لا يمكن الإحاطة بمفهوم الحداثة بعيداً عن فكرة الزمن، هذه الحقيقة وهذه العلاقة لابد من إدراكها عند النظر والتأمل في مفهوم الحداثة، فهناك اتصال واقتران لا ينفصل ولا ينقطع أبداً بين الحداثة والزمن، ومتى ما حصل هذا الفصل وهذا القطع اختل تكوين المعرفة بمفهوم الحداثة. وكل فهم للحداثة لا يكون ناظراً لفكرة الزمن، لا يعطي إلا فهماً ناقصاً ومنقوصاً لمفهوم الحداثة، المفهوم الذي لا يتحدد ولا يكتمل دون فكرة الزمن، فالحداثة دون فكرة الزمن هي حداثة ناقصة، وهي ليست حداثة إلا على سبيل المجاز، هذا التأكيد الذي يصل إلى حد اليقين في العلاقة بين الحداثة والزمن، نابع من كون أن مفهوم الحداثة في فلسفته وحكمته، عابراً به ومن خلاله درب الحياة في تحولاتها وتغيراتها المتقادمة والمتلاحقة. الحداثة هي مفهوم زمني هذه حقيقة لا ريب فيها، وذلك باعتبار أن الحداثة ناظرة إلى ما هو حديث الذي هو خلاف القديم، فالحداثة تتصل بالحديث من جهة وتقطع مع القديم من جهة أخرى، وتعطي الأهمية والقيمة والاعتبار لكل ما هو حديث، وتسلب الأهمية والقيمة والاعتبار عن كل ما هو قديم، فهي تفاضل بين ما هو حديث وما هو قديم ولا تساوي بينهما. والاتصال بالحديث في الحداثة يحصل على طول الخط، ومتى ما حصل توقف أو انقطاع عن هذه الملاحقة، تكون الحداثة قد فقدت صفتها ومصداقيتها، وذلك باعتبار أن الحديث يتحول إلى قديم، ومآل الحديث مع مرور الزمن أن يتحول إلى قديم، وما هو حديث الآن لا يعد حديثاً بالضرورة غداً، ومتى ما خرج الأمر من دائرة الحديث إلى دائرة القديم، وبهذا المعنى فإن الحداثة هي فعل تحقق الحداثة، التحقق الذي يكون شرطه الديمومة والاستمرارية، وتنتهي الحداثة وتتوقف مع انتهاء وتوقف عنصر الديمومة والاستمرارية، فالأصل في الحداثة أن تكون مستمرة، والحداثة تتصل بالزمن، لكون أن الزمن وضع متحرك ومتغير وسيال، وليس ساكناً على الإطلاق أو جامداً أو متوقفاً، عنصر الحركة في الزمن هو الذي لفت الانتباه لمفهوم الحداثة، ولو كان الزمن ساكناً أو جامداً لما كانت للحداثة حاجة وضرورة، والحداثة في هذا الجانب تتصل بالزمن من جهة عنصر الحركة. من جهة ربط الزمن بعنصر التقدم، وتحويل الزمن إلى حركة متجهة وصاعدة نحو التقدم، أي أن الحداثة ليست مجرد نظرة عادية، أو مجرد علاقة عابرة بالزمن، وإنما هي علاقة تتخذ من فكرة التقدم أساساً ووجهة في النظر إلى الزمن، بالشكل الذي يجيز القول بأن الحداثة هي ربط العلاقة بين الزمن والتقدم، وفي هذه العلاقة يكون الزمن بمثابة الإطار، الروح المحرك للزمن لتكون حركته في حالة صعود، فلا مجال للنظر إلى الزمن في حالات التراجع أو النكوص أو العودة إلى الوراء، فهذه الحالات وغيرها خارجة عن منطق الحداثة، وجماع القول إن الحداثة من جهة هي نظر إلى الزمن في كل آن، أي أنها لا تتوقف عن النظر إلى الزمن، ومن جهة أخرى إن الحداثة هي نظرة فعالة ومتحركة إلى الزمن، ومن جهة ثالثة إن الحداثة هي نظرة إلى الزمن من منظور فكرة التقدم.