إصلاح الأنهر والمساقى : وتلك الأنهر للكافة، إصلاح هذه الأنهر والترع منه . كأن تكون الدولة في ضائقة مالية وزادت نفقاتها على مواردها، وجسور النهر أو الترع تحتاج إلى التقوية، حتى لا يهلك الزرع والنسل، ناظرا لمنافعهم، ويعيد أن يفعل الناس ما عليهم طائعين، لأنه قلما ينفق العوام على مصالحهم مختارين، ولقد قال عمر رضى الله عنه : الو تركتم لبعتم أولادكم فكان من المصلحة والسياسة الشرعية إجبارهم. ويجبر الأغنياء الموسرين على دفع أجور من يعمل لأنه لاسخرة فى الإسلام، ومثل ذلك تجهيز بأنفسهم، ويكون كل قد أسهم في الجهاد : هؤلاء ۳۸ - وإذا كان النهر عملوكًا لواحد أو جماعة فإصلاحه على كل من له شرب فيه؛ فمتونة الإصلاح عليهم، لأن الغرم بالغنم، وقد غنموا منافعه، فحق عليهم الغرم في سبيله، ومن أبي منهم أجبر وإذا امتنع كل الشركاء في شرب مجرى مملوك لهم عن الإصلاح لا يجبرهم أحد، لأنهم أصحاب الحق فيه، والضرر اللاحق بهم يسبب من جانبهم، وهم أحرار ما دام الضرر لا يتجاوزهم إلى غيرهم. ٣٩ - ولتوزيع تكاليف الإصلاح على الشركاء في شرب خاص طريقتان : إحداهما طريقة أبي حنيفة رضى الله عنه، فإذا أصلح هذا الجزء وانتقل الإصلاح إلى غيره، والشخص لا ينتفع من المجرى إلا بالجزء الذي يقابل أرضه، ولا ينتفع من المجرى بما هو أسفل من أرضه وعلى ذلك لا يكون عليه من مئونة إصلاح الأسفل شيء مطلقا . وهم في ذلك سواء لا تمييز الصاحب الأرض العليا على لان كل واحد منهم ينتفع بالمجرى كله أعلاه وأسفله، فاض الماء إلى أرضه، وهذا وجه خطير من أوجه انتفاع الأعلى بأسفل المجرى، فكان عليه من إصلاحه قدر معلوم، ولذا يكون الجميع سواء، وتثمر الأشجار، وحق الشفة يجيء بالتبع، لا بالقصد الأول، والإصلاح إنما يكون على من ينالون النفع المقصود، لا النفع التبعى. ولأن من لهم حق الشفة لا يحصون عدداً ولا طريقة لعدهم، ولا مئونة على من لا يحصون لان وجوبها إنما يكون على أشخاص معينين بالذات. حق المسيل : ٤١ - حق المسيل، هو حق مرور المياه غير الصالحة أو الزائدة عن الحاجة من ملك الغير، (ب) ويعتبر من حق المسيل حق مرور المياه المشتملة على فضلات البيوت فى المجارى العامة، لأن ذلك من تسبيل الماء غير الصالح . وإذا ثبت حق المسيل لعقار على عقار آخر استمر ثابتا حتى يسقطه صاحب العقار المرتفق، وإذا سقط لا يعود كسائر حقوق الارتفاق لما هو مقرر من القواعد الفقهية، وهو أن الساقط لا يعود، أو من خربة إلى عامرة. وإذا حصل خلل في المسيل الخاص فإصلاحه على من لهم حق المسيل فيه، لأنهم المنتفعون فعليهم الإصلاح، وإما أن وإذا أهمل صاحب حق المسيل المسيل، وصار مصدر أذى وضرر لغيره ويميط الأذى. وقد يكون غير مملوك له، ويكون له حق المرور فيه. وحق المرور من الطريق العام ثابت لكل إنسان، ومقرر لكل عقار متصل به بإطلاق، ولكل صاحب عقار متصل به أن يفتح بابا لعقاره فيه من غير قيد ولا شرط أيضا، وذلك لأن الطريق قد خصص المنفعة الكافة، فليس لأحد حق فيه أكثر من الآخرين، وليس لأحد فيه حق على جهة الخصوص، وإذا كان كذلك فلا يمنع من الارتفاق به أحد مادام يرتفق فى الدائرة التي خصص لها الطريق. ولان الطريق العام قد رصد الارتفاق