تخضع العقود كأصل عام للمبدأ القائل بأن العقد شريعة المتعاقدين فمـن المسلم به في مجال القانون الخاص أن هذا المبدأ يعني سيادة مبدأ القوة الملزمـة للعقد بين أطرافه، فالعقد بالنسبة إلى عاقديه يعتبر بمثابة القانون أو بمعنى أصح هو قانون خاص بهما وإن كان منشؤه الاتفاق بينهما. الإدارة وهي تتعاقد مع الأفراد قد تختار بين أسلوب القانون العام أو أسلوب القانون الخاص وبالتالي يمكن تقسيم عقود الإدارة إلى نوعين مختلفين ، عقود تبرمها الإدارة وفقا لأسلوب القانون الخاص تسمى عقود الإدارة الخاصة وعقود تبرمها بصفتها سلطة عامة تهدف إلى تنظيم مرفق عام وتسييره تسمى العقود الإدارية .وأدى وجود هذين النوعين من العقود التي تبرمها الإدارة مع الأفراد إلى ظهور إشكالية أساسية تتعلق بتمييز العقد الإداري عن عقد الإدارة الخاص أو المدني .ويعرف العقد الإداري عموما بأنه: ذلك العقد الذي يبرمه شخص معنوي عام بقصد تسيير مرفق عام أو تنظيمه، وتظهر فيه نية الإدارة في الأخذ بأحكام القانون العام ذلك أن يتضمن العقد شروطا استثنائية غير مألوفة في القانون الخاص، أو أن يخول موضوعه للأطراف المعنية حقوقا أو يضيع على عاتقهم التزامات غريبة بطبيعتها عن تلك التي لا يمكن أن تقبل بحرية من أي منهم، وذلك في إطار القوانين المدنية والتجارية. في ظل ممارسة الدولة لوظائفها المتنوعة بواسطة أجهزتها التي أنشأتها بهدف تحقيق المنفعة العامة و إشباع حاجات المجتمع فتعددت وظائفها بحسب الأسلوب و السلطة القائمة على العمل، و أهم وظيفة تمارسها الدولة في الوقت الحالي، هي الوظيفة الإدارية التي تباشرها الإدارة بعدة وسائل قانونية منها ما تمارسه الإدارة بإرادتها المنفردة عن طريق القرارات الإدارية، ومنها ما تشارك فيها إرادتها مع إرادة الأفراد، و يتجلى ذلك في العقد الإداري الذي يتميز عن العقود الخاصة، حيث أن الإدارة العامة في أثناء إدارتها للمرافق العامة، تشغل كل ما يمكن استغلاله لرعاية المجتمع.ذلك أن الاعتراف بالصفة الإدارية لعقدها تنتج عنه آثار على مستوى ضمان تمتع المتعاقدين مع الإدارة بحقوقهم من جهة وتقييد الإدارة بوضع حدود لها لأن العقد الإداري عادة ما يجمع بين طرفين غير متساويين في القوة وفي الهدف فهو يتم عادة بين طرف أكثر قوة يسعى إلى تحقيق المصلحة العامة وهو الإدارة وبين طرف ضعيف يسعى إلى تحقيق مصلحة خاصة.أهمية الدراسةونظرا لأهمية العقود الإدارية فقد ارتأينا البحث في سلطة الإدارة في فرض الجزاءات على المتعاقدين معها، و لضمان عدم وجود قرارات تعسفية ولضمان حقوق المتعاقدين مع الإدارة، حيث أن الإدارة وصفت دائما بأن لها الحظ الأوفر في اتخاذ القرارات بل و عرفت باستحواذها على توقيع العقوبات على المتعاقدين معها.وبناء على ذلك فقد أعترف الفقه والقضاء الإداريين للإدارة بالحق في ممارسة العديد من السلطات والامتيازات الجوهرية في مواجهة المتعاقد معها من أهمها :سلطة الإدارة في مراقبة وتوجيه المتعاقد معها أثناء تنفيذ العقد وهذا لأهمية العقود الإدارية وانعكاس تنفيذها على حسن سير المرافق العامة فإن الإدارة تسعى إلى مراقبة تنفيذ هذه العقود وقد تتجاوز الإدارة مراقبة التنفيذ إلى توجيه المتعاقد في أعمال التنفيذ.سلطة الإدارة في مراقبة التعديل الانفرادي للعقد الإداري في ظل هذه السلطة فإن قاعدة العقد شريعة المتعاقدين لا تسري على العقود الإدارية كما هو الحال في عقود القانون الخاص الذي لا يجوز فيه نقض العقد أو تعديله إلا باتفاق الطرفين وإن جوهر الرابطة التعاقدية هو التزام المتعاقد بكل ما ينص عليه العقد فهو يتضمن قوة تحتم على طرفيه الرضوخ والإذعان له في كل ما يحتويه ، في حين العقود الإدارية تتمتع الإدارة فيها بسلطة تعديل العقد.