البعض أنه أول من تكلم في الجرح والتعديل، فقال :" إن أول من تكلم في الرجال شعبة بن الحجاج، ثم تبعه يحيى ابن سعيد القطان، (7) لقد دون جماعة من علماء هذا الفن ما توصلوا إليه من نتائج في هذا المجال، ومسلم، وأبي داود والنسائي وغيرهم. ولم يكد ينتهي القرن الثالث الهجري حتى كان علم الجرح والتعديل علما قائما بذاته له معالمه ورجاله وكتبه، وخدمة العلوم الإسلامية بوجه عام. (8) ذكر السبب في الجرح والتعديل : اختلف المحدثون في قبول الجرح والتعديل من غير ذكر السبب على أقوال : 1 – لا بد من ذكر السبب في الجرح والتعديل، وقد يظنان ما لا يستقل بإثبات العدالة تعديلا، ولا سيما مع اختلاف المذاهب في الأصول والفروع، وعلى خلاف ما يعتقده، كما وقع ذلك كثيرا. إذا كان الجارح أو المعدل بصيرا بالجرح والتعديل، لأن أسبابه كثيرة يصعب ذكرها من الأعمال الصالحة، وترك المنكرات، ولا يشق ذكره، فيطلق أحدهم الجرح بناء على ما اعتقده جرحا، فلا بد من بيان سببه لينظر هل هو قادح أو لا؟ وهو قول نقاد الحديث وعلمائه، 4 – يقبل الجرح من غير ذكر السبب، ومطلق التعديل لا يحصل الثقة، (9) أو ليس بشيء، أو هو ضعيف، تفسير الجرح عند تعارض الجرح والتعديل : تعارض الجرح والتعديل : قد تتعارض أقوال العلماء في جرح الراوي وتعديله، لأن بعضهم يرى أن ذلك الراوي كان فاسقا فجرحه، ولكن الآخر رآه قد تاب فعدله ونحو ذلك، ولم يكن الجمع بينهما فللعلماء في ذلك أقوال، أشهرها ( وهو قول الجمهور) : فإنه يقدم في هذه الصورة والتعديل، لأن معه زيادة علم. بلا دليل، وثبتت في العلم أمانته، لم يلتفت فيه إلى قول أحد إلا أن يأتي في جرحته بينة عادلة تصح بها جرحته على طريق الشهادات. الجرح والجارح : ولا بد من أن يكون من تلك الشروط السابقة عارفا بأسباب الجحر والعدالة، فلا يقبل منه القول في الرواة. (10) ليس بشيء، لم تكن تلك الألفاظ التي تدل على جرح أو تعديل الرواة موضع اتفاق بين أصحابها، لذلك يجب معرفة مدلولها عند كل منهم، فمثلا، يحيى بن معين إذا قال :" ليس به بأس" فهو ثقة عند غيره، تطلق على من هو أدنى من ثقة. ذكرها في كتابه :" الجرح والتعديل". (11) إن أهمية "علم الجرح والتعديل" تكمن في أهمية السنة النبوية، ويحفظوها مما أضيف إليها من إفك المبطلين وافتراء المفترين، وخالصة من كل عيب، معروفا صحيحها من سقيمها، وقويها من ضعيفها. وأشادوا بفضله وفضيلة التحلي به، فقال علي بن المديني :"التفقه في معاني الحديث نصف العلم، ومعرفة الرجال نصف العلم". (12) وأفضل ما يكتسب به الذخر في الدنيا حفظ ما يعرف به الصحيح من الآثار، ولا استخراج الدليل - من الصريح، وكيفية ما كانوا عليه في الحالات. وخلاصة القول ،