يظل الفيلسوف سقراط (469-399 ق.م) لغزاً، ومحيراً، رغم أنه لم يترك تراثاً مكتوباً. يعدُّ سقراط، إلى الأبد، أحد الفلاسفة القلائل الذين أثروا جذرياً في تغيير نظرة الفلسفة لذاتها. كل معلوماتنا عنه منقولة وموضع خلاف شديد، لكن محاكمته وموته على يد الديمقراطية الأثينية تظلان أسطورة تأسيسية للنظام التربوي الفلسفي، وتجاوز تأثيره الفلسفة ذاتها وعبر كل العصور. وبما أن حياته اعتبرت مثالاً نموذجياً للحياة الفلسفية، بل ولما ينبغي أن تكون عليه حياة أي إنسان، فقد نال سقراط إعجاباً كبيراً وتقلده كثيرون. هذا الأمر عادة ما يخص مؤسسي الديانات كيسوع وبوذا، وهو غريب لشخص حثّ بقوة على التفكير المستقل، وأُدين وأُعدم بتهمة الكفر بآلهة أثينا. لقد رأى الكثيرون ممن كتبوا عنه شخصاً غريباً عن تقاليد أثينا في القرن الخامس ق.م، سواء في مظهره أو شخصيته أو سلوكه أو آرائه وأساليبه. تكمن "المشكلة السقراطية" في صعوبة تمييز سقراط التاريخي عن سقراط الموجود في نصوص من كتبوا عنه، وعن شخصياته المتعددة في تفسيرات العشرات من المفسرين اللاحقين، وهو ما يدور حوله الخلاف. فكل عصر وتحول ثقافي ينتج سقراطه الخاص به. وما لا يقل صحة عن ذلك؛ أننا لا نعرف سقراط "الحقيقي"، بل نملك فقط مجموعة من التفسيرات، كل منها تصور سقراطاً "ممكناً نظرياً" بحسب تعبير كورنيليا دي فوجل. وفي الواقع، كانت دي فوجل تكتب بينما كان نموذج تحليلي جديد لتفسير سقراط، لغريغوري فلاستوس، على وشك أن يصبح المعيار السائد ويهيمن حتى منتصف التسعينيات. ويُعد سؤال "من هو سقراط بالفعل؟" المسألة الأساسية لتفسير فلاستوس لمحاورات أفلاطون الفلسفية، ولأي تفسير آخر.