العموم لم يصح لأحد أن يحدث فيه دكانا أو ظلة أو حرصنا (1) إذا ترتب على ذلك ضرر بالعامة، ولذا قال شمس الأئمة وإن كان الإحداث يضر بأهل الطريق، فليس له أن يحدث ذلك، لا يضر بأحد لسعة الطريق جار له إحداثه فيه ماتم يمنع منه، لأن الانتفاع في الطريق بالمرور فيه من غير أن يضر بأحد جائز، فكذلك كل ما هو مثله فيلحق به وهذا نظير من عليه الدين، فإنه لا يسعه التاخير إذا طالبه صاحبه، وعلى هذا القعود في الطريق للبيع والشراء يجوز إن وإن أصر لم يجزء ومن هذا النص يفهم أن الرجل له أن يحدث في الطريق ما لم يضر بالمرور فيه وما لم يمنع منه، وضرب لنا مثلا بالمدين إذا لم يطالب، ولكن من الذى له أن يمنعه ويعترض على تصرفه، ويخاصمه فيه ؟ قال أبو حنيفة : لكل أحد من الناس أن يمنعه من الوضع، وأن يكلفه رفع ما وضعه إن كان قد وضع شيئًا، سواء أكان فيه ضرر أم لم يكن إذا وضع بغير إذن الإمام لأنه يكون في هذه الحال قد افتات على الإمام واعتدى على ولى الأمر، لأن تدبير الأمور التي تتعلق بالكافة وإجازة غير الضار، ومنع الضار لولى الأمر وحده، ان یہ میرا فإذا وضع ما ليس فيه ضرر بأحد ليس لكل واحد منعه، ولو وضع بغير إذن الإمام، فكان لكل واحد منعه من هذا الوضع قبل أن تكون له يد خاصة . دک وقال محمد : ليس لكل واحد منعه لا قبل الوضع ولا بعده، سواء أذن الا وما دام الفعل مأذونا فيه شرعاً، فليس لأحد منعه؛ لأنه إذا كان المنع غير سائغ عند إذن ولى الأمر، فبالأولى يكون غير سائغ عند إذن في وأسدها نظراً، لأنه لم ويتولى المنع جمهور المسلمين وأهل الحسبة، ليكون ثمة تعاون على تنظيم الأمور، وما قاله محمد رضى الله عنه قائم على أساس أنه لا ضرره فهو مأذون فيه شرعاً. وذلك كلام فيه نظر (۱) لأنه لا يعلم أن فيه ضرراً أو لا إلا وليس هوى المرتفق (۲) ولأن إذن الشارع فى الانتفاع إنما هو بالمرور فقط برصد ولى الأمر هذا العقار للطريق العام، فاستعماله لغير المرور استعمال في غير ما خصص له، ويحتاج الانتفاع بغيره إلى إذن جديد من ولى الأمر ليسوغ هذا الاستعمال، حتى يأذن الإمام. لأن اليد الخاصة التي أثبتها الوضع ليست يداً محترمة بل هى يد باطلة، لأن الشخص ارتفق بشيء في غير ما خصص له ما دام الإمام لم يأذن واليد الباطلة لذوى الشأن إزالتها، وكل الناس في هذا ذوو شأن (1) . ٤٣ - أما الطريق الخاص، وهو ما كان بين جماعة مخصوصین فالارتفاق به فلهم وحدهم حق فتح الأبواب فيه، وليس لأحد سواهم أن يفتح باب عقاره فيه، إذا كان باب عقاره في طريق آخر، إلا بإذن منهم، أو وجود قدم لا يعرف الجيران أوله، لا يسقطه حقه، بل له ولمن يملك العقار من بعده أن يعيد فتح ذلك الباب الذي كان قد أقفله صاحبه (۲). ومع أن فتح الأبواب على الطريق الخاص لا يكون إلا بإذن أهله أو وجود فيهذا كان للكافة ارتفاق بهذا المعنى، لأنه كالملك المشترك بينهم، فليس لأحدهم أن يحدث فيه شيئًا إلا بإذنهم جميعا، وبهذا الاعتبار تجب الشفعة بينهم والتصرف فى الملك المشترك لا يجوز إلا باتفاق الشركاء، ما دام ذلك التصرف على غير الارتفاق الخاص الذي أوجدته هذه الشركة. وهو حق مرورهم عندما تزدحم الطرق، وتضيق بالسير فيها الأمر عارض أو بشكل