أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} ١. فالتشريع إما أن يكون وحيا إلهيا بالمعنى واللفظ، وإما أن يكون وحيا إليها بالمعنى دون اللفظ، ورسوله هو المبين لشرعه {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} ٣. وجعل حكمه عن إلهام منه {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} ٥ فلا شرع إلا ما شرع الله أو ما شرع رسوله، وبانتهاء حياة الرسول صلى الله عليه وسلم انتهى عهد التشريع. فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده، فانطلقت به خديجة حتى أتت ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزي -ابن عم خديجة- وكان امرأ تنصر في الجاهلية، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي أنزل الله على موسى، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وبه جزم ابن اسحاق، وعلى هذا فابتداء النبوة بالرؤيا وقع من شهر مولده وهو شهر ربيع الأول بعد إكماله أربعين سنة، ثم كان نزول سورة المدثر بعد فترة الوحي، لأن أول المدثر الأمر بالإنذار، أما أول المزمل فهو الأمر بقيام الليل وترتيل القرآن. وإنما يلتبس عليه التوفيق بين هذه الآيات والواقع التاريخي في نزول القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم منجما في أكثر من عشرين عاما فكيف تجتمع هذه الأعوام في شهر بل في ليلة؟!! وللعلماء في هذا التوفيق مذهبان٥: أما المذهب الأول ويتزعمه ابن عباس فيرى أن القرآن نزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من السماء الدنيا، وعلى هذا فلا تنافي بين الآيات والواقع، ثم نزل مفصلا بحسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة على رسول الله صلى الله عليه وسلم". وعلى هذا فالآيات الثلاث أخبرت عن بدء نزول القرآن لا عن نزوله كله. وأنت ترى من خلال هذين المذهبين أن مذهب ابن عباس لا يعطي لشهر رمضان مزية خاصة ذات صلة مباشرة بالأمة المحمدية؛ وقد ذهب ابن إسحاق إلى أنها ليلة السابع عشر من الشهر، وقال: إنه رواه ابن أبي شيبة والطبراني من حديث زيد بن أرقم. هذا بالنسبة إلى ابتداء نزول القرآن. أما بالنسبة إلى آخر ما نزل منه: أ- فقيل: آخر ما نزل آية الربا؛ ويجمع بين الروايات الثلاث بأن هذه الآيات نزلت دفعة واحدة كترتيبها في المصحف: آية الربا، فأخبر كل راوٍ عن بعض ما نزل بأنه آخر، وبهذا لا يقع التنافي بينها. وحمل هذا من البراء على أنه آخر ما نزل فيما يتعلق بالمواريث. وهذه الأقوال ليس فيها شيء مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن كلًّا منهم أخبر عن آخر ما سمعه من الرسول صلى الله عليه وسلم، أو آخر سورة نزلت كاملة. وقد ذكر الطبري في تأويل هذه الآية أنهم قالوا: لم ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية شيء من الفرائض، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعش بعد نزول هذه الآية إلا إحدى وثمانين ليلة٥. بعد ذلك في العام الحادي عشر للهجرة، وهو مقدر بما يقرب من ثلاث وعشرين سنة، كما أن التوراة أنزلت على موسى، لكونه جامعًا لثمرة كتبه، ومن كلام الراغب يتبين أن القرآن في الأصل مصدر قرأ يقرأ قراءة وقرآنا، وعرف بأنه: كلام الله الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، وقد نزل به جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بلسان عربي: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، فتحدى به رسول الله العرب وهم أرباب الفصاحة والبيان، {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} ٣. وحيث كانت البشرية في أطوار نموها الأولى لا يبهرها شيء كما تبهرها الخوارق الكونية الحسية التي لا مجال فيها للتفكير والنظر ناسب هذا أن يبعث كل رسول إلى قومه خاصة، ليتحقق بعجزهم عنها إيمانهم بأنها من قوة سماوية عليا فوق طاقة البشر. فحيث كان تأييد الله لرسله السابقين بآيات كونية تبهر الأبصار ولا سبيل للعقل في معارضتها، لأنه آية كونية لا قبل له بها، فيكون هذا اعترافا منه بأنه وحي الله إلى رسوله، ويهتدي إلى سبيل الرشاد، وهذا المعنى هو ما يشير إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: "ما من الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثله