وافق مجلس الحكومة بتاريخ 18 من الشهر الجاري على مشروع المرسوم عدد 2. 1119 الذي اعده و قدمه السيد وزير العدل يحدد بمقتضاه كيفية مسك قائمة المحكمين و شروط التسجيل فيها و التشطيب منها. وفق التعليمات الملكية السامية التي ألحت ” على ضرورة تطوير الطرق القضائية البديلة كالوساطة و التحكيم و الصلح ” كما جاء في الخطاب الملكي التوجيهي ليوم 20/08/2009 . و نظرا لأهمية المرسوم و تداعياته المرتقبة على تطور قضاء التحكيم الفتي في بلادنا ، الذي تحكمه قاعدة منع قضاء الدولة من نظر المنازعات الخاصة الدولية حتى اكتسح التحكيم الدولي هذا الميدان ، ارتأيت الاسهام بهذا التعليق المتواضع في محاولة لسبر اغوار المرسوم المشار اليه و الكشف عن ارتداداته المحتملة على مجال التحكيم. ان التحليل الموضوعي للتحكيم كظاهرة إنسانية متميزة ذات تأصيل تاريخي قديم عاصر تطورات في غاية الأهمية تسمح بالقول حاليا بوجود قضائيين يؤديان الوظيفة القضائية ، تتجه التشريعات الحديثة الى منح المحكم تأهيلا كاملا حتى يتولى القيام بمهمته برحابة صدر و استقلالية دون تبعية للقانون و للقضاء الوطنيين الذي تقلصت حدود تدخله ليواكب قضاء التحكيم كمساند له في مرحلة قبلية او عبر تدخله عند النظر في الطعن بالبطلان في مواجهة المقرر التحكيمي او عبر مسطرة اكسائه الصيغة التنفيذية له ، و هكذا ارتقى التحكيم بخطوات ثابتة الى أعلى المراتب بعد ان ارتدى لباسا متحررا من تحكم الدولة مما اسعفه في تحقيق عدالة خاصة موفقة تتبوء مركز الصدارة كقاضي طبيعي و مفضل في المنازعات التجارية الدولية عموما ، و هي معضلة اثار الانتباه اليها في عدة مناسبات السيد الرئيس الأول لمحكمة النقض ، كما يدل على ذلك القانون الاطار بمثابة ميثاق الاستثمارات الذي تضمن صراحة إمكانية فض المنازعات الناشئة عن العقود الدولية للاستثمار عن طريق التحكيم الدولي . 05 و برهن بذلك المشرع على رغبته في مجاراة الاتجاهات الحديثة للتحكيم التي نحت الى صياغة قواعد قضاء التحكيم في شكل قانون مستقل عن قوانين الإجراءات المدنية مثلما كان عليه الحال في القانون المذكور الملغى ، و لذلك قضت محكمة العدل للمجموعة الأوروبية ” ان الهيئة التحكيمية لا تمثل محكمة من جهاز قضاء الدولة مما لا يمكن الحكم على الدولة بمسؤوليتها عن الأحكام التحكيمية التي لا تصنف ضمن احكام السلطة القضائية الخاضعة لقانون التنظيم القضائي للدولة الذي يعتبر مرفقا عاما للدولة يعمل لضمان سيادة العدل وفق المبادئ الاجتماعية و الاقتصادية و الفكرية للمجتمع “. و نظرا لان المحكم يتولى القيام بمجرد مهمة عامة باعتباره عونا للقضاء فانه لا بد ان تتوفر فيه مؤهلات معينة ليحظى بثقة الأطراف و كذا ثقة القانون باعتبار ان العمل العام يكتسي صبغة رسمية. و لم يسبق ان صدر ضده حكم حائز لقوة الشيء المقضي به بالإدانة من اجل ارتكاب أفعال تخل بالشرف او صفات الاستقامة او الآداب العامة ، او صدرت في حقه احدى العقوبات المالية المنصوص عليها في القسم السابع من الكتاب الخامس من القانون رقم 15. و من ثم يحق ان يكون المحكم من غير ذي الجنسية المغربية بخلاف القاضي بدليل ان