أبو نواس: الحسن بن هانئ اشتهر في الأدب العربي عشرات من الشعراء والأدباء، يعرفهم قراء الأدب ورواته، ولا تصل أسماؤهم — فضلًا عن أخبارهم — إلى الأميين وأشباه الأميين من جهلاء العامة، ما عدا شاعرًا واحدًا اشتهر من بين هؤلاء الشعراء والأدباء في بابه فسمع به الأميون وأشباه الأميين، واتخذوا من اسمه علمًا على كل من يشبهه في صورته عندهم، وصحفوا ذلك الاسم تصحيفًا يدل على مصادره الأمية، فعرفوه باسم «أبي النواس» بتشديد الواو وزيادة الألف واللام للتعريف على الدوام. ولم يكن شذوذ هذا الشاعر عن هذه القاعدة لسهولة شعره، فإن الأميين الذين يتناقلون أخباره ونوادره لا ينقلون بيتًا واحدًا من شعره، ولا يروونه مصحفًا أو بغير تصحيف، ولم تكن هذه الشهرة أيضًا لقرب عهده وقصر الزمن بينه وبين رواته المتأخرين، فإن النواسي عاش في القرن الثاني للهجرة، وهؤلاء الأميون الذين يتناقلون أخباره المزعومة قد يجهلون أسماء الشعراء والأدباء في عصرهم، أو يجهلون على التحقيق أسماء الشعراء والأدباء بعد القرن الثاني للهجرة بلا استثناء، ولكن هذا الاستثناء لم يكن على أية حال مصادفة لغير سبب، كما سنرى في موضع البيان عن أسباب هذه الشهرة عند نشأتها الأولى، ومتى وجدت الشهرة فهي قابلة بعد ذلك للإضافة والزيادة، ولو من غير القبيل الذي نشأت من أجله في مرحلتها الأولى. فلا عجب أن يتحدث به أشباه الأميين وهم أقرب إلى الأدب المقروء في الكتب، والقدرة على فهم القليل منه، إن فاتهم فهم أكثره وأصحه. ونعني بأشباه الأميين أولئك الذين يقرءون ولا يقدرون على تصحيح نسبة الكلام واستقصاء وجوه التصحيح، فإذا سمعوا كلامًا لشاعر مشهور غيره، جاز عندهم أن يكون لهذا أو لذلك، وإن كان الفارق بينهما واضحًا لنقاد الأدب ورواته المتثبتين. هؤلاء القراء أشباه الأميين يعرفون النواسي كإخوانهم الأميين؛ وقلما يعنيهم منه ذلك الشعر الذي ينسبونه إليه سواء صحت نسبته إليه أو إلى غيره، أو كان مختلقًا ملفقًا لا تصح نسبته إلى أحد من الشعراء المشهورين. والغالب على هذه الشخصية أنها شخصية النديم اللاهي — «الحاذق» — ونكاد نكتبها «الحدق» بالدال، وعلى غير صيغة اسم الفاعل؛ لأن «الحداقة» كما يفهمها العامة هي أم الصفات التي تتغلب على «النواسي» في روايات أشباه الأميين، ومنها سرعة الجواب والفهم بالإشارة، أو الفهم الذي يوشك أن يكون اطلاعًا على الغيب، مع اللباقة في اللعب بالكلام أو اللعب بالأفهام على حسب المقام، وليس أشهر من الأدب المنسوب إلى أبي نواس في الكتب التي تروج بين أشباه الأميين، وأعلام الناس فيما جرى للبرامكة مع بني العباس، قيل: «إن أمير المؤمنين هارون الرشيد أرِق ذات ليلة، فقام يتمشى في قصره بين المقاصير، فرأى جارية من جواريه نائمة فأعجبته فداس على رجلها، وقالت: يا أمين الله ما هذا الخبر؟ فأجابها يقول: فأجابت بسرورٍ سيدي أخدم الضيف بسمعي والبصر فبات عندها إلى الصباح، فلما كان الصباح سأل: من بالباب من الشعراء؟ قيل له: أبو نواس، فأمر به فدخل عليه، فقال: هات ما عندك على وزن: يا أمين الله ما هذا الخبر! فأنشد يقول: إلى أن يقول: فلمست الرِّجل منها موطئًا فدنت مني ومدت بالبصر وأشارت لي بقول مفصحٍ يا أمين الله ما هذا الخبر؟ قلت: ضيفٌ طارقٌ في أرضكم هل «تضيفوه» إلى وقت السحر إلى آخر البيتين. فتعجب أمير المؤمنين وأمر له بصلة. «وذكر الخطيب في بعض مصنفاته أن الرشيد دخل يومًا وقت الظهر إلى مقصورة جارية تسمى الخيزران على غفلة منها، فوجدها تغتسل فلما رأته تجللت بشعرها حتى لم ير من جسدها شيئًا، فأعجبه منها ذلك الفعل واستحسنه، ثم عاد إلى مجلسه وقال: من بالباب من الشعراء؟ قالوا: بشار وأبو نواس، إلى أن يقول: وقالوا: تجنبنا ولا قربَ بيننا وكيف وأنتم حاجتي أتجنب على أنهم أحلى من الشهد عندنا وأعذب من ماء الحياة وأطيب فقال الخليفة: أحسنت، ولكن ما أصبت ما في نفسي، فقل أنت يا أبا نواس، فجعل يقول: وقابلتِ الهواء وقد تعرت بمعتدل أرق من الهواء فلما أن قضت وطرًا وهمت فأسبلت الظلام على الضياء وغاب الصبح منها تحت ليلٍ فظل الماء يجري فوق ماء فسبحان الإله وقد براها كأحسن ما تكون من النساء فقال الرشيد: سيفًا ونطعًا يا غلام! قال أبو نواس: ولم يا أمير المؤمنين؟ قال: أمعنا كنت؟ قال: لا والله، ولكن شيئًا خطر ببالي. فأمر بأربعة آلاف درهم!» وأمثال هذه الحكايات كثير، حد «الحذاقة» فيها — أو «الحداقة» — هو حدها عند أشباه الأميين، وهو شرطهم في أرباب الفن إلى هذه الأيام. أخباره عند الأدباء وغني عن القول: أن أخبار النواسي ليست مقصورة على الأميين وأشباه الأميين، ولكن اهتمام الأميين وأشباه الأميين بها هو وجه الغرابة في هذا الباب من الأدب، وأما العارفون بأدب الفصحى فلا وجه للغرابة في اهتمامهم به وبأمثاله من موضوعات الأدب والفنون. على أن الأمر في هذه الناحية لا يخلو من غرابته التي تخص أخبار أبي نواس بخاصة، ولم يشاركه فيها أعلام الشعر والثقافة الفنية، فإن رواة الأدب الصحيح لا يهتمون بأبي نواس وأنداده من الأعلام على نحو واحد، بل يلوح عليهم أنهم يودون لو يشركونه بسهم في سيرة كل أديب. ويحبون إذا نسب الخبر إليه أو إلى غيره أن يؤثروه به لو استطاعوا، وأن يجعلوه من مروياته ومأثوراته دون المرويات والمأثورات عن سواه. فصاحب العقد الفريد — ابن عبد ربه — من أعلم الرواة بأخبار الشعراء، ويضيف إليه أخبارًا مشهورة عن ذي الرُّمة وصاحبته مية، على وجه مي مسحة من ملاحةٍ وتحت الثياب العزُّ لو كان باديا ألم تر أن الماء يخبث طعمه ولو كان لون الماء في العين صافيا وقد سئل ذو الرمة عنهما فأنكرهما وقال: وكيف أقول هذا وقد قطعت دهري وأفنيت شبابي أشبب بها! فيأتي صاحب العقد الفريد، ولا يبالي كذب الرواية من أصلها، وهذا مقام من المقامات الفنية التي يؤلفها خاصة الأدباء تأليفًا؛ ليذكروا فيها ملحةً أو طرفة عن ذلك الشاعر المجدود. نزلنا منزلًا بإزاء ماء لبني تميم ذا روض أريض ونبت غريض، وانفجرت لبهائها الصدور، فلم نلبث أن أقبلت السماء فانشق غمامها، حتى إذا كانت كما قال أوس بن حجر حيث يقول: همت برذاذ ثم بِطَشٍّ ثم بوابل، ثم أقلعت وغادرت الغدران مترعة تتدفق، والقيعان تتألق، رياض مونقة ونوافح من ريحها عبقة، ونشقت من رباها أطيب من المسك الأذفر، فلما انتهينا إلى أوائلها إذا نحن بخباء على بابه جارية مشرقة، وسنان النظر، أشعرت حماليقه فترة وملئت سحرًا، فقلت لزميلي: استنطقها. قال: وكيف السبيل إلى ذلك؟ قلت: استسقها! فاستسقاها، وإن نزلتم فعلى الرحب والسعة، ثم مضت تتهادى كأنها خوط بان أو قضيب خيزران، فراعني ما رأيت منها، ثم أتت بماء فشربت منه وصببت باقيه على يدي، يريك عيون الدمى غرة ويكشف عن منظرٍ أشنع وسمعت كلامي فأتت وقد نزعت البرقع، هما استسقيا ماءً على غير ظمأةٍ ليستَمْتِعا باللحظ ممن سقاهما فشبهت كلامها بعقد در وهَى فانتثر، بنغمة عذبة رخيمة، ولو خوطب بها صم الصلاب لابنجست، مع وجه يظلم في نوره ضياء العقل، وتتلف من روعته مهج النفوس، وتخف في محاسنه رزانة الحليم ويحار في بهائه طرف البصير: فلم أتمالك أن خررت ساجدًا، فأطلت من غير تسبيح، فقالت: ارفع رأسك غير مأجور! لا تذم بعدها برقعًا؛ ويحل القوى ويطيل الجوى، فالتفت إليَّ صاحبي وقال: ما هذا الجهد بوجه برقت لك منه بارقة لا تدري ما تحته! أما سمعت قول ذي الرمة: فقالت: أما ما ذهبت إليه فلا أبًا لك، وإني لأنا بقول الشاعر: منعمةٌ حوراء يجري وشاحها على كشح مرتج الروادف أهضمِ لها أثرٌ صافٍ وعينٌ مريضةٌ وأحسن إبهامٍ وأحسن مِعصَمِ خزاعيةُ الأطرافِ سعدية الحَشَا فزارية العينينِ طائية الفمِ ثم رفعت ثيابها بلغت بها نحرها وجاوزت منكبيها، فإذا قضيب فضة قد أشرب ماء الذهب، ثم قالت: أعرًّا ترى لا أبا لك؟ قلت: لا والله، ويتركني جسدًا بغير روح. فخرجت عجوز من الخباء، فقالت لها: دعيه فإن له مثل قول غيلان ذي الرُّمة: وإن لم يكنْ إلا تعلُّل ساعةٍ قليلًا فإني نافعٌ لي قليلها فولت العجوز وهي تقول: وما نلتَ منها غير أنك «واصلٌ» بعينيك عينيها فهل ذاك نافعٌ؟ فنحن كذلك حتى ضرب الطبل للرحيل، وا حسرتا مما يكنُّ فؤادي أزِفَ الرحيلُ بعبرتي وبُعادي وقد تضاعف حسنه ونمت بهجته، وقلنا: السلام عليكن، فقالت من بينهن: وعليك السلام، وقصت عليهن القصة ما خرمت حرفًا. وأسحرهن طرفًا وأبرعهن شكلًا، فقالت: والله ما أحسنتِ بدءًا ولا أجملتِ عَوْدًا، ولقد أسأتِ في الرد ولم تكافئيه على الود، فقالت: أما والله لا أفعل من ذلك شيئًا حتى تشركيني في حلوه ومره! قالت لها: تلك إذن قِسْمةٌ ضِيزَى! تعشقين أنت وأوخذ أنا؟ قالت أخرى منهن: قد أطلتن الخطاب في غير أرب، فقلن: حياك الله وأنعم بك عينًا، ممن؟ ومن أنت؟ وما تعاني، وخير شعراء السلطان الأعظم، ويتقى لسانه ويرهب جانبه، قالت: لقد أضفت إلى حسن المنظر كرم المخبر، وأرجو أن يبلغك الله أمنيتك وتنال بغيتك، فتعالين نشترك فيه ونتقارع عليه، فمن واقعتها القرعة منا كانت هي البادئة، فاقترعت فوقعت القرعة على المليحة التي قامت بأمري، فعلقن إزارًا على باب الغار وأدخلت فيه وأبطأت عليَّ، إذ دخل أسود كأنه سارية. ثم صحت بصاحبي وكان متدانيًا. ووالله ما تخلصت منه حتى خرجنا من الغار، وإذا هن يتضاحكن ويتهادين إلى الخيمات، فقلت لصاحبي: من أين أقبل الأسود؟ قال: كان يرعى غنمًا إلى جانب الغار، فدعونه فوسوسن إليه شيئًا فدخل عليك». والقصة كلها كما يرى القارئ مقامة مؤلفة، وتلك علامة على تمكن شهوة الكلام عن الشاعر في سياق الخبر التاريخي، أو سياق الاختراع والتأليف. وتتم الغرابة بالمصادر الأجنبية القليلة التي عنيت بأبي نواس من جانب الأدب، فإنها سايرت مصادر العربية في هذه النزعة،