من آمن عليه البشر، حتى انتهى مصب جداول الفصاحة وإدارة الكلام بالبيان في لغة قريش التي نزل بها القرآن، ومثل هؤلاء مع توافر دواعي اللسان وقوة البيان التي يوقدها حماس القبيلة، فصار القرآن بهذا معجزا للإنسانية كافة، بكل ما يحمله لفظ الإعجاز من معنى. فهو معجز في ألفاظه وأسلوبه، وتكوين مجتمع مثالي تسعد الدنيا على يديه. واحتوى على الأمر الإلهي الصريح بوجوب اتباعه والعمل بما تضمنه من أحكام في غير موضع وبغير أسلوب واحد؛ وقال سبحانه: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ} ٥، وقال جلَّ شأنه: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ، قال أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن: عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لا يتجاوزونها حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل. وهكذا استمر حفظ المسلمين للقرآن في كل عصر، وتوارثت الأمة نقله بالكتابة على مر الدهور، وهذا سر خلود الشريعة وشمول قواعدها الكلية ومقاصدها العامة لما يحدث في الناس من أقضيات. أو لأنه يبنى على أسباب لا تختلف ولا تتغير بتغير الأزمنة والأمكنة، حتى يفتح مغاليق القلوب، فجعل القرآن ربيع قلوبهم، ولن يقبل الناس الشريعة إلا إذا صلحت عقيدتهم وآمنوا بالله عز وجل وبوحدانيته في ألوهيته وربوبيته، وإذا رسخت العقيدة في النفس أمكن بناء المجتمع الذي يلتزم في حياته شرع الله في علاقته بربه، وعلاقته بالإنسان، وإذا صح الإيمان بالله تبع ذلك الإيمان بملائكته وكتبه ورسله اليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره. والقرآن المكي بسورة وآياته يمثل هذا الاتجاه في إرشاد الناس إلى التفكير في الكون، والإيمان بأن هذا الكون سائر بتدبيره إلى الغاية التي حددها له سبحانه بعلمه وحكمته، أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ، وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ، وبيَّن لهم الأصول الكلية في الحلام والحرام أمرًا ونهيًا. فحرم وأد البنات وقتل النفس. إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ، وما دار بهذا المعنى {وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْط} ٢. كما ورد الأمر بالإنفاق والإحسان، وندد بما حرموه على أنفسهم وخصوا به آلهتهم، وأمر بالأكل مما ذكر اسم الله عليه. والتي نزل بها القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، ثم تبعها أشياء بالمدينة كملت بها تلك القواعد التي وضع أصلها في مكة، ودعمًا لأصول الدين التي جاءت بها الرسالات السماوية؛ وكانت اللبنة التي بدأ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم بناء هذا المجتمع الجديد أن آخى بين المهاجرين والأنصار، حيث كان الأنصاري يؤثر أخاه المهاجري على نفسه: {وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} ١. وقد اتجه التشريع المدني إلى مواجهة هذه العناصر بما يلائمها. بما فيه تحليل لنفسياتهم وبيان لمخاطرهم. وبيَّن ما يجب في المداينة من كتابة أو إشهاد، صيانة للحقوق الإنسانية العامة التي جاءت بها الملل جميعا. وتناول شئون القضاء والحكم بالعدل بين الناس، وخلاصة ذلك أن التشريع في المدينة أقام معالم حياة الأمة الإسلامية في جوانبها المختلفة، فأكمل الله بهذا الدين، فإن المدني يعتبر امتدادا للمكي حيث بني التشريع في المدينة على قواعد التوحيد وأصول الدين التي نزل بها الوحي في مكة. قال الشاطبي: "المدني من السور ينبغي أن يكون منزلا في الفهم على المكي، والدليل على ذلك أن معنى الخطاب المدني في الغالب مبني على المكي، كما أن المتأخر من كل واحد منهما مبني على متقدمه، فإنها نزلت مبينة لقواعد العقائد وأصول الدين، وإذا نظرت بالنظر المسوق في هذا الكتاب تبين به من قرب بيان القواعد الشرعية المكية التي إذا انخرم منها كل واحد، ثم لما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة كان أول ما نزل عليه سورة البقرة، وهي التي قررت قواعد التقوى المبنية على قواعد سورة الأنعام؛ فإنها بنيت على أقسام أفعال المكلفين جملتها، فغيرها من السور المدنية المتأخرة عنها مبني عليها، كما أن غير الأنعام من المكي المتأخر عنها مبني عليها،