المطلب الثاني: مكانة السنة وحجيتها: للسنة مكانة عظمى في الشريعة الإسلامية، ويدل على هذه المكانة الأمور التالية: أولا : السنة بيان للقرآن الكريم. لاشك أن المرجع المقدم في بيان معاني القرآن هو الرسول ، فإنه أعلم الناس برئه وأدراهم بمعاني كلامه جل وعلا، وهو المؤيد بالوحي ﴿ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى - إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ) [النجم: ٣ - ٤]، وإن القرآن الكريم يقرر هذه الحقيقة، ويبين أن من مهام الرسالة وتكاليف النبوة إيضاح القرآن الكريم للناس، قال تعالى : وأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إليهم [النحل: ٤٤ ، قال البغوي: (أراد بالذكر الوحي، وقال الإمام أحمد رحمه الله: (السنة عندنا آثار رسول الله ، والسنة تفسر القرآن، وهي دلائل القرآن) (1) . وأنزل عليه الكتاب تبياناً لكل شيء، وجعله موضع الإبانة عنه، فقال: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزَلَ إِلَيْهِمْ [النحل: ٤٤] وقال عز وجل: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴾ [النحل: ٦٤] ، فكان رسول الله هو المبين عن الله عز وجل أمره، وعن كتابه معاني ما خوطب به الناس، وما أراد الله عز وجل به وعني فيه، وأحكامه التي حكم بها، ويحرم الحرام، ويحل الحلال، ويقيم الناس على منهاج الحق بالقول والفعل، يزل على ذلك حتى توفاه الله عز وجل، وقبضه إليه) (٣) . 1) معالم التنزيل، للإمام البغوي (٢١/٥٠) ۲) ذكره القاضي أبو يعلى في طبقات الحنابلة (٢٤١/١)، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (فإن أعياك ذلك أي تفسير القرآن بالقرآن فعليك بالسنة فإنها شارحة للقرآن موضحة له، بل قد قال الإمام أبو عبد الله محمد ابن إدريس الشافعي: كل ما حكم به رسول الله ﷺ فهو مما فهمه من القرآن) (۱) ، قال تعالى : إنا أنزلنا إليك الكِتَابَ بالحَقِّ لتحكم بين النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ ﴾ [النساء : ١٠٥]. : وقال الإمام الشاطبي رحمه الله: السنة راجعة في معناها إلى الكتاب، فهي تفصيل محمله، وبيان مشكلة، وبسط مختصره وذلك لأنها بيان له. فلا تجد في السنة أمراً إلا والقرآن قد دل على معناه دلالة إجمالية أو تفصيلية) (٢) مع العلم أن النبي ﷺ لم يفسر جميع القرآن، التنوع، إلا أنه يدل على عدم وجود تفسير نبوي كامل بجميع ألفاظ القرآن. فالحاصل بعد هذا كله أن النبي ﷺ بين للأمة ما تحتاج إليه من كتاب الله تعالى، وبلغ الرسالة أتم البلاغ، بلاغاً يتضمن بلاغ ألفاظ القرآن كاملة غير منقوصة، وسنته كلها بيان للقرآن، وقد قال في خطبة حجة الوداع في عرفة: لقد تركت فيكم ما لم تضلوا بعده أبداً إن اعتصمتم به، كتاب الله وأنتم تسألون عني فيما أنتم قائلون؟ قالوا: تشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، وينكتها إلى الناس اللهم اشهد اللهم اشهد ثلاث مرات (۲) فهذا عمران بن حصين رضي الله عنه قال لرجل سأله عن أشياء وطلب منه أن يجيبه بالقرآن: إنك رحل أحمق؛ 1) مقدمة التفسير، أحمد بن عبد الحليم بن تيمية ص ٩٣، ومقولة الشافعي من كتابه الرسالة ص ٣٣. ۲) الموافقات في أصول الشريعة، أبو إسحاق الشاطبي، ط ١٩٩٧م (٣١٤/٤). (۳) أخرجه مسلم رقم (۱۲۱۸)، من حديث جابر في الحج، كتاب الحج، باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم. ثم قال: أتجد هذا في كتاب الله مفسراً، إن كتاب الله أنهم هذا وأن السنة تفسر