حلقة أولى) نقدِّر مسبقاً أبرز التحفظات ضد هذا المقال. وسقوط القيم جميعاً. ونؤكد من جهتنا مسبقاً: أننا لهذه الأسباب بالذات نكتب هذه السطور. وها إني أؤكد أني عشت هذه المرحلة، وأردتُ فعل هذا العمل بكل جوارحي ". وقواعد داخلية! وقد أفضت هذه المشاريع للخراب، فقد دأب هؤلاء على تسفيه قضية الثقافة " هذه المرَّة "تحت قوة البريق الوقتي للشعارات التي أطلقها (الربيع العربي ). الذي سارعوا لأسطرته جرياً على عادتهم مع الشعارات الأخرى جميعاً. ويبتلع معها أيضاً جميع المشكلات المتراكمة المعقدة مع أسبابها وتداعياتها اللاحقة. كما سنبين بعد قليل. ووضع مجتمعنا على طريق التغيير الديموقراطي الذي لا يسيءُ لقضيته بل يحقق احترامهُ ويقدم (شيئاً جديداً) ينفعُ مستقبلهُ والبشرية؟ نقول عوضاً عن كل هذا، سوف نجد أنَّ عداء هؤلاء يزدادُ حدَّة واحتداداً ضدَّ الثقافة وأسئلتها هذه جميعاً. والملفت أن يحدث هذا مع تعاظم الويلات والأكلاف الجسيمة التي أبعدتهم عن تحقيق هدفهم المعلن (وهو إسقاط النظام). كما يتبين أن القوى الإقليمية والدولية لم تطلق وعود التدخل الوشيك في الشأن السوري ثم نكثت عنها لهذا السبب أو ذاك. لكن على طريقتها وأجنداتها الخاصة، بل تشكل برنامجاً متكاملاً معدّا بعناية وتجهيز قلَّ نظيره لتحويل سورية إلى مقبرة لنفسها، والربيع العربي معاً!! وإلى مجرَّد حلقة في مسلسل العبودية الطويل. وعلى رأسها الأنظمة الديكتاتورية التي ورثناها من عقود سابقة، ونحنُ لا نقلل على الإطلاق من وخامة نتائج بهذا الحجم، وتطاولها على الآخرين. أي أنَّ هذه المشكلات ونتائجها الوخيمة جميعاً ناشئة عن تغييب الثقافة، والتقدم. والكرامة الإنسانية! !ـــ عليه نجزمُ أن توضيح الخيط المشترك لعيوب المرحلتين السابقة والحاضرة، يمثل أساساً ضرورياً لتحاشي المزيد من العواقب الوخيمة ومواجهة الأسباب الحقيقة التي منعت وما تزال خروج شعوبنا من نفق العبودية الطويل. وهذه الأسباب تتمثل في عدم إمساك الجماعات المتنطحة للتغيير بمشروع ثقافي تنويري يعبر عن استحقاقات الأزمنة وحاجة شعوبنا الملحة للحرية والحداثة والمواطنة والعقلانية والدولة المدنية الديموقراطية الحديثة! ! وفي نفس الوقت تشكل مرجعيةً قيمية توجهها جميعاً. وتشكل هدفاً إيجابياً وضرورةً داخلية منشودةً لذاتها تتطلبها الحياة وحاجة الشعوب. وهي في نفس الوقت ضمانتها ومعيارها لمكافحة الطغيان وتحصينها ضد ألوانه وأقنعته على اختلافها!! وهو غياب يتعدى في الحقيقة حدود المرحلتين السابقة والحاضرة. ولا أدلَّ على هذا من تجربة (الثورة العربية الكبرى) التي حصرت أهدافها في إزاحة الحكم العثماني. ثم تبين أنها لم تعدو للأسف أن تكون (ثورة بريطانية أو صهيونية صغرى) ضمن مجمل الاستحقاقات الاستعمارية التي كانت تعمُّ الكوكب بأسره. وقبل هذا شهدنا كيف انكمشت تجربة محمد علي باشا وتجربته لمجرَّد عائلةٍ وراثيةٍ فاسدة في مصر. وهذا ما عبر عنه أحد المفكرين بالقول "أنَّ هذه الثورات وحركات التغيير جميعاً كانت للأسف ثورات ضدَّ الظالم. ـــ ومن جهتنا نؤكد أن هذا المسار التاريخي لم يخلو بالفعل حتى اللحظة من صفحاتٍ مضيئة. وأصواتٍ باهرة هنا وهناك، لكنها لم تعدُ للأسف أن تكون محطات وقتية وسط مسلسل طويل من الفساد والاستبداد. الذي لا يمكن فهمه بمعزل عن دلالته الحقيقية