أولا: الإسلام أرسى قواعد عادلة وحكيمة في التعامل مع الآخر، يدلك على ذلك سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - في الغزوات، وهذا يؤكد صلاحية تشريعات هذا الدين عالميا في مقابل محدودية الأديان السابقةمحدودية الأديان السابقة زمانا ومكانابعث الرسل السابقون إلى أقوامهم، وأرسل الأنبياء إلى قبائلهم وعشائرهم خاصة ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم نذير مبين (25)) (هود)، (وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين (85)) (الأعراف) وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم (73)) (الأعراف) وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إن أنتم إلا مفترون (50)) (هود).وإلى بني إسرائيل كانت نبوة موسى - عليه السلام - والأنبياء من بعده، وقد أثر عن المسيح - عليه السلام - قوله : "بعثت إلى خراف بني إسرائيل الضالة"، والرب ينعتونه عندهم بإله إسرائيل، ويخصون بالذكر من أبناء إبراهيم - عليه السلام - ذرية يعقوب (إسرائيل) بن إسحاق دون سائر العبريين، وفي سفر الأيام من العهد القديم: "مبارك الرب إله إسرائيل من الأزل إلى الأبد "[1]، وعلى هذا كانت النبوات السابقة كلها محلية مؤقتة؛ وهو كذلك الصورة العامة التي تستغرق الأجناس كلها والأجيال جميعها على وجه الأرض حتى قيام الساعة، وعلة ذلك أنه قد زود الإنسان بالوصايا الأخيرة للوحي الإلهي، وأرسى دعائم العقيدة والعبادات والمعاملات، وتضمن نصوصا حاسمة تضبط سيرة المرء وتقاليد الجماعة، وهي أسس وتوجيهات لا تختلف باختلاف العصور. أما ما خلا ذلك من شئون فموكول للعقل البشري، يمحو فيه ويثبت مسترشدا بتلك الأصول السماوية الشرعية السابقة، وإجمالا فقد حدد الإسلام المبادئ وحرر الوسائل [2].وعلى هذا فلئن اتفق الإسلام مع الأديان السماوية السابقة في وحدة الأديان ومصدرها الإلهي، فقد اختلف معها وامتاز عنها في كونه الدين النهائي الخاتم لجميع الأديان، وكونه دينا عاما أنزله الله على محمد - صلى الله عليه وسلم - ليقوم بتبليغه إلى الناس كافة عربا وعجما بيضا وسودا ، وتبعا لهذا فقد تميز بالصلاحية لكل زمان ومكان، وهذا مقتضى الختم والعالمية، قال عز وجل: تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا (1)) (الفرقان)، (قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون (158)) (الأعراف)، هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون (33) ) (التوبة).ولا شك أن خاصية العالمية توجب على حملة هذا الدين إبلاغ دعوته للعالمين؛ فكيف كانت طبيعة هذا البلاغ؟الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم - ومن ثم في نشر دعوتهم - هو السلم ما لم يطرأ ما يقيد هذا الأصل، وقد أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون أن يدعوا إلى سبيل ربهم بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن يجادلوا بالتي هي أحسن: ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين (125)) (النحل)، وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا (29)) (الكهف)، فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين (82)) (النحل)، (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم (256)) (البقرة)، (لكم دينكم ولي دين (6)) (الكافرون).