ثانيا : السنة هي المصدر الثاني للتشريع في الإسلام فقد نص النبي ﷺ على حجية السنة، وكان هذا التقرير منه بدهياً، ولاسيما بعد برهان القرآن ذلك بآيات صريحة لا تحتمل التأويل كما سيأتي ولعلنا هنا تسرد أهم الأحاديث التي تناولت إثبات حجية السنة وأنها مصدر مهم وأساس في التشريع الإسلامي ومن الأمثلة على ذلك: حديث العرباض بن سارية رضي الله وقوله : فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ " ٢٤) . ومما يدل صراحة على أن السنة النبوية وحي من الله قوله : "ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه " (٢) وقوله : (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبي قبل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى (1) ، فدخول الجنة والنجاة من النار مبني على طاعته واتباعه. ومما يرغب في اتباع السنة، ويرهب من التفريط فيها، وصيته في حجة الوداع وقوله : (تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتي) (4) فاذا كان اتباع السنة يوجب الأمن الضلال، فإن التفريط فيها وقوع في الضلال، وهذا يثبت حجية السنة. وقد قامت الأدلة المعتبرة الصحيحة الصريحة من القرآن الكريم، وإجماع الأمة، على إثبات حجيتها ومكانتها في التشريع الإسلامي، المطلب الثالث: تلقي الصحابة للحديث النبوي: حرص الرسول ﷺ على تبليغ المسلمين سنته الشريفة وحبب إلى أصحابه رضوان الله عليهم حفظ الحديث وتبليغه، قرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه (١) . وإذا تعذر على بعضهم الحضور يتناوب مع غيره كما كان يفعل عمر رضي الله عنه، قال: (كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد وهي من عوالي المدينة وكنا نتناوب النزول على رسول الله ﷺ ينزل يوماً وأنزل يوماً، فإذا نزلت جثته بخير ذلك اليوم من الوحي وغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك) (1) . فكانوا يطلبون ما يفوتهم سماعه من أقرانهم وكانوا يشددون على من يسمعون منه طلباً للتثبت، كما كانت القبائل البعيدة تبعث إلى النبي ﷺ من يتعلم أحكام الدين منه ثم يعود إليهم ليرشدهم ويعلمهم، ويفتيهم. ويخصص وقتاً يجلس لهن فيه، وكانت أمهات المؤمنين على درجة سامية من العلم؛ فالصحابة رضوان الله عليهم هم خير القرون، ولهذا زكاهم الله تعالى في القرآن الكريم، 1) سنن أبي داود كتاب العلم فضل نشر العلم ج ۲ ص ۲۸۹ (۲) صحيح البخاري (مع فتح الباري) ج ١ ص ١٦٧. 22 فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظيم ) [التوبة: ۱۰۰]، رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رَكَعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللهِ وَرِضْوَانًا سيماهم في وجوههم من أثر السجودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأة فاررة فاستغلط فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزراعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وأخرًا عَظِيمًا ﴾ [الفتح: ۲۹] ، وقال : (لا تسبوا أصحابي، لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه) متفق عليه. ففضل الصحابة عظيم وقدرهم جليل، فهم أكثر الناس إيماناً، وأعمقهم فهماً، وأظهرهم قلوباً، وأعظمهم نصرة وتضحية لدين الله. الفرع الأول: تدوين السنة في عهد النبي (1): فرائحهم، وقوة حفظهم، وكان هناك من الصحابة من يكتب. وأما حديث النهي عن كتابة الحديث وهو ما رواه مسلم عن أبي سعيد الخُدْرِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لا تَكْتُبُوا عَنِّي وَمَنْ كَتَبَ عَلي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ وَحَدَّثُوا عَلى وَلا خرج (. رواه مسلم (1) ، فقيل في معناه ما يلي: 1. أن النهي خاص بوقتِ نزول القرآن خَشْيَة التباسه بغيره، والإذن في غير ذلك. أن النهي خاص بكتابة غير القرآن مع القرآن في شيء واحد والإذن في تفريقهما، أن النهي متقدم والإذن ناسخ له عند الأمن من الالتباس، وَهُوَ أَقْرَبَهَا مَعَ أَنَّهُ لَا يُنَافِيهَا. وقيل النهي خاص بمن حُشِيَ منه الاتكال على الكتابة دون الحفظ، والإذن لِمَنْ أَمِنَ مِنْهُ ذلك. (۳) قال النووي: قالَ الْقَاضِي كَانَ بين السلف من الصحابة والتابعين اختلاف كثير في كتابة العلم فكرهها كَثِيرُونَ مِنْهُمْ وَأَجَازَها أكثرهم، ثم أجمع المُسْلِمُونَ على جوازها وزال ذلك الخلاف . ۲) صحیح مسلم (الزهد والرقائق برقم ٥٣٢٦). ۳) فتح الباري (1/208). 24 الفرع الثاني: تدوين السنة في عهد الصحابة رضي الله عنهم: كان الصحابة يعتمدون في الأساس على حفظهم وجودة قرائحهم، وكان كثير منهم يحتاط من تدوين الحديث خشية الاتكال على الكتابة، ولكن هذا لم وقد أذن النبي ﷺ بكتابة حديثه، 1) حديث أبي هريرة: (ما من الصحابة أحد أكثر حديثا مني، 2) وعنه أيضا قال: خطب رسول الله ﷺ في فتح مكة إلى أن قال: اكتبوا لأبي شاة). (٢)، الأدلة. الفرع الثالث: تدوين السنة بعد عصر الصحابة رضي الله عنهم: بدأ التدوين - بمعنى الجمع والتصنيف من أوائل القرن الثاني إلى آخر القرن الثالث، ذهبياً لعلوم السنة، فقد تنبه رواتها إلى وجوب تصنيفها وتدوينها، ومعنى تصنيفها ضم الأحاديث التي من نوع واحد في الموضوع بعضها إلى بعض كأحاديث الصلاة وأحاديث الصيام وما شاكل ذلك، وحدت هذه الفكرة في جميع الأمصار الإسلامية في أوقات متقاربة حتى لم يعرف من له فضيلة السبق إلى ذلك، (٣) وتستطيع أن تحدد هذا الدور بثلاثة أطوار : فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء) (1) ، قال في فتح الباري: يستفاد من هذا ابتداء تدوين الحديث النبوي، وسعيد بن أبي عروبة (١٥٦هـ) وغيرهما، وكانوا يصنفون كل باب على حدة، إلى أن قام كبار أهل الطبقة الثالثة، فدونوا الأحكام، فصنف الإمام مالك "الموطأ" وتوخى فيه القوي من حديث أهل الحجاز، ومزجه والمسانيد من الكتب التي موضوعها جعل حديث كل صحابي على حدة صحيحاً كان أو حسناً أو ضعيفاً، وإن اختلفت أنواعه، فتارة ترتب فيه أسماء الصحابة على حروف الهجاء، كما فعله غير واحد، وتارة ترتب على السابقة في الإسلام؛ فيقدم العشرة المبشرون بالجنة، ثم أهل بدر، ثم من أسلم يوم الفتح، ثم أصاغر الصحابة سناً، ويختتم بالنساء. الطور الثالث: جاء بعد هذه الطبقة، ومسلم بن الحجاج النيسابوري (المتوفي سنة ٢٦١هـ)؛ صنفا صحيحهما بعد أن دفقا في الرواية والاختيار، 1) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه تعليقا في كتاب العلم. ۲) انظر: تدريب الراوي ص ٤٠ ۳) انظر: هدى الساري لابن حجر ص . وحذا حذوهما أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني (المتوفى ۲۷۵ (هـ)، وأبو عيسى محمد بن عيسى وأبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي (المتوفى سنة ٣٠٣هـ)، لما لهم في رواتها من الثقة العظمي. بل وحد بجانبهم كثيرون سواهم، إلا أن هؤلاء هم الذين نالوا شهرة لم ينلها غيرهم. وعلى رأسهم أصحاب الصحاح السنة، وفي أواخر القرن الثالث. لا