### **منزلة المصطلح في الخطاب المختص: هل تزعزعت المسلّمات الووسترية؟**لقد ظلّت النظرية المصطلحية التقليدية التي أرسي دعائمها أوجين ووستر مهيمنة على العمل المصطلحي لفترة زمنية طويلة. وقد قامت هذه النظرية على عدد من المبادئ لعلّ أهمها: عُدَّ المفهوم عنصراً مركزياً في الدراسة المصطلحية، والتشديد على أحادية العلاقة بين المفهوم والتسمية، واعتبار السياقين المقامي والمقالي عاملين غير مؤثرين في دلالة المصطلح. وقد وُضِعت هذه المبادئ حمايةً للتواصل العلمي من ظواهر الترادف والاشتراك الدلالي والاشتراك اللفظي المُفضية إلى اللبس والغموض. لكن الاتجاهات الحديثة في الدراسات المصطلحية أعادت النظر في تلك المسلّمات، مستندةً إلى معطيات تؤكد إمكانية أن تطرأ تغيرات على الوجهين الشكلي والدلالي جراء عوامل لغوية أو نصية أو تواصلية أو ثقافية أو اجتماعية. وعلى الرغم من سعي مناصري النظرية الووسترية إلى التوفيق بين النظرية التقليدية والمقاربات الحديثة، بدا أن تأسيس نظرية مصطلحية شاملة للمقاربات كافة وتحترم خصوصية كل مقاربة في نفس الوقت هو البديل الأمثل.**الكلمات المفتاحية:** مصطلحية، المعهد العالي للغات بنابل،### **مقدمة: المصطلح سياج المعرفة**إذا ما رُمنا إنتاج علوم دقيقة ومتماسكة وتأمين التواصل العلمي الأمثل ينبغي أن نستعمل لغةً سليمةً وأسلوباً واضحاً ومصطلحات دقيقة. فإن العلوم تقوم أساساً على مجموعة من المفاهيم المترابطة ضمن منظومة متكاملة، والمصطلحات هي العناصر الحاملة لتلك المفاهيم والمُعبّرة عنها. فإن لكل نشاط بشري مخصوص، وحداته المعجمية الخاصة به والتي لن يتيسر من دونها مزاولة الأنشطة ووصف الظواهر وتأسيس النظريات.وتكمن أهمية المصطلح في وظيفته التواصلية لأنه يتيح إمكانية التواصل بين المختصين وغيرهم في المجالات المعرفية. ولكن ما يميّز المصطلح عن بقية الوحدات المعجمية هو وظيفته التقييدية. فالمصطلح يحدّ من تفتّت المعنى الذي هو سمة رئيسة في الوحدات المعجمية عامة، ويحمي الإنتاج المعرفي من الغموض والضبابية.لقد تأسست المصطلحية على يد المهندس الألماني أوجين ووستر في ثلاثينيات القرن العشرين وظلت مهيمنة على الدراسة المصطلحية إلى حدود نهاية السبعينات. وقد قامت هذه النظرية على عدد من المبادئ لعل أهمها: عدُّ المفهوم عنصراً مركزياً في الدراسة المصطلحية، والتشديد على أحادية العلاقة بين المفهوم والتسمية، واعتبار السياقين المقامي والمقالي عاملين غير مؤثرين في دلالة المصطلح. فإن حماية التواصل العلمي يستلزم نبذ الظواهر التي تسبب اللبس والغموض مثل الاشتراك الدلالي واللفظي والترادف. ولكن ظهرت بوادر إعادة النظر في المسلمات الووسترية منذ الثمانينات عندما شرع بعض المهتمين بالشأن المصطلحي ممارسةً ودراسةً في التشكيك في الأسس التي قامت عليها النظرية المصطلحية التقليدية، مستندين إلى معطيات تؤكد إمكانية أن تطرأ تغيرات على الوجهين الشكلي والدلالي للمصطلح عند جريانه على لسان العامة وشيوعه بواسطة وسائل الإعلام خصوصاً.وقد حفّزنا على التطرق إلى هذا الموضوع دواعٍ عدة أهمها: 1. 2.**محمد أنيس مورو** 3. ظهور الكثير من الدراسات التي أخضعت المبادئ المصطلحية في النظرية التقليدية إلى الدرس والنقاش، 4. الرغبة في تبيّن مدى وجاهة موقف المدارس المصطلحية الحديثة من النظرية التقليدية.### **أهداف البحث: نروم في هذا البحث أن نحقق ما يلي:** 1. بما يؤدي إلى ضرورة إعادة النظر في تلك المسلمات. 