إليك النص كاملًا كما هو مكتوب في الصور (من أول القصة حتى نهايتها): أنا أبو هندي، شالُ حرير يا بنات). بصوتِهِ الرَّخيم ولكنتِهِ المُمَيَّزة كانَ حَسُّونُ الحَوّاي يُصبحُ من على حمارتِهِ المحمَّلةِ بِضاعَتَهُ المُتَنوِّعَة، ويُرَدِّدُ أُنشُودَتَهُ تلكَ كُلَّما مَرَّ على بابٍ من الأبواب، النساءُ والأطفالُ يَستَبشِرونَ بِطَلَّتِهِ وبِضاعَتِهِ، الكُلُّ يُحبُّه. ورائحَةُ العُودِ والطِّيبِ تَسبِقُه، حَسُّونُ الحَوّاي لا يُؤَخِّرُ ولا يُقَدِّمُ إلا إذا أَذَّنَ المَغرِب، في ساعاتِ العَمَلِ هذهِ، يكونُ قدِ اطمأنَّ على أَهلِ الحارة. ويُفَضِّلُ أنْ يُفطِرَ في أكثر من خَمسَةِ بيوتٍ. فهو مَعزُومٌ عليهِ باستمرار، ويُغَلِّظُ الأيمانَ على مُضيفيهِ بأنْ لا يُكلِّفوهُ عَناءً، فهو من أهل البيت. بعدَها يَقومُ، ويَستَحمُّ من الشَّريعةِ، بيتهُ كانَ مبنِيًّا من الطِّين، وحوشٌ تُجَفَّفُ النَّخلُ فيهِ، لكنَّه كانَ خالِيًا من الزَّوجةِ والأولاد، وعندما تَسألهُ نِساءُ الحارةِ عن عَدمِ زواجهِ حتى الآن، هي الدُّنيا بِكرمها). كانت تُقلِقُهُ الحكاية، وإنْ كانَ يَخجَلُ عندما يتَفَتَّحونَ لهُ سِيرَةَ الزَّواج، وتُثِيرُهُ ذِكرَيَاتُ الأَمسِ البعيدِ عندما كانَ فتى غِرًّا في العام السادسِ عشرَ حينَ أَرسَلَهُ والدُهُ إلى السَّاحلِ عندَ عَمِّهِ، وبَقِيَ هناكَ سِتَّ سنينَ استَطاعَ فيها أن يَكْسِبَ علمًا ومعرفةً في الفِقهِ والأدب، ودِرايةً في التجارةِ والكُتَيِّبات. خَرَجَ منهما بشهادةٍ مُبَكِّرَةٍ قَصِيَّةٍ على عُمرِه الصغير؛ حينَ أَجَّرَهُ والدُهُ وعَمُّهُ على الزواجِ من دُويَّةِ ابنةِ عَمِّهِ. كانَ حَسُّونُ يُفَضِّلُ العَمَلَ بالتِّجارة، استَمرَّ أَبوُهُ أَسَابيعَ في شراءِ إِبْطاعٍ من الهندِ عن طريقِ أحدِ التُّجارِ هناكَ، وظلَّ يُرَاوِحُ قِراءَةَ خُطَبِهِ ثَلاثَ سِنين. في بدايةِ حياتهِ كانَ يُريدُ أن يَفتَحَ كُتَّابًا، كانَ يَقولُ: (إِذا دَخَلَتِ الكُتُبُ إلى البُيوتِ الحارَةِ، اشرَحْ نَفسِي، وأَستَحِبُّ معي الطائرَ الذي يُغَشِّقُ الحُرُمَ!) مُتَفَهِّمٌ يَبيعُ حَسُّونُ الحَوّاي كانَ بالدِّينِ، فهوَ لم يَنسَ وفَقدَ أُمَّهُ معهُ حينَ مَاتَت أُمُّهُ قبلَ أَربعِ سنين. وحَمَلَ أُمَّهُ إلى المستشفى، ولَطيفٌ ضَحِكتُهُ أَلَمُهُ الذي كانَ تَملأُ عليه البيت، تَوَرَّثَ أَموالاً كثيرة، وأصبحَ مَقَاوِلًا للحَجِّ، وتَسَلَّمَ تَجَارَتَهُ، وكَبُرَت تِجارَتُهُ، وأصبحَ يَستَوْرِدُ ويَبيعُ بالجملةِ إلى التجار، وملَكَ قافلةً مِن الحافِلاتِ خَاصةً بمُوسِمِ الحَجّ، ولم تَعُدِ العلاقةُ نَفسَ العلاقةِ بين الناسِ، في يومٍ من الأيَّامِ أَخَذَ حَسُّونُ الحَوّاي ولدَيْهِ وراحَ يَجْرُبُ بهما الأزِقَّةَ القديمةَ التي ضيَّعت مَعَالِمَها، كحل، وكله عندي،