يخفى على كل مسلم أهمية الإيمان، وعظم شأنه، فيه يحيا العبد، وقال تعالى: ﴿وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَد عَمِلَ الصَّالِحاتِ فَأُولَئِك لهم الدرجات العلام [طه: ۷۵]، كثيرة. وقد دلت نصوص الكتاب والسنة على أن الإيمان يقوم على سنة أركان، وهي: الإيمان بالله، ورسله، من ذلك: ۱ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِن قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بعيدا [النساء: ١٣٦]. - وقوله تعالى : وليس البر أن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبل المشرق والمغرب ولكن الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّين) [البقرة: ١٧٧] - وقوله تعالى: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ - وقوله تعالى : إنَّا كُل شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بقدر [القمر: ٤٩]. ه - وثبت في صحيح مسلم من حديث عمر بن الخطاب المشهور بحديث حبريل «أن جبريل سأل النبي فقال: أخبرني عن الإيمان، قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره» (1) . فهذه أركان الإيمان التي عليها يقوم، والإيمان ببعضها مستلزم للإيمان بباقيها، والكفر ببعضها كفر بباقيها، فيجب على كل مسلمة ومسلم معرفة هذه الأركان والعناية بها وتحقيقها علماً وعملاً. 1) صحيح مسلم برقم (1) 29 المبحث الأول: الإيمان بالله تعالى الإيمان لغة: مأخوذ من التصديق والطمأنينة. وفي الشرع قول باللسان، وعمل بالجوارح، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. واعلم أن الإيمان بالله عز وجل هو أهم أركان الإيمان، وأساس بنائه، وبقية الأركان مبنية عليه. والإيمان بالله عز وجل هو الاعتقاد الجازم بأن الله عز وجل واحد في ملكه وأفعاله لا شريك له، وواحد في وواحد في ألوهيته وعبادته لا شريك له. فظهر من ذلك أن الإيمان بالله يتضمن ثلاثة أمور : الأول: الإيمان بالربوبية، وهو الإقرار بأن الله تعالى رب كل شيء ومليكه وخالفه ورازقه، وأنه المحيي المميت النافع الضار، الذي له الأمر كله، وبيده الخير كله، وإليه يرجع الأمر كله، قال تعالى: الزواج الليل في النهار ويُواجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلِ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قطمِير [فاطر: ١٣]. الثاني: الإيمان بالألوهية، وهو إفراد الله وحده بالعبادة دون ما سواه، لكونه خالق العباد والمنعم عليهم بالرزق، القادر على كل شيء، قال تعالى: يا أنها ) دوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الناس اعبدوا الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً الثالث: الإيمان بأسماء الله الحسنى وصفاته العلى، وهو إفراد الله تعالى بما سمى ووصف نفسه في كتابه وعلى لسان نبيه، وتنزيهه عن النقائص والعيوب ومماثلة الخلق، قال تعالى: "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير". 