المادة 51 من القانون المنظم للتحكيم و الوساطة الاتفاقية تشير الى وجوب ذكر جنسية المحكمين الذين اصدروا الحكم التحكيمي كما لا يخضع المحكم لنظام تأديبي حتى ولو من المراكز التحكيمية ، لا يتضمن نظام غرفة التحكيم التجارية الدولة بباريس اي نص يجيز لها اصدار عقوبة تأديبية ضد محكم مسجل بلوائحها ، و هو ما يتبين بالرجوع الى المادة 58 من قانون التحكيم التي تجعل الحكم التحكيمي غير قابل لأي طعن و ما يستشف من نزعته الى التضييق على أسباب الطعن ببطلانه. كما انه اذا كان أساس سلطة القاضي في اصدار حكمه نابع عن تسميته لمزاولة هذه الوظيفة بقرار اداري فان مصدر سلطة المحكم نابعة من اتفاقية التحكيم وحدها التي يستند عليها في القيام بمهمته كقاضي خاص ، يتميز عن قاضي الدولة بمسالة جوهرية تبرز مدى استقلاليته مثلما تفصح عنه المادة 32 من القانون الجديد للتحكيم التي خولته البت ، فان القانون المذكور اوجب بمقتضى المادة 18 منه على قاض الدولة في حالة التمسك امامه بوجود اتفاقية التحكيم ان يصرح بعدم قبول الدعوى ( الفقرة 2 من المادة 18 ). و يظهر جليا من استعمال مشرع القانون الحالي في المادة المذكورة لصيغة الوجوب ، و حذفه الجملة التي كانت تنص عليها المادة 327/2 من ق. م.م الملغاة التي كانت تنظم التحكيم و الوساطة الاتفاقية على ” ما لم يكن بطلان اتفاق التحكيم واضحا ”، مدى رغبة المشرع الواضحة في تعزيز تمتيع المحكم بولاية مطلقة و استقلاليته . و في مناخ هذا الدعم الواضح لاستقلالية المحكم المكرس تشريعيا بالقانون الحالي للتحكيم ان يتضمن ، ان يكونوا مسجلين ضمن قائمة المحكمين تحدد كيفيات مسك القائمة و شروط التسجيل فيها و التشطيب منها بنص تنظيمي على الا يسجل فيها الا ذوو الخبرة و الكفاءة العلمية “. م.م التي نصت على ما يلي : ” يجب على الأشخاص الطبيعيين الذين يقومون اعتياديا أو في إطار المهنة بمهام المحكم إما بصورة منفردة أو في حظيرة شخص معنوي يعتبر التحكيم أحد أغراضه الاجتماعية، أن يصرحوا بذلك إلى الوكيل العام لدى محكمة الاستئناف الواقع في دائرة نفوذها محل إقامة الأشخاص الطبيعيين المذكورين أو المقر الاجتماعي للشخص المعنوي. يسلم الوكيل العام وصلا بالتصريح ويقيد المعنيين بالأمر في قائمة المحكمين لدى محكمة الاستئناف المعنية وذلك بعد دراسة وضعيتهم “. و نظرا لما اكتنف تطبيق احكام المادة المذكورة من صعوبات فقد اضطر وزير العدل المرحوم عبد الواحد الراضي الى اصدار دورية جاء فيها على الخصوص ” لم يهدف المشرع من وراء التصريح المذكور ، بل توخى فقط خلف آلية لتسهيل مهمة رئيس المحكمة حين يلجأ اليه في اطار مقتضيات الفصلين 324-4 و 327-5 فصد تعيين او إتمام تشكيل هيئة التحكيم ، فان المشرع - و على غرار ما يجري به العمل في مختلف التشريعات المقارنة المنظمة للتحكيم – كرس مبدأ حرية الأطراف في اختيار المحكم ، لمن ارتضوه من المحكمين سواء كانوا مقيدين ام غير مقيدين بالقائمة “. يبدو بالرجوع الى المادة 12 سالفة الذكر من قانون التحكيم الحالي وجود نوع من التوجس اتجاه المحكم من طرف واضعي هذا القانون حينما الزم كل شخص ذاتي يزاول ، مثلما جاء في