سلطة الإدارة في توقيع جزاءات على المتعاقد معها ويبرز في إلزامه بعد الإخلال بتنفيذ العقد الإداري تحت طائلة جملة جزاءات يمكن للإدارة توقيعها عليه لإلزامه بتنفيذ العقد دون خلل فإذا أخل المتعاقد بالتزاماته التعاقدية سواء بامتناعه عن تنفيذ العقد أوالقيام بتنفيذ العقد بشكل مخالف للشروط والمواصفات المتفق عليها أو التأخر عن المواعيد المحددة لمراحل التنفيذ فيكون للإدارة توقيع الجزاءات الإدارية عليه وفي حالة ممارسته لأساليب الغش والتلاعب فللإدارة أيضا سلطة توقيع الجزاءات عليه.وسلطة الإدارة في إنهاء العقد الإداري دون خطأ المتعاقد إذا اقتضت المصلحة العامة ذلك ودون خطأ المتعاقد وقبل تنفيذه للالتزامات المنصوص عليها في العقد وهذا مقابل منحه تعويضا مناسبا عن ذلك.ومما لاشك فيه أن هذا الامتياز الذي تملكه الإدارة في مواجهة المتعاقد معها تعتبر سلطة خطيرة تتمتع بها الإدارة لكنها ليست مطلقة بل تخضع لرقابة القاضي الإداري الذي يحرص على احترام الإدارة للقواعد العامة التي تحكم ممارسة هذه السلطة ویكتسي موضوع سلطة الإدارة في إنھاء العقد الإداري أھمیة خاصة بالنظر لانعدام الدراسات الخاصة بالعقود الإداریة انطلاقا من إجتھادات القضاء ،حیث أنھا قلیلة نسبیا من جھة ومن جھة أخرى یطبق في الكثیر من الأحیــان النصوص الواردة في المجموعة المدنیة مع الإشارة صراحة إلى رقم تلك المادة كما ھو وارد في تلك المجموعة وفي بعضھا الأخر تطبق المبادئ والأفكار المدنیة دون أن یشیر إلى الأرقام المواد ، إن الدوافع الموضوعیة لدراسة العقد الإداري یعود للأھمیة التي یكتسیھا العقد الإداري في الأعمال الإداریة باعتباره أن یعبر عن إرادة الإدارة في تعاملاتھا مع الطرف المتعاقد معھـا والأسلوب التعاقدي مستصاغ أكثر في تعاملات الأشخاص الطبیعیة في حین موضوع العقد محدود جدا مقارنة بالقرار وھذا ما دفعنا لدراسة ھذا الموضوع لتحدید معالم وحدود نظریة العقد الإداري وكذا تحدید سلطة التي تتمتع بھا الإدارة عند إبرامھا لمثل ھذه العقود الإداریة.أهداف الدراسة:- الاهتمام بالدراسات القانونية المرتبطة بسلطة الإدارة في توقيع الجزاءات و التي تحظى بأهمية كبيرة نظرا لأثرها المباشر على الإدارات.- إبراز مدى أهمية منح الإدارة لسلطة تمكنها من ضمان تنفيذ العقد الإداري أي سلطة توقيع الجزاءات.- إبراز دور العقود الإدارية في تسيير المرافق العامة. أسباب اختيار الموضوع : إن أهم أسباب دواعي اختياري لهذا الموضوع، تكمن في العديد من الاعتبارات و الأهداف القانونية و العلمية في آن واحد ،نبينها في الأتي : - ندرة الدراسات القانونية المتخصصة التي تناولت موضوع سلطة الإدارة في توقيع الجزاءات مع المتعاقدين معها .- إن موضوع الجزاءات الإدارية يعتبر من احدث مواضيع القانون الإداري ،فهو ميدان خصب لكل من يريد البحث و الدراسة و التنقيب إذ يمس بالأفراد من جهة و بالإدارة صاحبة امتياز السلطة العامة في جهة اخرى.- الرغبة الذاتية الجامحة و الملحة في تناول موضوع حديث في القانون الإداري لما له من علاقة مباشرة بحياة الأفراد من خلال الرفوف على خبايا على الموضوع بالبحث و التمحيص.الإشكالية: ومما سبق ذكره تتضح إشكالية هذا الموضوع والتي ترتبط أساسا بتحديد نطاق السلطة المخولة للإدارة لإنهاء العقد الإداري والإشكال الرئيسي المطروح هنا هو:فيما تتجسد سلطة الإدارة عند إنهائها للعقد الإداري؟منهج البحث :وللإجابة على هذه الإشكالية ،استوجب علينا توظيف مناهج علمية محتلفة ،بداية بالمنهج الوصفي من خلال التطرق لأهم الآراء الفقهية الإدارية حول سلطة الإدارة في توقيع الجزاءات ،كما اعتمدنا على المنهج التحليلي حيث لا يمكن أن يخلو منه أي دراسة قانونية هادفة،