قبل أن نتطرق لمفهوم الصناعة الثقافية لا بد أن نعر ج على مفهوم الثقافة ابتداءً، على اعتبار أن مصطلح الصناعة الثقافية مركب من كلمتين هما الصناعة والثقافة، فلا يمكن أن يتضح لنا دلالة هذا المفهوم المركب دون المرور على طرفيه ووجه العلاقة بينهما. هي عملية تحويل المواد الخام إلى منتجات ذات قيمة مضافة قابلة للاستهلاك أو الاستخدام، السلع والخدمات عن طريق المشاريع التقنية في مجالات متعددة مثل الصناعات التحويلية والاستخراجية، لاقتصادية المعقدة التي تضيف فائدة للمواد الخام، اعتبار الصناعة قطاعًا اقتصاديًا ثانويًا يضم الأنشطة ا أساسيًا في التنمية الاقتصادية وخلق فرص العمل وتحسين جودة الحياة . الصناعة ليست مقتصرة على التصنيع في المصانع فقط، بل تشمل أيضًا مجالات أخرى مثل الزراعة والنقل معتمدة على رأس المال والآلات والموارد البشرية. تطورت الصناعة بشكل كبير منذ القرن التاسع عشر مع وهي تعد ركيزة هامة لتنويع مصادر الدخل القوم اقتصادات الدول إلى اقتصادات رأسمالية صارت كل الموارد الطبيعية وحتى الثقافية قابلة للتصنيع والتوزيع التجاري. " أن لفظة صناعة بمفهومها المعاصر يقترن بما يصطلح عليه بالثورة الصناعية، قبل ذلك على ملكة إنسانية تقترن بالمهارة والجد والمثابرة والاجتهاد واستمر هذا الاستخدام للفظة صناعة، المؤسسات الصناعية والانتاجية وعلى نشاطاتها العامة" ترد لفظة الثقافة على هذا النحو تدل على سرعة الفهم، والقدرة على ضبط الأمور وإدراكها. كان عبد الله بن أبي بكر يوصف بأنه رجل ثقف، الأصفهاني: تقويم الش يء تثقيفه، يقول بشار بن برد: إذا الملك الجبار صعر خده أتينا إليه بالسيوف نعاتبه وأبيض تستسقي الدماء مضاربه يشير الأصل اللغوي إلى صقل النفس والمنطق والفطانة، مما يدل على تطور الفرد ورقي ذوقه Culture[ لفظ الثقافة وفي هذا دلالة على أن الأعمال المتعلقة بالفن والجمال والإبداع أنما استمدها الإنسان من نشاطه الزراعي والفلاحي وعنايته وفي هذا المعنى كتب فرانسيس بيكون " ولا يفوقها 2ثقافة هي واحدة من بين كلمتين أو ثلاث يكتنفها أشد التعقيد في اللغة الإنجليزية في ذلك إلا الكلمة المستمدة منها وهي الطبيعة يكتسبها الإنسان كعضو في المجتمع هناك تناقض في تحديد معنى الثقافة بين الخطاب الألماني والخطاب الفرنس ي والإنجليزي، بالتنافس بين فرنسا وألمانيا، في الاستعمال اللغوي الألماني تسود كلمة ثقافة حين تستخدم الخطاب الإنجليزي أو الفرنس ي، الثقافة، كانت الحضارة فكرة فرنسية في الأدبيات الغربية، والاقتصادية والتقنية، كما أنها من الجماعات أو فرد من الأفراد وليس للمجتمع ككل. Culture] الاختلاف الألماني حيث الفكري، التوجه اللاتيني يفيد التريية والتوعية، وهي فروقات حاسمة لا تزال تبر اليوم الاختلاف في الإدراك والممارسة بين الثقافتين الألمانية والفرنسية وميز بين ثلاثة معاني كبرى هي عملية عامة للتطور المادي والروحي والجمالي. طريقة حياة معينة سواء لشعب أو حقبة أو لمجموعة بشرية ككل. بمعنى الموسيقى والأدب والرسم والنحت والمسرح والسينما. الصناعة الثقافية: تقنيات الصناعة الحديثة. ن التشكيلية، ثم تسويقها مثل السلع الصناعية. الوسائط والفنون التقليدية وغيرها. وهي مدعومة بقوانين الملكية الفكرية وحقوق المؤلف. حيث يستخدم المنتجون تقنيات صناعية لتحويل الأعمال الفنية إلى منتجات ثقافية قابلة للبيع والتسويق. وتتميز بكونها ميداناً يجمع بين الفن والاقتصاد، ولها تأثير اجتماعي هام في يمكن اعتبار الصناعات الثقافية