وقد سار النبي - صلى الله عليه وسلم - وصحبه على هذا النهج في دعوتهم، وأحداث التاريخ تبرهن عمليا - بوضوح - على هذا ، فحينما بدأ الرسول - صلى الله عليه وسلم - دعوته بمكة وحيدا، لا قوة تسنده ولا مال يعينه، دخل في دعوته مجموعة من وجوه الناس كأبي بكر وعثمان وسعد بن أبي وقاص وطلحة والزبير، ثم لحقهم عمر بن الخطاب وحمزة بن عبد المطلب رضي الله عنهم، فهل يمكن القول بأن هؤلاء في تلك الظروف قد أكرهوا على اعتناق الإسلام تحت حد السيف؟!بل إن مشركي قريش قد اضطهدوا المسلمين طيلة الفترة المكية اضطهادا قاسيا، فهؤلاء إذن - على حد قول العقاد في كتابه "عبقرية محمد" - هم من تعرضوا بإسلامهم لحد السيف، أي أنهم لم يخضعوا أحدا للسيف ليسلم. ففي الوقت الذي كان المسلمون فيه بمكة مستضعفين، كان بعض رجالات يثرب يسعون نحو الدعوة المطاردة ونبيها - المحاصر من المشركين المعاند بكل وسيلة من قبلهم فيعتنقونها ويتبعونه، ويجذبون نحو عقيدتهم الجديدة أهلهم وذويهم. فمن أكره هؤلاء السادة الأحرار على اعتناق هذه العقيدة؟!يذكر التاريخ أن المسلمين قبل الهجرة لم يؤذن لهم بقتال ودفاع عن النفس، مع كل صنوف الأذى والعذاب التي نزلت بهم، وكانوا كلما همت نفوسهم لرد الظلم وتطلعوا للقصاص من الظالمين، دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم، بل أمرهم بالاستمساك بالصبر وانتظار أمر الله مذكرا أنه لم يؤمر بقتال، فلما أسرف أهل الكفر في عنادهم ولجوا [3] في طغيانهم، والجئوا المسلمين إلى الهجرة مفارقين الولد والأهل والمال والوطن، ووضع الخطط للقضاء على الدعوة في مهجرها، وعلى الدولة الوليدة الناشئة في مهدها - عندئذ شرع القتال للدفاع عن النفس، والذود عن الحياض والذب عن الحرمات. قال عز وجل: (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير (39)) (الحج).وعند إمعان النظر في هذه الآية يستشعر المتأمل أن الإسلام لم يرغب في القتال كغاية في حد ذاته؛ فقد بني الفعل "أذن" للمجهول لكيلا يقترن الإذن بالقتال بلفظ الجلالة مباشرة عند بنائه للمعلوم، وحذف أيضا نائب الفاعل المأذون به، وهو لفظة القتال حتى لا يذكر صراحة، وذكر بدلا منه سبب الإذن بأنهم ظلموا " وفسرت المظلومية في الآية التالية: الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز (40)) (الحج). ثم نزلت آية أخرى أكثر صراحة في الإذن بالقتال وهي قوله عز وجل: وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين (190)) (البقرة).وألح القرآن من جديد على تحريم الحرب العدوانية، فحرم على المسلمين محاربة من لم يحاربهم ولم يعتد عليهم: إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق أو جاءوكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا (90)) (النساء).وحتى لا تبقى زيادة المستزيد - على حد قول المفكر الألماني المسلم مراد هوفمان - نجد القرآن يستوصي خيرا بالمسالمين للمسلمين من غيرهم : لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين ((8)) (الممتحنة)، هذا هو السياق الطبيعي الحقيقي للآيات المذكورة، الذي يبتر عند المغالطين، وتستل منه هذه الآيات وأشباهها لتستنطق بغير ما تنطق به فعلا [4].ومع كل هذه الضجة حول رفعه - صلى الله عليه وسلم - السيف وخوضه الغزوات، فإن المتأمل للآثار الناجمة عن هذا القتال وأعداد ضحاياه يتبين مدى ضالة هذه الآثار قياسا إلى الحروب الطاحنة في تاريخ الأديان الأخرى وهذا ما يوضحه الجدول الآتي: وما غضب إلا الله وحده، وما استعمل السيف إلا في حينهفتحت بالسيف بعد الفتح بالقلمهذه المفارقة الواضحة بين حقيقة استعمال السيف في الإسلام، وبين ادعاءات المغرضين، لا يستطيع الباطل أن يجتاحه بسهولة، ولا أن ينال منه بيسر، بل نستطيع أن نقول: لقد كان هذا الباطل يزأر في عرصات [6] الدنيا دون تهيب، ويزعج الآمنين في كل قطر دون وجل [7]، فلما ظهر الإسلام واشتبك الباطل معه - على عادته - عاد من هجومه مقصوم الظهر مخضوب الكف، وأن الحكم في رحابه جعله صلب العود. نعم هو كذلك، وما عيب السيف إذا رد المعتدين؟ وما عيب الصلابة في الحق إذا استعصت على الفتانين؟! إن السؤال الذي يجب أن تتحدد الإجابة عنه هو: هل كان الحكم في الإسلام أساسا لفتنة غير المسلمين عن دينهم؟ هل كانت الدولة في خدمة الدعوة من حيث استغلال أجهزتها للفتنة والإعنات [8]؟ومع ذلك فقد استغل الرسول - صلى الله عليه وسلم - هدنة صلح الحديبية ليعود بأمر الدعوة إلى أصله - وهو السلم - فراسل زعماء الأرض، وأرسل الكتب والرسائل، ولم يبعث الجيوش والكتائب ابتداء، فقبله لم تكن هناك أمة عربية ذات لحمة متماسكة، هان أمرها على نفسها فهانت على القوى الكبيرة في العالم آنذاك كفارس والروم؛ فلم يقيموا لها حسابا، فلما جاءها الإسلام ودانت غالبيتها به وتأسست دولة قوية وحدت ديارها داخل شبه الجزيرة، وفوجئ كسرى وقيصر بجرأة النبي صلى الله عليه وسلم - وإقدامه على مراسلتهما - مع غيرهما من الزعماء والملوك - يدعوهما للدخول في دينه ومعهما قومهما، استشعرا لأول مرة الخطر من جهة بلاد العرب. فالرسول فيها سمح يدعو ولا يتهدد، ويتلطف ولا يتوعد، ويخاطب من وجهت إليهم بألقابهم مقرا بسلطانهم في ظل الإسلام، وآمن بالله ورسوله، فإني رسول الله إلى الناس كافة؛ وليحق القول على الكافرين. أسلم تسلم،ورسالته للمقوقس بمصر: "من محمد رسول الله إلى المقوقس عظيم القبط، أما بعد فإني أدعوك للإسلام، فأسلم تسلم، وإن يسلم قومك يؤتك الله أجرك مرتين: (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون (64)) (آل عمران) "[9].وعلى الرغم كذلك من سماحة الخطاب ووقار الكتاب - نقول: على الرغم مما سبق كله فإن ردود الفعل على هذه المراسلات قد جاءت متباينة؛ فمنهم من رد ردا حسنا وآمن كملوك اليمن وعمان ومنهم من تلطف في الرد وتوقف في الإيمان كالمقوقس بمصر، لأن الروم تجيشت بها بعد فتح الشام وهددت مكانة المسلمين فيها - ولو كان المقصود نشر الإسلام بالقوة لهاجموا بلاد الحبشة؛ فهي أقرب إليهم، ومنهم من أغلظ في الرد ومزق كتاب رسول الله، فدعا عليه بتمزيق ملكه، وهو كسرى فارس ومنهم من زاد فقتل رسول رسول الله، وهو أمير غساني موال للروم.إذن فقد جاهر الصنفان الأخيران بالعداوة، وصارا طواغيت أعاقت انتشار الدعوة سلما، لا لإجبار الناس على قبول الدعوة ولكن لإزاحة العوائق من مجرى نهر الدعوة؛ لينساب انسيابا طبيعيا، وتختار الشعوب المستضعفة لنفسها دون خوف تحت شعار "لا إكراه في الدين".الجهاد زمن الراشدينمن هنا استؤنف الجهاد وانطلقت موجة الفتح الإسلامي زمن الراشدين نحو جبهتي فارس والروم، فلما أبيوكانت تجمعات الروم تجول على حدود دولة المسلمين بشكل مستمر، والمسلمون يتوقعون هجومها في أية لحظة، يؤكد ذلك أن صحابيا طرق باب عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وهو نائم ذات ليلة فهب من نومه مذعورا وهو يهتف أجاءت غسان؟! - حلفاء الروم - وكذلك تحرش بهم الفرس.على أن هذه الحروب لم تكن ضد الشعوب وإنما ضد الطواغيت من القياصرة والأكاسرة وجيوشهم، وحين أزيحت هذه الحواجز فكرت هذه الشعوب في الإسلام وأقبلت عليه تتفيأ [10] ظلال الحرية في كنفه [11]؛ فحركة الفكر الإسلامي إذن كانت بمثابة حركة تحرير لصالح الشعوب المستعمرة المستضعفة،