يتكون مصطلح الكوسموبوليتية من «كوسموس» أي الكون و «بوليتس» المواطن. وتوجد توترات واضحة بين هذين المصطلحين. مونتين كتب بأن أحدهم سأل سقراط عن وطنه فأجاب: ليس أثينا ولكن العالم. فسقراط الذي كانت معرفته أكبر وأعظم من كل الآخرين نظر إلى الكون كوطنه ومعرفتة وأعماله الخيرة وحسه المدني كانت لكل البشرية، لا أحد يعرف إن كان ذاك فعلا جواب سقراط لكن القصة نقلها سيسيرو في كتابه محادثات نوسكولوم وإيبكتيت في «المباحثات» وبلوتارك في كتابه دي إيغزيليو حيث يمدح سقراط لأنه ليس أثينيا أو يونانيا ولكن رجلا «كونيا». لكن ماذا يعني أن يكون المرء كونيا وكيف لكوني أن يكون ديمقراطيا إذا كانت الديمقراطية بالنسبة عند اليونان لا تتحقق إلا داخل حدود الدولة؟ أرسطو كان يقول بأنه للحياة خارج حدود المدينة يتوجب على الإنسان أن يكون إما حيوانا أو إلها. وبما أن البشر ليسوا هذا ولا ذاك والكوسموس ليس المدينة، فإن الكوسموبوليتي ليس فعلا بمواطن ولكنه كائن آخر. ويؤكد الكلبيون مثل ديوجين هذا الاستنتاج، ويزعمون بأنهم لا يشعرون في كل مدينة بأنهم في بيتهم، يعيش في انسجام مع الطبيعة والكون ولكن ليس مع مدينة البشر التي ينأى بنفسه عن ترهاتها. إن بعض المعاني السلبية لهذا المصطلح والتي نعرفها من التاريخ اللاحق، لكن ضد هذه الصيغة السلبية عن الكوسموبوليتية كثقافة ترحال بلا مدينة دولة، تقوم الحكمة الرواقية التي ترى أن الإنسان لا يقتسم مع الآخرين القوانين السائدة داخل دولة ما ولكن أيضا العقل الذي يجعل من البشر كائنات عاقلة. في تأملاته الذاتية كتب مارك أوريل „إذا كنا نشترك في ملكة التفكير فإن ذلك يعني أننا نشترك في العقل. وإذا كان الأمر كذلك فهذا يعني أننا نشترك في القوانين، فذلك يعني أننا كمواطنين نشارك في إدارة دولة، وإذا كان الأمر كذلك فإن العالم هو في الآن نفسه دولة إن فكرة نظام يتجاوز الاختلاف بين حق الناس في دول متعددة ويتجذر بدلا من ذلك في النظام العقلاني للطبيعة، سوف تتحد في القرون اللاحقة بالمبدأ المسيحي عن المساواة العامة. فقد ألهم القانون الطبيعي للرواقيين فكرة الدولة الإلهية المسيحية خلافا لدولة البشر الأرضية، لتجد في النهاية طريقها إلى نظريات القانون الطبيعي للفكر السياسي المعاصر لدى توماس هوبز وجون لوك وجان جاك روسو و إمانويل كانط. هذه التقييمات السلبية والايجابية المرتبطة بكلمة كوسموبوليتي والتي نصادفها بدءا في الفكر اليوناني والروماني ستستمر عبر القرون: فالكوسموبوليتي هو شخص ينأى بنفسه سواء في فكره أو سلوكه عن الأعراف والقوانين وينظر إليها من وجهة نظر نظام أسمى، أما المنظر الذي سيبعث الحياة في الرؤية الرواقية للكوسموبوليتية وسيعطي لهذا المفهوم اتجاها جديدا فهو إمانويل كانط. فمع كانط سنرى بأن الكوسموبوليتية والديمقراطية، وقد أدمجتا في دستور جمهوري، من الكوسموبوليتي إلى المواطنة العالمية إمانويل كانط الذي ألفه بمناسبة اتفاقية بازل للسلام بين بروسيا وفرنسا الثورية، باهتمام جديد منذ بضع سنوات. فبالنظر إلى عولمة السياسة، وقد صاغ كانط فكرته عن السلام في بنود ثلاثة: يجب أن يكون الدستور المدني لكل دولة دستورا جمهوريا“. يجب أن يتأسس حق الشعوب على اتحاد دول حرة“. أما البند الثالث فيقول بضرورة „أن يقتصر الحق العالمي على ابتكار شروط حسن الضيافة العالمية“. إن كانط يستعمل في هذا البند الثالث مصطلح «القانون العالمي» بوضوح. وبما أنه مدرك لغرابة مصطلح «الضيافة» في هذا السياق، يشير على سبيل الاحتياط أنه حتى هنا “كما في البند السابق بأن