المتمثلة في هيمنة مركَّب عقلي وثقافي مختل ومفوَّت تاريخياً. وأنَّ تشخيص المشكلة على هذا النحو، يتطلب مسبقاً إزالة بعض المغالطات التي تسيء لغاية هذا الحديث. أو تصنيف البشر لمستويات تتفاوت قيمتها تبعاً لوضعها الثقافي، أو المس بأيٍّ كان بصفته الشخصية أو الأخلاقية. إلخ. وتعبر عن مستوى تطور الجماعة عموماً. ونظرتها لنفسها ومعتقداتها وعالمها !! الذي يستقل عن أحكام القيمة. في نفس الوقت فهو ينأى عن القداسة التي تمنع إخضاعهُ للنقد والبحث والمساءلة. لهذا فإن بحث هذا المجال ومشكلاته وإن اتصف بمظهر الصرامة، فهي لا تتعدى ما يقتضيه الأسلوب العلمي والأمانة الثقافية والأخلاقية. فكم بالأحرى أنماط التفكير والسلوك التي غالباً ما يحيطها البعض بهالة القداسة الكاذبة لأنها تتماهى بالنفوس والعقول، برغم ما يصيبها من التحجُّر وغالباً التأثير المدمر على خيارات الشعوب ومصائرها!!ـــ بناءً على هذا تتبين أية أهميةٍ ثقافية وأخلاقية، بما في هذا نزع أقنعة المحرم والمقدس عنه انطلاقاً من حاجة الشعوب واستحقاقات الأزمنة التي يتصدرها احترام القيمة الإنسانية دون منازع! ! بل إن هذا العمل شكَّل أساساً ملهماً لكافة المجتمعات التي شهدت نهضة حقيقية للخروج من العبودية ودخول العمل التاريخي. وهي الظن أن بحث مشكلتنا الثقافية يحمل أقل تفريط بقيمة التضحيات والمآثر التي سطرها مناضلون وقادة فكر (بما فيهم قادة أحزاب سياسية أيضاً) طيلة العقود السابقة. وهذه النظرة تتماشى مع طبيعة التاريخ نفسهُ بوصفه عملية ديالكتية أيضاً. وربما في أحشاء المستقبل أيضاً ! قضية الأنسنة ـــ لقد ذكرنا لمحة عن الخلفية التاريخية لمشكلة الثقافة، وهو غياب أي موروث أو قواعد للمدننة والحداثة والمواطنة والدولة المدنية في مجتمعاتنا. وأبرز مظاهر هذا الخداع الاختباء وراء شعار احترام قيمة الإنسان كهدف نهائي. إلخ. وفي نفس الوقت التنصل من مسؤولية هذا الشعار كمرجعية منهجية وقواعد ثابته لإدارة العمل السياسي وتوجيه الشأن العام وتحقيق التنمية البشرية معاً. أي إلى عقيدة شمولية تستمد القداسة من ذاتها, وتحل محل الكتلة الأصلية التي ظهرت تحت عباءتها. لهذا فهي سرعان ما تصبح مجرَّد قناعٍ مقدس للطغاة الذين يستبيحون من تحته كل ما تطاله أيديهم أو أقدامهم على السواء ! دون أن ننفي جوانبها الأخلاقية والفلسفية. انطلاقاً من اعتقادنا أنَّ هذه القيمة تشكل أصل الحقوق الأخرى جميعاً. وغالباً ما تعايشت هاتان المنظومتان، إلخ التي جرى حجبها جميعاً، أو تحت قناع العقيدة والشريعة والهوية والملَّة والعائلة المقدسة وسواها ؟! ــ والواقع أننا ما كنا لنبدي الاهتمام بهذه الأقنعة جميعاً، خصوصاً أنهم دائماً ما انحطوا بها إلى مستوى القمامة، قياساً لمجمل شرورهم وموبقاتهم الأخرى ! أي خارج حقلها الحقيقي الذي يخص حقوقاً أصلية تعود للناس جميعاً، ولا يماري فيها إلا أغبياء أو طغاة قرروا الانتحار. وهذه العملية لاتقتصر على إمسـاك أهداف غير مسبوقة فقط, بل في ميدان لا يملكه الطغيان أصلاً وهو ميدان القوة المعنوية والأخلاقية التي تلهم الشعوب وتلتف القوة الحية حولها لأنها تحمل الأوفر والأصوب والأعدل لمجتمعها وأجيالها القادمة! وإنه ما من مبرر واحد يسوغ التنصَل من هذه المسؤولية, خصوصاً تفكيك الأوهام و المغالطات الدينية والمذهبية والطائفية,