مصدر ًا هام ً ا للثروة والتنمية، وهي تتضمن إنتاج ونقل الأعمال التي لها طابع ثقافي أو فني، ويتم التعامل معها كسلع أو خدمات في السوق، " (Dialectique de la raison) التنوير وخداع استهلاكية، فقد الجماهير" في العنوان دلالة واضحة على الفخ الذي نصب للجماهير باسم الثقافة لتحويله إلى آلة مع تحفظهما على استغلال الثقافة اقتصادياً واجتماعياً. تقتنها الجماهير المخدوعة بكل رغبة مثل السلع من المهم أن نشير إلى أن في مسودة الكتاب كان الأمر متعلقا بالثقافة الجماهيرية، بيد أنه سرعان ما تم التخلي عن وهذا لأجل استبعاد التفسير الذي يرض ي المدافعين عما يسمى بالثقافة الجماهيرية، 1970 السمعي البصري، تعود بدايات تحويل الأعمال والمواد الثقافية إلى سلع قابلة للتصنيع إلى الاختراع الثوري للطباعة بالحروف المتحركة في القرن الخامس عشر والذي أتاح ا نتاج الكبير للكتب وانتشار المعرفة على نطاق أوسع. بعدها جاءت الثورة الصناعية لإ التي مكنت من تطوير وسائل إنتاج وتسويق المنتجات الثقافية بطرق صناعية. نقده العميق للمجتمع الصناعي وتأثيره السلبي على دلالة مصطلح الصناعة الثقافية عند تيودور أدورنو ترتكز على في كتابه " الثقافة الثقافة جماعية شاملة تهدف إلى تحويل هذا التحول يؤدي إلى تدمير الأصالة الثقافية وتحول الثقافة إلى نمط متجانس موحد يرى أدورنو أن المنتجات الثقافية قيمتها الحقيقية وتتحول إلى أدوات للتسلية والترويح تؤدي إلى انقياد الجماهير وسلب حريتهم الإبداعية. وفق ً ا لأدورنو، فإن مما يُرسخ هيمنة الرأسمالية وقيمة السوق على الثقافة، "الهالة" أو الخصوصية التي كانت المنتج الثقافي في هذا السياق يفقد ن الأصيل، أدورنو اعتبر أن هذه الثقافة الجماهيرية المستهلكة تمنع التفكير تميز الف صناعة الثقافة والتسليع من خلال فكرة أن الثقافة في المجتمع الصناعي تتحول إلى سلعة تُنتج وتُباع مثل أي منتج في السوق الثقافي، أي السعر الذي يمكن أن يُباع به المنتج الثقافي. هذه السلع الثقافية جودته أو محتواه الحقيقي، بغرض تحقيق الأرباح المال التي تتيح له استهلاك هذا الفن، لذا، تتحول الثقافة إلى نمط موحد ومتجانس يخدم الهيمنة المادية للرأسمالية ويُقيد التفكير النقدي، ويمنع الإنتا وفق ً ا لمدرسة التي تضم أدورنو، الثقافة في المجتمعات الرأسمالية تتحول إلى وسائل إعلام وفنون تهيمن عليها الأجندات تعمل على تزوير الوعي الجماهيري وصرفه عن فهم واقعه الحقيقي، مما يؤدي إلى غياب النقد السياس ي والاجتماعي وتنمية وعي زائف ترمز في نظر فالتر بنيامين" أنتجته شركة القيام بتجارب حسية" وتمنعهم من النظر النقدي للأنظمة السياسية والاقتصادية، تولد وتدفعهم إلى الاستهلاك المتكرر للمنتجات الثقافية التي تكرس جعل الثقافة بعيدة مما ي و عن دورها الأساس ي في تعزيز الوعي والحرية زائفة للواقع، الثقافة بهذه الص إلى وسيلة لتصنيع واقع مزيف بدلاً من كشف حقيقته، فتُبقي المجتمعات في حالة تخدير فكري واجتماعي الذي كان أحد مؤسس ي نظرية الصناعة الثقافية ضمن مدرسة فرانكفورت النقدية، فإن مما تميل إلى جعل الجمهور سلبيًا ومطيعًا عبر استهلاك ترفيه سهل وبسيط، يلهي الناس ويجعلهم يرضون بالوضع القائم دورنو كيف يشر ح أ حيث تزر ع الصناعة الثقافية "احتياجات نفسية زائفة" الثقافة في ظل الصناعة الثقافية تتحول إلى خداع جماعي أن بدلاً من تحقيق الاحتياجات الحقيقية مثل الحرية والإبداع والسعادة رد أداة للهيمنة الحقيقية. يتم فرض وعي مزيف على الجماهير تحت هيمنة الرأس مالية،