2. ومن ثمّ شرح خصائص الخطاب العلمي الموجه إلى غير المختصين وتبيين دوره في فك الارتباط الوثيق بين التسمية والمفهوم. السعي إلى إقدار القارئ على فهم دواعي تعدد دلالات المصطلحات (الاشتراك الدلالي واللفظي) وتمكينه من فهم أسباب تعدد بدائل المصطلح الواحد (الترادف). 4. تبرير النزعة المتعاظمة نحو القبول التدريجي بظاهرتي الترادف والاشتراك الدلالي في العمل المصطلحي، والانتقال من طور ذمّ هاتين الظاهرتين إلى طور الاستفادة منهما وإخضاعهما إلى الدرس والتحليل.## **الصفحة الرابعة**ينبغي إعطاء نبذة عن ظروف نشأة المصطلحية ودور ذلك في اتخاذ العمل المصطلحي منحى يُنعت بالمحافظ أو المعياري.### **1. ظروف نشأة المصطلحية**نشأت المصطلحية في نهاية القرن التاسع عشر في ظرف تاريخي شهد تطوراً هائلاً للتقانة (التكنولوجيا) والمبادلات التجارية بين الأمم والشعوب، الأمر الذي استلزم التفكير في وسيلة تيسّر التواصل بين تلك الأمم ولا تعيق تلك المبادلات. وقد فكر الكثير من الأشخاص في ابتكار لغة اصطناعية مشتركة بين البشر من قبيل "الاسبيرانتو"، ذلك أن الاعتماد على اللغات الطبيعية يعرّض التواصل العلمي والتقني إلى اللبس والضبابية، وقد تتعقد المشكلة حين يتم اللجوء إلى الترجمة مع ما يعنيه ذلك من ضياع التفاصيل الدقيقة في ثنايا الترجمة(1). ومن المؤكّد، أنّ ثقافة أيّ أمّة من الأمم، منها: اضطراب دلالة المصطلح، وشيوع الغموض والقلق في [التواصل] العلمي بين مصادر المعرفة، جهات التلقي "(2).لقد كان الشغل الشاغل لعدد من العاملين في الحقلين العلمي واللغوي البحث عن صيغ لغوية يمكنها أن تؤدي وظيفتها بمعزل عن الاختلافات اللغوية القُطرية، ولذلك شهدنا تفضيلاً للسوابق واللواحق اللاتينية والإغريقية لدى الأوروبيين في المجال الطبي مثلاً، ونزعة متنامية لاستخدام الرموز الرياضية والمنطقية بدل الرموز اللغوية في كثير من الأحيان.1) V. Evers, "Terminologie et traduction," (Mémoire de Master Traduction, Université d'Utrecht, mars 2010).2) عبد الله إبراهيم،## **الصفحة الخامسة****محمد أنيس مورو** قاصرة عن تأمين التواصل العلمي وتعويض اللغات الطبيعية، على علاتها. وسرعان ما غُض الطرف عن تلك اللغات الاصطناعية وجرى التفكير في طرق أخرى لتفادي اللبس والغموض في اللغات الطبيعية. وقد أُطلق على النظرية التي أرسي دعائمها أوجين ووستر وتلاميذه من بعده النظرية المصطلحية العامة.#### **1.يتشكّل المصطلح من وجه مفهومي ووجه لغوي (التسمية). وأمّا المفهوم، فهو وحدة فكرية تُسخَّر لتصنيف الأشياء لغاية بناء المعرفة وإدراك العالم. وينتمي كل مفهوم إلى منظومة مفهومية واحدة أو إلى منظومات مفهومية متعددة ويشكّل عنصراً ذا علاقات متداخلة مع بقية المفاهيم. ويعود اهتمام المصطلحيين بالمفهوم لكون المرحلة الأولى في العمل المصطلحي هي جمع المفاهيم، وتنظيمها في مجموعات ذات علاقة متجانسة وفهم المفهوم بخصائصه وصفاته المختلفة الحقيقية وغير الحقيقية، وتحديد موقعه ضمنها. وأمّا التسمية، فهي تشير إلى الرمز اللغوي الذي اختير للدلالة على ذلك المفهوم(3).