وأعاد السماعة إلي مكانها ونقد البائع ثمن المكالمة واستدار فوق التوار متجها نحو الطريق. وبدا أنه ينظر إلي الداخل لا إلي الطريق ثم مال يُمنة بمحاذاة صف من اللوريّات الواقفة نسق التوار حتي وجد منفذا إلي الشارع، وفوق إفريز محطة الترام صدر عن فرملة الفورد صوت محشرج متشنج ممزق وهي تزحف علي الأرض بعجلات متوقفة جامدة وهرع نحو الضحية في ثوان عشرات وعشرات كأسراب الحمام، وكان منكفئا علي وجهه ولا يجرؤ أحد علي لمسه وإحدي رجليه ممدودة إلي آخرها والأخري منثنية منحسرة البنطلون عن ساق نحيلة غزيرة الشعر، وألصق سائق الفورد ظهره بالسيارة من باب الحيطة وراح يخاطب مجموعة من الحفاة أحدقت به علي سبيل المراقبة: "لا ذنب لي، وند عن المصاب صوث كالزفير المكتوم وتحرك حركة شاملة ثانية واحدة ثم غرق في اللامبالاة. "لكنه طار في الهواء والعياذ بالله" "ولو عفو ربنا كبير، "كل ساعة حادثة من هذا النوع" خطوات فقط وعينهم لا تتحول عن الرجل ولا تخفي حِدة تطلعها وإشفاقها وقال إنسان:"سيبقي هكذا حتي يموت ونحن لا نفعل شيئا" فأجابه الشرطي بلهجة رادعة "أقل لمسة قد تقتله، واعترض الحادث جانب الطريق واضطرت السيارات إلي الإلتفاف حول السور البشري مشاركة الترام في ممشاة. وجاء بوليس النجدة وراء صفارته الحلزونية فاتسعت الحلقة وغادرت القوة السيارة إلي الرجل الملقي وكان الضابط حاسما وحازما، وإذ لم تكن ثمة ضرورة إلي السؤال فإنه لم يلق بالا إلي الجواب، فتقدم ماسح أحذية وسائق لوري وصبي كبابجي كان عائدا بصينية فارغة، وأدرك الضابط ما يعنيه ذلك علي حين استطرد رجل الإسعاف قائلا:"أعتقد أن الحالة خطيرة جدا". "عملية!" فهز رأسه قائلا: "إنه يحتضر!" وصدقت فراسة الطبيب فلقد تحرك الرجل حركة شاملة كالرعشة واضطرب صدره اضطرابا متلاحقا متحشرجا، وجاء ضابط النقطة والراجل ما يزال راقدا بكامل ملابسه، ودس الضابط يده برفق في جيب الجاكتة الداخلي فاستخرج حافظة نقود قديمة متوسطة الحجم ومضي يفتشها جيبا جيبا، ويستحسن تجنب المنبهات كالشاي والقهوة والشيكولاته" وابتسم الظابط ابتسامة باطنية، ولما لم يجد شيئا اخر في الحافظة قال بضيق:"لا توجد بطاقة تحقيق شخصية "، وانتقل إلي الجيب الداخلي وما لبث أن قال في فتور:"ثلاثة قروش ونصف عملة معدنية" وتوالي التفتيش وتتابع الإملاء، وكان اخر ما عثر عليه صفحة مطوية من كراسه وبسطها فوجدها رسالة لم تغلف بمظروف بعد، فعاد إلي رأس الصفحة ولكن الرسالة كانت موجهة "إلي أخي العزيز أدامه الله" فاستاء من هذه المعاندة ولم يجد بُدا من قرائتها. أضطر إلي التوقف رافعا عينيه إلي تاريخ الرسالة وكان تاريخ اليوم نفسه ٢٠ فبراير، وامتد بصره فوق الوجه الأسطر إلي الوجه الباهت المشئوب بزرقة مخيفة المغلق كسر، فانتبه إلي نفسه وابتسم ابتسامة إستهانة ليدل علي اعتياده أي شيء وقال "اليوم تحقق لي أكبر أمل في الحياة" بذلك بدأت الرسالة وعاد إلي القراءة متجنبا النظر إلي عيني الطبيب، طوي الضابط الرسالة وهو يقول إنه موظف كما يفهم من خطابه ولكن ليس به ما يمكن الإستدلال علي هويته،