نص المادة 2 من المرسوم الذي أمعن في المساس بمبدء استقلالية المحكم حينما أضاف هذا الشرط الجديد الذي لم تقل به المادة 12 من القانون الحالي للتحكيم و الوساطة الاتفاقية فتطاولت بذلك السلطة التنفيذية على عمل المشرع في خرق واضح لأحكام الدستور الذي ألزم في الفصل السادس منه احترام مبدء تراتبية القواعد القانونية و تلزم بالتالي سلطات الدولة عدم اصدار قواعد قانونية او اتخاذ قرارات تنفيذية مخالفة لقواعد القانون. مع ان المعول عليه في هذا المجال هو سلطان إرادة المحتكمين المجسمة في اتفاقية التحكيم التي تنصرف الى تعيين محكم ولولا يملك كفاءة او مؤهلات علمية و غير متوفر على ادنى شهادة ، اذ يكفي توفره على الحد الأدنى من المتطلبات و هو الالمام بالقراءة و الكتابة سيما و ان المادة 30 ( الفقرة 2) تلزم على المحكم الذي قبل مهمته ان يفصح كتابة عند قبولها عن أي ظروف من شانها اثارة شكوك حول حياده و استقلاله ؛ كما ان المادة 3 من المرسوم تضمنت معيارا تحكميا ينم عن توجه للتضييق على حرية المحكم و استقلاليته اذ تنص على ان ” من شروط قبول الطلب المترشح للقيام بمهمة التحكيم بصفة اعتيادية او في اطار المهنة التي ينتمي اليها ان يدلي بنسخ من الاحكام التحكيمية التي أصدرها او شارك في إصدارها” الامر الذي يعني وجوب ان يكون المترشح قد زاول فعلا مهام التحكيم بصفة اعتيادية، بل ان المرسوم تضمن احداث لجنة يعهد اليها بدارسة طلبات التسجيل في قائمة المحكمين و تقديم اقتراحات بشأنها الى السلطة الحكومية المكلفة بالعدل ( المادة 4 من المرسوم ). و الحال انه لا يبدو ان ثلاث من أعضاء اللجنة و هم مدير الشؤون المدنية و المهن القانونية و القضائية و ممثل عن رئاسة النيابة العامة و ممثل عن المجلس الأعلى للسلطة القضائية انهم مارسوا التحكيم او لربما حتى قضاء الحكم ، و بناء على اقتراح اللجنة المذكورة التشطيب على المحكم المسجل بقائمة المحكمين في حالات الوفاة او بطلب منه ، مما حاصله تخويل اللجنة سلطة التشطيب على محكم من قائمة المحكمين متى تبين لها انه لم يعد مستوفيا لإحدى الشروط سالفة الذكر، ان الحق في و لوج القضاء سواء كان قضاء الدولة او قضاء التحكيم يندرج ضمن الحقوق الأساسية للمواطن تكفله الدولة في صيغة القانون على نحو يحقق التوازن بين المصالح المتعارضة للخصوم و ينظم وسائل و إجراءات مباشرة هذا الحق بمراعاة خصوصيات التحكيم التي تجعله كل النظم القانونية بيد الخصوم بعيدا عن تدخل سلطات الدولة فيما عدا النزر اليسير فتلتزم ان تكون المحكمة مشكلة على نحو صحيح و لا يمكن الوصول الى هذه الغاية اذا انتهكت إرادة احد الأطراف في تعيين محكمه لتشكيل محكمة تحكيمية تتولى البت في النزاع بمقتضى اتفاق تحكيم لمجرد ان المحكم الذي رغب في تعيينه ذلك الطرف قد سبق له ان بت في نزاع تحكيمي سابق سواء شمل اطراف أخرى ام لا ، و تجنب بلدنا مخاطر تصنيفه ضمن الدول المقيدة لحرية التحكيم مع ما لهذا التصنيف من تبعات اقتصادية واسعة الأثر تتعارض بالمطلق و بكيفية غير مبررة أو مفهومة مع السياسات العامة لحكومتنا الموقرة الموصوفة بانها ليبرالية جدا فيما عدا التحكيم؟ !.