يدعوا مصطلح "الحقل الإداري الأوروبي" إلى تجاوز التفسيرات المؤسسية البحتة، وبناء موضوع الدراسة عند ملتقى وجهات النظر، لاكتساب رؤية أشمل للعمليات الإدارية الأوروبية التي شكلت عنصرا أساسيا في التكامل الأوروبي لعقود. يشير مصطلح "الإدارة"، إلى كل من الفعل والتنظيم أو مجموعة المنظمات، أي مساحة من العلاقات الاجتماعية والمؤسسية المتزامنة التي تتجاوز البنية الإدارية لأي منظمة بعينها.فقبل ظهور نظريات الحوكمة والشبكات، وضع عالم الاجتماع الأكثر استشهادا به في العالم تصورا للحقل البيروقراطي كمساحة اجتماعية لترجمة الشعارات السياسية وتفعيلها في سياسات عامة، متجاوزا بذلك إطار المنظمات الإدارية البحتة وخطابات التبرير المحيطة بها (بورديو، وبذلك يعد المجال البيروقراطي فضاء اجتماعيا ذو طابع إنساني بقدر ما هو تنظيمي، يتسم بالتنافس والتعاون بين الأفراد والجماعات التي تتنقل بين الإدارات، ويشمل في الوقت نفسه التدخل الدائم، ويشكل هؤلاء مجتمعين شبكة واسعة من العلاقات الأفقية والرأسية (إذ من الواضح أن علاقات القوة حاضرة بقوة)، ولا يقتصر وجودهم على المجال العام، وهو تشابكٌ يتفاقم بفعل تأثير النبوءة ذاتية التحقق الذي أفاد نظريات الحوكمة على مدى الثلاثين عامًا الماضية. بمعزل عن أي إدارة محددة، مفيدا بشكل خاص في حالة الاتحاد الأوروبي. فالاتحاد الأوروبي لم يسلم من هذا التوجه نحو التعقيد المتزايد فحسب، في قلب التفاعل المتبادل والتداخل النسبي للحدود بين مؤسسات الاتحاد الأوروبي والإدارات الوطنية والجهات الفاعلة الخاصة وغير الحكومية والمنظمات الدولية. فقبل أن يصبح الاتحاد الأوروبي فضاء سياسيا افتراضيا، بني كشبكة دائمة من العلاقات التبادلية بين طيف واسع من الإداريين والفاعلين، يعملون جميعا معا على وضع سياسات مشتركة وإنتاجها وتنفيذها. وهو ما يدعونا في الواقع إلى تجنب أي تصور متسرع للاتحاد الأوروبي كفضاء سياسي. لطالما اختُزِلَ مركز هذا التكامل الإداري وقوته الدافعة، إلى المفوضية الأوروبية وحدها وعلاقاتها مع الحكومات والإدارات الوطنية. ومهما بلغت أهمية هذه الجهات الفاعلة الرئيسية، والمعارك التي يبدو أنها تخوضها على القيادة، فإن المركز الحقيقي للاتحاد الأوروبي وقوته الدافعة لا يقتصران على هذه الديناميكية ثنائية الاتجاه. فالإدارات الوطنية ليست، خارجية عن مؤسسات الاتحاد الأوروبي، ولا يقتصر الأمر على جلوس ممثليها في مختلف هيئات المجلس ولجان المفوضية، لكنها تُشكّل جوهر شبكة العلاقات والمشاورات الواسعة التي تُبنى عليها السياسات وتُؤثر فيها. يُحدّد الأساس العملي للاتحاد الأوروبي نطاقًا أوسع من العلاقات حيث يتفاعل يوميًا ممثلو الإدارات الوطنية والمؤسسات والمنظمات المختلفة (لكل منها إدارتها الخاصة، تطور بشكل خاص في السنوات الأخيرة)، إلى جانب مجموعة واسعة من الممثلين الدائمين نسبيًا للمصالح السياسية والاقتصادية والاجتماعية. يُضاف إلى ذلك "البيروقراطيات الأوروبية الجديدة" التي حددها العديد من الباحثين (Geuijen et al. وفقًا لدان كيليمن (Kelemen and Tarrant, والتي تُعيد تشكيل العلاقة بين المفوضية والإدارات الوطنية بشكلٍ جوهري، أو تلك الناجمة عن تخصص الإدارات الوطنية، والتي تشمل جميع البرامج الشاملة أو حتى الثنائية العاملة ضمن الإطار الأوروبي، والتي تُذكرنا بأن ليس كل شيء في هذه التبادلات يمر بالضرورة عبر بروكسل. يُذكرنا بأن التعقيد المنسوب إلى أوروبا لا ينبع فقط من قواعدها الدستورية، بل من شبكة العلاقات البشرية والمهنية (وأحيانًا من تدفقات البيانات) التي أوجدتها هذه القواعد، ينبع هذا من دقة التسويات المتراكمة (أو ما يُمكن تسميته، بالاستثمارات الشكلية)، والناتجة عن هذه العلاقات والصراعات الرامية إلى التأثير في صياغة التوافق التكنوسياسي الذي يُمثل جوهر هذه العمليات. يتضمن هذا المنظور التفكير في التكامل لا من خلال التمنيات التي تُمليها مطالب حسنة النية، بتحقيق قفزة سياسية أو اتحادية أو اجتماعية لأوروبا، بل من منظور الإدارات نفسها - أي البنية الملموسة التي تتجلى فيها علاقات التنافس المعقدة على السلطة في الجهاز، يُمكن بسهولة دمج إرث بورديو مع إرث ج. أولسن لفهم كيفية بناء أوروبا من خلال الإدارة وفرض فئات فكرية هجينة، فعلى الأقل ضمن عقلية من يحكمونهم. تختلف الأساليب والتوازن المُتبع بين السلطة المؤسسية والقوى الاجتماعية والرمزية التي يمتلكها الفاعلون من كاتب لآخر من هؤلاء الرواد العظام. لا شك أن تبني منظور (أو بالأحرى، مجموعة من وجهات النظر من مصادر مختلفة) حول المجال برمته، بدلاً من التركيز على مؤسسة واحدة، سيمنحنا فرصة أفضل لفهم الظروف الإدارية التي ستسمح أو تعيق التغييرات الجارية، فهم ما يحدث في الوقت الراهن والتوجه السياسي الذي يجري تحديده.