وتنطلق الدراسة المصطلحية التقليدية من عدّ المفهوم العنصر المركزي في العمل المصطلحي. إذ ينبغي على المصطلحيين أن يدرسوا المفهوم بمعزل عن رمزه اللغوي لأن المفاهيم موجودة بغض النظر عن الرموز اللغوية وغير اللغوية على حد سواء(4). فإن العمل المصطلحي في النظرية التقليدية ينطلق من المفهوم إلى التسمية وهو ما اصطلح عليه في الأدبيات المصطلحية الغربية بـ (Onomasiological Approach) أي المقاربة التسمياتية، خلافاً للمقاربة الدلالية (Semasiological Approach) المعتمدة في دراسة الوحدات المعجمية العامة،3) انظر: ساجر خوان كارلوس، العدد 47 (1999)، ص 189.**العربية والترجمة / دراسات**#### **2.2. أحادية العلاقة بين المفهوم والتسمية**يعود التركيز على أحادية العلاقة بين التسمية والمفهوم إلى الرغبة في [التأسي] بلغات البرمجة [الحاسوبية] المصمَّمة للتخلص من تعددية المعاني في اللغات الطبيعية. لتكون [المصطلحية] بمثابة المتراس الذي يحمي من تعددية المعاني بقصد جعل اللغة الطبيعية كاملة و"مُطمئنة"(5). ويقتضي هذا المبدأ عدداً من الشروط:** تخصيص تسمية واحدة لكل مفهوم في المجال الواحد (تجنباً لظاهرة الترادف).**ب.** لا تُستعمل التسمية في المجال الواحد إلا لمفهوم واحد (تجنباً لظاهرة الاشتراك الدلالي واللفظي). سمح باستعمال التسمية الواحدة في مجالات معرفية مختلفة. وليس السياق اللغوي.#### **3.2. التقييس** ويقوم التقييس المصطلحي على المهام التالية(7): "بروز علم مصطلحات نصي وعودة المعنى،" في: المعنى في علم المصطلحات، ص 109.7) H. Felber: "International Efforts to Overcome Difficulties in Technical Communication,**محمد أنيس مورو**** تحديد موقع المفهوم الواحد في نظام المفاهيم (استناداً إلى العلاقات الوجودية والمنطقية للمفاهيم فيما بينها).** تحديد دلالة المصطلحات تحديداً صارماً من خلال صياغة تعريفات دقيقة لها.**ت.** توليد تسمية لا لبس بها لكل مفهوم لم تحدَّد له تسمية، أو انتقاء التسمية المناسبة له من بين التسميات المتداولة.ويتولى عملية التقييس على المستوى الدولي المنظمة الدولية للتقييس وعلى المستوى المحلي الهيئات التقييسية أو اللغوية الوطنية. وصياغة مبادئ مصطلحية دولية موحدة تشمل طرق توليد الوحدات المعجمية المختصة، ومبادئ تسمية المفاهيم، وتحديد الرموز المعتمدة في أسماء الدول واللغات ووحدات القياس ونحو ذلك(8).لقد ظلت المقاربة المصطلحية التقليدية مهيمنة على الدراسة المصطلحية منذ الثلاثينيات وتجلى ذلك في تأسيس المنظمة الدولية للتقييس التي اتخذت من آراء ووستر منهجية عمل لا محيد عنها. ولكن مع نهاية السبعينيات بدأت تظهر الدراسات التي تسائل النظرية التقليدية وتقدم نماذج تحليلية مخالفة لها.### **ثانياً: النظريات المصطلحية الحديثة: التركيز على ما هو قائم**ظلت النظرية المصطلحية التقليدية كما صاغها أوجين ووستر محافظة على أهم أسسها النظرية ولم تخضع للمساءلة وإعادة النظر إلا مع نهاية السبعينيات. وقد قوبلت كل المراجعات النقدية قبل ذلك التاريخ إما باللامبالاة أو بالتشكيك. لكن الفترة اللاحقة شهدت ظهور العديد من الأبحاث التي سعت إما لمراجعة مبادئ المصطلحية التقليدية ونقدها أو التعاطي معها من زوايا غفلت عنها. وقد طالت الانتقادات عدداً من المسلّمات في النظرية التقليدية من أهمها: علاقة المفهوم بالمدلول وبالتسمية8) المصدر نفسه،## **الصفحة الثامنة** 3. تأثر المصطلح بالسياق المقالي والسياق المقامي 4. تعريف المجالوينبغي التأكيد في هذا الصدد على أن النظريات المصطلحية الحديثة، وهي تعيد النظر في المسلمات الووسترية، تعاملت مع النظرية المصطلحية التقليدية بطرائق ثلاث: * **الطريقة الثانية:** التطرق إلى جوانب أغفلتها النظرية التقليدية والسعي إلى أن تشملها الدراسة المصطلحية من جديد. * **الطريقة الثالثة:** تمثلت في القيام بمراجعة نقدية من داخل النظرية الووسترية وذلك من خلال الاستفادة مما توصلت إليه المقاربات الأخرى من دون المساس بأسس المقاربة الووسترية.