هذا الدليل يتعلق بحالة الكون وما فيه بعد إيجاده؛ مما يدل على أن وراء ذلك ربًّا عليمًا، هو الذي جعل كل هذه الكائنات والمخلوقات تسير وفق نظام دقيق من غير تخلف، فلو أنا وجدنا بيتًا كامل البنيان، لتبين لنا أن هذا البيت لم يوجد على هذا الشكل بالصدفة؛ فكذلك الأمر بالنسبة للعالم، يقول الخطابي فيما نقله عنه البيهقي في الاعتقاد: "إذا تأملت هيئة هذا العالم ببصرك، فالسماء مرفوعة كالسقف، والإنسان كالمُمَلَّك للبيت المخول ما فيه، وفي هذا دلالة واضحة على أن العالم مخلوق بتدبير وتقدير ونظام، ويقول الرازي: "حدوث دار منقوشة بالنقوش العجيبة، فلما شهدت الفطرة بافتقار النقش إلى النقاش، فبأن تشهد بافتقار كل هذا العالم إلى الفاعل المختار الحكيم كان أولى"(16). وقوله تبارك اسمه: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينِ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينِ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) [المؤمنون: 14-12]، وقوله جلت قدرته: (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتِ فَارْجِع الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورِ* فتدبير هذا الكون بغاية الدقة وكمال الاتقان دليل على وجود خالق مبدع حكيم، قال البيهقي: "الإحكام لخلق الأشياء إنما ينصرف إلى إتقان التدبير فيها، يعني: حسن التدبير في إنشاء كل خلق من خلقه على ما أحب أن ينشئه عليه، كقوله عز وجل: (وَخَلَقَ كُلَ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا) وممن انتبه لهذا الملحظ الإمام أبو حنيفة رحمه اللّٰه في إحدى مناظراته، حين قال لمناظريه: "ما تقولون في رجل يقول لكم: إني رأيت سفينة تجري مستوية، هل يجوز ذلك في العقل؟ قالوا: لا، هذا شيء لا يقبله العقل؟ فقال أبو حنيفة: يا سبحان الله! إذا لم يجز في العقل سفينة تجري في البحر ستوية، فكيف يجوز قيام هذه الدنيا على اختلاف أحوالها،