الكلام لا يجري عن فيلونتروبي )محبة الإنسان( وإنما عن القانون“. الذين يحضرون إلى بلدي أو لظروف طبيعية أو تاريخية يحتاجون مساعدتي، بما أنه يمكن النظر إليهم كمواطنين بالقوة في «دولة الإنسان العامة»، الجمهورية العالمية. لكن على الرغم من ذلك فإن «الحق» في «الضيافة» أمر غريب، لأنه لا يتعلق بالناس الذين ينتمون للدولة نفسها ويخضعون للقانون ذاته، ولكنه ينظم التفاعلات بين بشر، ينتمون لدول مختلفة ويلتقون عند حدودها. في البلاد التي يحضر إليها، بمنزل يقيم فيه مدة من الزمن(، إنما المقصود هو حق الزيارة الذي يجيز لجميع الناس أن يتبرعوا بالانتماء إلى المجتمع بموجب حق التملك المشترك للمساحة الأرضية، ويفرق كانط هنا بين حق دائم في البقاء، «حق الضيافة» وبين حق في البقاء زمني، عبر «عقد خيري» يتجاوز ما يدين به الإنسان أخلاقيا للآخرين. إن دعوة كانط إلى عدم رفض دخول من يحتاجون مساعدة إلى البلد، إذا ما كان هذا الرفض يشكل خطرا على حياتهم، اعتمد سنة 1591 كقاعدة قانونية في اتفاقية جنيف الخاصة باللاجئين، والتي تقضي برفض الترحيل القسري للاجئين وطالبي اللجوء إلى بلدانهم الأصلية، وطبعا بإمكان الدول الحرة أن تفسر هذه القاعدة، أو الالتفاف عليها عن طريق تسليم اللاجئين أو طالبي اللجوء إلى بلد ثالث. لقد تنبأ كانط بهذا التوسط بين الالتزام الأخلاقي تجاه طالبي اللجوء والمصلحة الخاصة، وعمل على شرعنته. إن الترتيب المعياري لهذين المطلبين الالتزام الأخلاقي تجاه الثالث والمصلحة الشخصية الشرعية هو وبغض النظر عن الأخطار المحدقة باللاجئين الذين تم ترحيلهم، بتأويل خاص من طرف الدول المستقلة، ترك كانط وصية تقبل أكثر من تأويل: كان يريد شرعنة التوسع التجاري البحري للرأسمالية، لأن من شأن ذلك أن يقرب بين الأعراق البشرية، لكن دون أن يعمد إلى شرعنة الامبريالية الأوروبية. إن حق الزيارة العالمي يسمح بالإقامة المسالمة لوقت محدد من الزمن في بلد ما، كما عبر كانط عن ذلك في معرض حديثه عن محاولات الغزو الأوروبية في الصين واليابان. لقد كان التفريق في القرن الثامن عشر بين «حق الضيافة» و «حق الزيارة» في سياق التطور الذي عرفته الامبريالية الأوروبية البحرية، لكنه لم يعد كذلك بالنسبة لعصرنا. إن على الدستور أن يضمن حقوق المواطنة للأجانب ولا يجب النظر إلى ذلك كعقد خيري. ويؤكد „أن لكل فرد حق التمتع بجنسية ما“ كما أنه „لا يجوز حرمان شخص من جنسيته تعسفاً أو إنكار حقه في تغييرها“. إنا مدينون لكانط بتفريقه بين القانون العام الذي ينظم العلاقات القانونية بين الأشخاص داخل كيان محدد، والقانون الدولي الذي ينظم تلك السائدة بين الدول والقانون المدني العالمي، الذي ينظم العلاقات القانونية بين أشخاص لا ينظر إليهم كأعضاء في شعب معين، بل كمواطنين في مجتمع مدني عالمي. إن كانط حين يوضح بأن الفاعلين الأساسيين على المستوى الدولي ليسوا دولا وزعامات سياسية فقط ولكن أيضا مواطنين من تكتلات مختلفة، فإنه يمنح المفهوم الكوسموبوليتي معنى جديدا، وأعنى بذلك المواطن العالمي. إن فكرة المواطنة العالمية تتضمن أملا طوباويا، يرى أن التجارة من شأنها أن تدعم السلام بين الناس. إن تكثيف العلاقات بين الناس سيقود إلى „أن خرقا للقانون في مكان ما على هذه الأرض، إن المواطنة العالمية هي أولا نظام قانوني جديد، يرى أن البشر بكل بساطة، يتوجب علينا أن لا ننسى الجوانب السلبية أيضا في ليبراليته رغم إنجازها المدهش: ففي جمهورية كانط ينظر إلى الخدم والنساء كتلاميذ بدون ملكية، ووضعهم القانوني يرتبط برب العائلة(.