وقد اشتركت المقاربات الحديثة في توجيه عدد من الانتقادات إلى المقاربة التقليدية، وشدّدت على ضرورة أن يُدرَس المصطلح في المحلّ الذي يُستعمل فيه، أي اللغة، فإنّ المصطلح مُكوَّن من وجهين اثنين، واحد مفهومي، والثاني لغوي، وقد أثبتت الكثير من الدراسات اللسانية أن لهذا الوجه اللغوي تأثيره المؤكد على الوجه المفهومي. النظرية النصية:**تنتقد هذه المقاربة بشدة ما تراه وهماً يسود النظرية التقليدية مفاده أن المفاهيم هي عناصر ما قبلية جاهزة لها تعريف دقيق تظهر في الخطاب بدلالة واحدة لا تغيير فيها. وهي تنظر إلى المفاهيم بمنظار معكوس مفاده أن الكثير من المفاهيم يتم إنشاؤها داخل النصوص وأن شبكات المفاهيم تنشأ عن العلاقات المفهومية والدلالية التي تنتج في الخطاب. فإن المفهوم يتخذ في بداية تشكله في النصوص أشكالاً تقريبية غير متجانسة، ويمكن أن نطلق عليه في هذه الحالة تسمية."مفهوم أولي" (Preconcept) لأنه لم يصبح بعد مفهوماً مكتملاً، ثم يؤدي "الاستعمال المتكرر للمصطلح في النصوص المختلفة. إلى اكتساب الصفة المصطلحية شيئاً فشيئاً"(9). فإن تحوّل الوحدة المعجمية إلى مصطلح ليس انتقالاً فجائياً، بل صيرورة تخضع خلالها دلالة المصطلح وتسميته إلى تعديلات وتصويبات ليعلن في نهاية المطاف عن تشكل مصطلح "مكتمل"(10) التعريف بعد تجميع مجمل خصائصه انطلاقاً من مختلف النصوص التي ورد فيها.### **2. النظرية الاجتماعية:** وتحليل الأسباب التي قد تجعل متكلمي اللغة يقبلون مصطلحات بعينها ويرفضون أخرى. فإن معرفة طريقة تقبّل المتكلمين للمصطلحات تتيح إمكانية دراسة تلك العوامل وتحليلها واستبعاد الأسباب التي تؤدي إلى توليد مصطلحات تنفر منها فئات اجتماعية مختلفة سواء كانت فئات مختصة أم غير مختصة.### **3." Meta: Journal des traducteurs/ Meta: Translators' Journal, vol. 36, no. 1 (1991), Université de Montréal, 2012), p. 160.## **الصفحة العاشرة****العربية والترجمة / دراسات**يسندها إلى تلك المفاهيم. فإن فهم العالم بحسب كيديري ليس عملية عقلية محضة بل يتشارك العقلي والثقافي في تحقيقها(12). ويشير أيضاً إلى أنه لا ينبغي الاقتصار على البحث في الرصيد المعجمي المحلي عن تسميات يمكنها نقل المضمون الدلالي للمفهوم، فإن إدراك الحقائق الجديدة يتطلب إعادة تصوّرها (Reconceptualization) على نحو يسمح للثقافة المحلية بالتدخل في عملية التصوّر، وهو ما ينتج عنه نشوء مفهوم ذي طابع محلي يسمح بتمثّل المفهوم الأصلي(15).### **ثالثاً: أهم المآخذ على المقاربة التقليدية للمصطلحية**#### **1. مسألة المجال وتداخله**تقوم النظرية المصطلحية التقليدية على ركائز ثلاث، هي المفهوم والتعريف والمجال. فلكل مفهوم تعريف مُحدَّد في مجال مُحدَّد. وإنّ المجال عنصر بالغ الأهمية في النظرية المصطلحية التقليدية، إذ من دونه لا يمكن الحديث عن المفاهيم(16)، وهو يمثّل للمصطلح ما يمثّله السياق للوحدة المعجمية العامة. وليس عنصراً ذا حدود مضبوطة كما تدعي المقاربة الووسترية، 29." Terminologie et diversité culturelle, vol. p." Actes du séminaire "Le traitement des marques de domaine en terminologie," 14 mai 2002,