1- توحيد الألوهية. - توحيد الربوبية. وهذه الأقسام الثلاثة للتوحيد قد أخذها أهل العلم بالاستقراء والتتبع لنصوص الكتاب والسنة، وهو استقراء تام النصوص الشرع، أفاد هذه الحقيقة الشرعية، وهي أن التوحيد المطلوب من العباد هو الإيمان بوحدانية الله في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، فمن لم يأت بهذا جميعه فليس بمؤمن، وفيما يلي بيان لهذه الأقسام المطلب الأول توحيد الربوبية الربوبية صفة الله، وهي مأخوذة من اسم الرب، والرب في كلام العرب يطلق على معان منها المالك، والسيد. المطاع، والمصلح. أما في الاصطلاح فإن توحيد الربوبية هو إفراد الله تعالى بأفعاله . ومنها الخلق والرزق والسيادة والإنعام والملك والتصوير، والعطاء والمنع والنفع والضر، والإحياء والإمانة والتدبير المحكم، والقضاء والقدر، وغير ذلك من أفعاله حل وعلا. أدلته من الكتاب: قوله تعالى: خلق السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْج كريم - هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ 31 الَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ في ضَلالي مبين [لقمان: ۱۰ - ۱۱] . وقوله تعالى: أَمْ خُلِفُوا مِنْ غَيْرِ شيء أم هُمُ الخَالِقُونَ [الطور : ٣٥] واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف» (1) . دلالة العقل دل العقل على وجود الله تعالى وانفراده بالربوبية وكمال قدرته على الخلق وسيطرته عليهم، وذلك عن طريق النظر والتفكر في آيات الله الدالة عليه، وللنظر في آيات الله والاستدلال بها على ربوبيته طرق كثيرة بحسب تنوع الآيات وأشهرها طريقان: الطريق الأول: النظر في آيات الله في خلق النفس البشرية وهو ما يعرف بـ (دلالة الأنفس)، كما قال تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تبصرون [الذاريات: (۲۱]، وقال تعالى: ونفس وما سواها الشمس: 7]، ولهذا لو أن الإنسان أمعن النظر في نفسه وما فيها من عجائب صنع الله لأرشده ذلك إلى أن له رباً خالقاً حكيماً خبيراً؛ إذ لا يستطيع الإنسان أن يخلق النطفة التي كان منها، أو أن يحولها إلى علقة، أو يحول العلقة إلى مضغة، أو يحول المضغة عظاما، أو يكسو العظام الحماً. الطريق الثاني: النظر في آيات الله في خلق الكون وهو ما يعرف - (دلالة الآفاق)، وهذه كذلك آية من آيات الله العظيمة الدالة على ربوبيته، قال الله تعالى: وستريهم آياتنا في الآفاق وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شَيْءٍ شهيد [فصلت: ٥٣] 1) سنن الترمذي (٢٥١٦) ، ومسند أحمد (۱ / ۳۰۷)، وقد حسن الحديث الترمذي وصححه، ومن تأمل الآفاق وما في هذا الكون من سماء وأرض، وما اشتملت عليه السماء من نجوم وكواكب وشمس وقمر، وما اشتملت عليه الأرض من خيال وأشحار وبحار وأنهار، وما يكتنف ذلك من ليل ونهار وتسيير هذا الكون كله بهذا النظام الدقيق؛ دله ذلك على أن هناك خالقاً لهذا الكون موحدا له مديرا لشؤونه، وأن الكائنات خلقت للحق وبالحق، وأنها آيات، وبراهين ودلالات على جميع ما أخبر به الله عن نفسه وأدلة على فقال لهم رحمه الله: "أخبروني قبل أن تتكلم في هذه المسألة عن سفينة في دجلة تذهب فتمتلئ من الطعام وغيره بنفسها وتعود بنفسها، كل ذلك من غير أن يديرها أحد"، فقالوا : " هذا محال لا يمكن أبداً، فقال لهم: إذا كان هذا محالاً في سفينة فكيف في هذا العالم كله علوه وسفله ؟ ". فنيه إلى أن اتساق العالم ودقة صنعه وتمام خلقه دليل على وحدانية خالقه وتفرده، قال تعال: ولو كان فيهما آله إلا الله لَفَسَدَنَا فَسُبْحَانَ الله وَ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾ [الأنبياء : ٢٢] بيان أن الإقرار بهذا التوحيد وحده لا ينجي من العذاب إن توحيد الربوبية هو أحد أنواع التوحيد الثلاثة كما تقدم؛ ولذا فإنه لا يصح إيمان أحد ولا يتحقق توحيده إلا إذا وحد الله في ربوبيته، لكن هذا النوع من التوحيد ليس هو الغاية من بعثة الرسل عليهم السلام، ينجي وحده من عذاب الله ما لم يأت العبد بلازمه توحيد الألوهية. والمعنى أي: ما يقر أكثرهم بالله رباً وخالقاً ورازقاً ومديراً - وكل ذلك من توحيد الربوبية - إلا وهم مشركون معه في عبادته غيره من الأوثان والأصنام التي لا تضر ولا تنفع، ولا تعطي ولا تمنع، وبهذا المعنى للآية قال المفسرون من الصحابة والتابعين. 