لمعرفة جيده من رديئة وذلك بتحليله وتفسيره وتقدير قيمته الفنية. ولكنه كان يدور في فلك " الانطباعية الخالصة والأحكام الجزئية التي تعتمد المفاضلة بين بيت وبيت أو تمييز البيت المفرد أو إرسال حكم عام في الترجيح بين شاعر وشاعر" هو نقد يصدر من شخص تحت تأثير الانطباعات الأولية السريعة الذوقية أو المزاج الخاص الفردي، كما يكون هذا النقد أحكاما جزئية عامة سريعة غير معللة، يصف فيها الناقد النص ولا يبين الأسباب التي دفعته إلى ذلك. ويتميز هذا النوع من النقد بالسذاجة والبساطة والمبالغة في إصدار الأحكام، لأنه مبني على الانفعال والتأثر والنظرة العجلى، نماذج من نصوصه: من صور النقد الانطباعي ما يكون ملاحظات سريعة جزئية تعتمد على الذوق والسليقة، وَقَدْ أَتَنَاسَى الهَمّ عِنْد إذكاره​​بِناجٍ عليه الصّيْعرية مُكدَمِ فقال طرفه وهو صبي يلعب مع الصبيان: استنوق الجمل، وهو يريد أن الشاعر وهو يصف الجمل ذكر من أوصافه ما يخص الناقة (الصيعرية)، وهي سمة تكون في عنق الناقة لا في عنق الجمل. * ومن ذلك ما يروي أنه: " كان النابغة الذبياني تضرب له قبة حمراء من أدم بسوق عكاظ فتأتيه الشعراء فتعرض عليه أشعارها. أبو بصير، لَنَا الجفنات الغرّ يَلْمَعْنَ بالضّحَى​​وَأَسيافُنا يَقْطُرْنَ من نَجْدَةٍ دَما فقال له النابغة: أنت شاعر، ولكنك أقللت جفانك وأسيافك، وفخرت بمن ولدت ولم تفخر بمن ولدك ". فهذا نقد انطباعي سليقي مبني على الذوق الفطري الذي يمكن صاحبه من تمييز كلام عن كلام وشاعر عن شاعر، والمرجعية التي اعتمد عليها النابغة في قوله: وفخرت بمن ولدت ولم تفخر بمن ولدك، • العصر الإسلامي: عند مجيء الإسلام ظهر صراع حول الدين الجديد بين الشعراء وأصبحت الأحكام النقدية تعتمد الصدق والقيم الخلقية. فقد أثر عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه كان يستحسن قول طرفة بن العبد ويتمثل به: سَتُبدِي لكَ الأيامُ ما كنتَ جاهلا​​ويأتيكَ بالأخبار من لم تزوّدِ وكذلك عرف عن عمر بن الخطاب نظرته الموضوعية في الشعر فقد روى ابن عباس رضي الله عنه أن عمر سأله: "أنشدني لأشعر شعرائكم قلت: من هو يا أمير المؤمنين؟ قال: زهير، و لا يتتبع حوشيه، • العصر الأموي: فقال في الأخطل يجيد نعت الملوك ويصيب صفة الخمر"(. وبلغ منزلة عالية جعلته بمثابة (المحكم والناقد) ، فتأتيه الشعراء فتعرض عليه أشعارها. وأحسنهم مطالع ولشعره ديباجة. دخل إلى خيمة النابغة لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى ***** وأسيافنا يقطرن من نجدة دما قيل: ولو قلت (الجفان) لكان أكثر. وقلت (الغر) والغرة البياض في الجبهة, ولو قلت (البيض) لكان أكثر اتساعاً. لأن الإشراق أدوم من اللمعان. ولو قلت (سيوفنا) كان أكثر وقلت (يقطرن) فدللت على قلة القتل, لانصباب الدم, وقلت (دماً) والدماء أكثر من الدم, وفخرت بمن ولدت ولم تفتخر بمن ولدوك! وقافية متحدة، قالت لزوجها : علقمة أشعر منك، قالت : لأنك قلت : فأدرك فرسه ثانية من عنانه، لم يضربه ولم يتعبه وصاحبه علقمة الراكب عليه ثنى عنانه، وإذا استطاع أن يدرك الصيد بقوته المعتادة دون جهد منه، وأجهده بزجره، ولولا الضرب والزجر ما أسرع الفرس. ومدى استجابته للفارس، وما يليق بكل منها وما يستجيب له (31). جـ - النقد العروضي : الشعر العربي في نشأته ارتبط ببعض الأنغام الموسيقية، وقد مرت هذه الأنغام بمراحل مختلفة حتى استقرت على نظام معين أصبح جبلة ، وبهذا اتفق الشعراء على نغمات معينة تأتلف جميعها على الوزن والقافية، وقد نتج عن هذا الاتفاق ان الاذواق العربية في الجاهلية ألفت هذه الرتابة التي تحققها وحدة الإيقاع ووحدة النغم، فقد ذكر الرواة أمن آل مية رائح أو مغتدى عجلان ذا زاد وغير مزود زعم البوارح أن رحلتنا غدا وبذاك خبرنا الغراب الأسود ( فأنشدهم : وقد أتناسى الهمّ عند ادّكاره بناج عليه الصيعرية مكدم فقال طرفة ـ وهو صبي يلعب مع الصبيان ـ : استنوق الجمل . فالعربي كان ينتقد النصّ الأدبي من جهة ألفاظه ومفرداته انطلاقا من سجيّته اللغوية وفطرته الكلامية فهو عارف بلغته مدرك لاستعمالات ودلالات ألفاظها حقّ المعرفة وتمام الإدراك نقد الشكل : المقصود بشكل النّص الأدبي ما يتعلق بصورته من حيث عمودية الشعر وأوزانه وقوافيه وتركيبة قصائده من جهة مقدماتها وأغراضها ونحو ذلك . فمن النماذج والشواهد على اشتغال النقد الجاهلي وتعرّضه لشكل المنتوج الأدبي ما يروى عن النابغة الذبياني أنّه كان يّقوي في شعره ولا يتفطّن لذلك كقوله : أمن آل مية رائح أو مغتدي عجلان ذا زاد وغير مزود زعم البوارح أنّ رحلتنا غدا وبذلك خبّرنا الغرابُ الأسودُ بعض المظاهر النقدية في الجاهلي : 1) ظاهرة المفاضلة بين الشعراء وتقديم بعضهم على بعض : ومن أمثلة ونماذج هذه الظاهرة تقديم النابغة الذبياني للأعشى على غيره من الشعراء ثمّ ثنّى بالخنساء بينما ناقد آخر هو عمرو بن الحارث الغساني قدّم حسان بن ثابت على النابغة نفسه وعلى علقمة