لعلنا لا تتجاوز الحقيقة إذا أشرنا إلى أن الجانب الأكبر من ديون مصر في عصر اسماعيل، لأن كل هذا لم يشكل سوي جانب محدود من الأموال التي أنفقتها حكومته، لم يكن أمام الخديوي من طريق سوى طريق الاقتراض التي سار فيها بلا هوادة، أي وقبل أن يمضى على توليته خمسة أعوام، كان إسماعيل باشا قد أثقل كاهل مصر بديون متنوعة المصادر تتراوح فائدتها الحقيقية بين ١٢% ، ولما فشل الخديوي إسماعيل في دفع الدين، واتجه الخديوي إسماعيل إلى المنافس التقليدي لفرنسا. طلب إسماعيل من إنجلترا أن تعيره خبيراً مالياً لبحث مالية الحكومة المصرية، ووصلت البعثة إلى مصر في ١٨٧٥م خشية من أن يؤدي إلى تدخل دول أخري ولهذا أصدر تعليماته إلى وزرائه بأن لا يزودوا البعثة بأية معلومات، وبذل وزير ماليته إسماعيل صديق كل ما وسعه لإخفاء الفوضى المالية الناشبة في البلاد وراح الخديوي يدعوا البعثة إلى حفلات القصد منها إعطاء صورة غير حقيقية عن ثروته وثروة مصر، وذلك بالإسراف في الإنفاق. وفيه تشكو مصر من الجهل والاختلاس والأهمال والتبذير. وأكدت البعثة أن موارد مصر تكفي لدفع الديون إذا أحسنت إدارة البلاد في المستقبل لكن الحكومة الإنجليزية رفضت ذلك الاقتراح، بإنشاء إدارة خاصة بالدين سميت صندوق الدين المصري العام" وعينت كل من فرنسا والنمسا وإيطاليا مندوبا عنها، ثم انضم إليهم ممثل إنجلترا بارنج وهو من غلاة الاستعماريين والذي أصبح فيما بعد اللورد كرومر صاحب التاريخ الاستعماري المعروف في السنوات الأولى للاحتلال البريطاني لمصر، ولم يبق القليل للانفاق على مرافق البلاد. وهكذا أصبحت مصر عام ١٨٧٦ م، ويتقرر مصيرها في لندن وباريس. في النهاية تحول إسماعيل إلى مدافع عن استقلال مصر النسبي، الذي كان يعني بالنسبة له استقلال الحكم، وكان السبيل هو المطالبة بأن تتشكل حكومة وطنية" بدلا من "الحكومة الأجنبية"، ثم يشكل الخديوي إسماعيل حكومة مصرية برئاسة محمد شريف باشا، ويرفض إعلان إفلاس مصر متحديا وزير المالية الإنجليزي ولجنة التحقيق، ليتحولوا إلى معارضة قوية للسلطة التنفيذية وإلى المطالبة بالحقوق الدستورية للأمة، ومن ثم يوافق على اللائحة الوطنية التي وضعها للنواب والعلماء والأعيان كتسوية مصرية للديون،