33 قال ابن عباس رضي الله عنهما من إيمانهم إذا قيل لهم من خلق السماء، ومن خلق الأرض ومن خلق الجبال؟ قالوا: الله وهم مشركون، وقال عكرمة: تسألهم من خلقهم ومن خلق السماوات والأرض فيقولون الله فذلك إيمانهم بالله، وهم يعبدون غيره، وقال مجاهد: إيمانهم قولهم: الله خالقنا ويرزقنا ويميتنا فهذا إيمان مع شرك عبادتهم غيره"، وهو يشرك به ألا ترى كيف قال إبراهيم: قال أفرأيتُم ما كُنتُمْ تَعْبُدُونَ - أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ - فَإِنَّهُمْ عدو لي إلا رب العالمين) [الشعراء: ٧٥ - ٧٧] (1). بل لقد كان المشركون زمن النبي الله مقرين بالله رباً خالقاً رازقاً مديراً، وكان شركهم به من جهة العبادة حيث اتخذوا الأنداد والشركاء يدعونهم ويستغيثون بهم وينزلون بهم حاجاتهم وطلباتهم وقد دل القرآن الكريم في مواطن عديدة منه على إقرار المشركين بربوبية الله مع إشراكهم به في العبادة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يؤفكون [العنكبوت: ٦١]، وقوله تعالى: وَلَئِن سَأَلْتَهم من نزل من السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ موْتِهَا لَيَقُولُنَّ الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يَعْقِلُونَ [العنكبوت: (٦٣)، وقوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَنْ خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون [الزخرف: ۸۷]، وقوله تعالى: وقل لمن الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ - سَيَقُولُونَ لِلهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ - قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ الشبع ورَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ - سَيَقُولُونَ لِلَّهِ من أفلا تَتَّقُونَ - قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ - سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فاني تسخرون [المؤمنون: ٨٤ - ٨٩] فلم يكن المشركون يعتقدون أن الأصنام هي التي تنزل الغيث وترزق العالم وتدير شؤونه، ويقرون أن أوثاتهم التي يدعون من دون الله مخلوقة لا تملك لأنفسها ولا العابديها ضراً ولا نفعاً استقلالاً ولا يملكون موتاً ولا حياة ولا نشوراً، له، وأنه سبحانه الخالق وما عداه مخلوق والرب وما عداه مربوب غير أنهم جعلوا له من خلقه شركاء ووسائط، ولذا قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقرلُونَا إلى الله الفى [الزمر: ٣]، أي ليشفعوا لهم عند الله في نصرهم ورزقهم وما ينوبهم من أمر الدنيا. ومع هذا الإقرار العام من المشركين الله بالربوبية؛ واستباح رسوله قتالهم لكونهم لم يحققوا لازم توحيد الربوبية وهو توحيد الله في العبادة، وبهذا يتبين أن الإقرار بتوحيد الربوبية وحده دون الإتيان بلازمه توحيد الألوهية لا يكفي ولا ينحي من عذاب الله، بل هو حجة بالغة على الإنسان تقتضي إخلاص الدين الله وحده لا شريك له، المطلب الثاني: توحيد الألوهية: الألوهية مشتقة من اسم الإله، أي المعبود المطاع، فالإله اسم من أسماء الله الحسنى، والألوهية صفة من صفات الله العظيمة،