تتطاير أوراق الشجر كلما هبت الريح .‎يسبب الضباب صعوبة في الرؤية . يضم أبو قاسم معطفه الثقيل حول جسده . يواصل مراقبة الشارع من نافذة الطابق الثاني في المدرسة . والمدينة تغفو في ظل . . أتمنى أن يجيئوا . عندما طلب‎منه المدير قبل أسابيع أن يزيل الشعارات المكتوبة على سور المدرسة الخارجي شعر بارتباك وحرج، تطلع نحو المدير بتساؤل ضعيف . كان الأخير يشعر بالحرج ، فسر له الأمور يا أبو قاسم، الجيش طلب أن نزيل الشعارات وإلا اعتقلوا الطلاب وأغلقوا المدرسة . تردد فربت المدير على كتفه وهتف بصوت‎ضعيف هذه أمور ليست في يدنا ، وقد شعر أبو قاسم بأن نظرات الطلاب كانت تشكل أنشوطة تضغط على عنقه عندما حمل الفرشاة ووعاء الشيد الممزوج بالماء ومضى نحو سور المدرسة ليغطي الشعارات المكتوبة عليه . كان جسده كله يرتعش عندما امتدت يده ترسم خطاً أبيض فوق الكلمات الحمراء إضراب . لا للاحتلال . كانيتمنى حينذاك أن ينهي العملية بسرعة ، ولكن اضطرابه أطالها . وعندماانتهى سار ذليلاً يخترق مجموعة من الطلاب كانوا يزاولون ألعاباً رياضية فيالساحة .كان ذلك موقفاً صعباً . يواصل أبو قاسم تحديقه عبر زجاج النافذة . لقد طلب يومها من المدير أن يعفيه من هذا العمل . ولكن وبعد يومين كانت شعارات جديدة تغطي السور وعندما عاود المدير طلبه رجاه أبو قاسم أن يقوم تصفر الريح في الشارع . ينهمر مطر ناعم . يفرك أبو قاسم يديه طلباً للدفء . المفروض أن يكون الآن بجانب المدفأة في غرفة الحراسة بالطابق الأول ولكنه ومنذ أيام يقوم بعملية مراقبة للشارع منتظراً أن يأتي أحد ليكتب الشعارات .تيقظت حواسه فجأة وألصق وجهه بزجاج النافذة عندما لمح ظلا يتحرك على حائط بناية مجاورة «لا بد أنهم هم . ستظهر الشعارات ، رحل أبو قاسم بأفكاره بعيدا نحو قريته البعيدة ،القرية. وسرى في جسد أبو قاسم النحيل موج من الحنان والحنين. كانت الريح عاصفة . والمدينة مستسلمة لمطر غزير . أتمنى أن لا يأتي أحد .همس أبو قاسم لنفسه . البرد شديد . ثم أضاف بهمس مسموع ، ولكن لا بد أن تظهر الشعارات .قرب يده اليسرى من النافذة فسقطت بقعة من ضوء عمود الكهرباء في الشارع على ساعته . كانت تقترب من منتصف الليل . حزم أمره . أحكم تدثير نفسه بالمعطف . توجه نحو مستودع المدرسة . فتحها . انتقى فرشاة ثم توجه ليأخذ مظلة من غرفة المدرسين. عندما خرج فاجأه الهواء والمطر والبرد . أحكم قبضة يده اليسرى على المظلة .