دائم ولهذا الحق احترامه ووجوب مراعاته، وذلك لا يجوز، ويسدوا رأس السكة؛ لأن مثل هذه، إذ الطريق الأعظم إذا كثر الناس فيه كان لهم أن يدخلوا هذه السكة حتى يخف الزحام . كما انتقلت تابعة للعقار، ويوصى بالانتفاع بعينه ولا يباع ولا يوهب والفرق أن الورثة خلفاء الميت، وهذا التعليل بالنسبة للميراث ينطبق تمام الانطباق على سائر حقوق الارتفاق، لأن الإرث لا يقف على الملك لا محالة. كما يثبت في الملك كخيار العيب ونحوه. وهذا أيضا يسرى في سائر حقوق الارتفاق كما سرى فى البيع، وترى مثل هذه النصوص في الكتب الفقهية التي تعنى بالتعليل، ورد المسائل إلى أصولها، والأحكام إلى أسبابها، كالهداية وغيرها من أمهات كتب المذهب، وما تقتضيه من مساواة كل حقوق الارتفاق بالنسبة للميراث. ويصح أن يوصى بمنافع الشرب المملوكة رقبته للموصى، ويكون ذلك من باب الوصية بالمنافع، وخالف في ذلك ابن أبي ليلى على نحو ما علمت ولأنه وصية بالانتفاع صار كالوصية بالسكني، ولكن مدة حياته فقط لأنه ملك منفعة في هذه الحالة، ولذا جاء في البدائع ما نصه : ويوصى به أى الشرب) حتى لو أوصى لرجل أن يسقى أرضه مدة معلومة من شربه جازت الوصية، وتعتبر من الثلث لأن الوصية، وإن كانت تمليكا، فأشبه الميراث، وإذا مات الموصى له تبطل الوصية حتى لا تصير ميرانا الورثة الموصى له لأن الشرب ليس بعين مال بل هو حق مالي وشبه الخدمة. ولو أوصى أن يتصدق بالشرب على المساكين لم يصح، لأنه لما لم يحتمل التمليك بالتصدق استوى فيه الحال والإضافة إلى ما بعد الموت بالوصية ومن هذا يفهم أن الوصية بمنافع الشرب المملوكة رقبته جازت لأنها وصية بالمنافع، إذ يقول: هو شبه الخدمة، وفيه كل خواص الوصية بالمنافع، بل من قبيل الانتفاع الشخصي، بل هو حق شخصى له، ينتهى بموته ولا ينتقل إلى غيره، ولهذا لا نستطيع أن نقول إنه بسبب تلك الوصية يكون له حق ارتفاق على شرب الموصى بل له حق انتفاع فيه . ٤٥ - وقد اتفق الفقهاء على جواز بيع رقبة الشرب، والطريق، لاجهالة فيه ولاغرر، فجاز بیعه صحيحاً مستوفيا الأركان والشروط، وأما المسيل فلا يجوز بيع رقبته إذا كان مقدار ما يسيل فيه الماء غير معين للجهالة وللغرر، فلا مانع من بيعه، ومثل البيع في هذا كله العقود التي من شأنها نقل الملكية، لأن التصرفات الواردة على الرقبة لا تعدو التصرف في عقار مملوك ملكا خاصاً، وأما بيع حق الشرب والطريق والمسيل منفردًا، فالمسيل باتفاق الروايات فى مذهب أبي حنيفة لا يصح بيعه منفرداً عن العقار، ولان بيعها مع ما فيها من جهالة المقدار الارتفاق عقد على مجهول، فلا يصح، فقد اختلفت الروايات فيه في مذهب أبي حنيفة ففى ظاهر الرواية أنه لا يصح للأسباب التي ذكرنا في عدم صحة بيع المسيل منفرداً إذ هي قائمة هنا في حق الشرب، وذلك كلام معقول، وبهذه الرواية أخذ أهل بلخ، ولاشك أن العرف يجيز مخالفة القياس والقواعد الفقهية، لأن ما رأه المسلمون حسنا، ولأنه مقدار من الماء منتفع به ولو أنه غير معلوم، فجاز ورود العقد عليه، وهو بهذا يفترق عن حق المسيل والمرور، ولذا جاز ضمانه عند بعض الفقهاء وفى بعض الروايات ففى رواية فخر الإسلام البزدوي أن حق الشرب يضمن بأن يضمن أن يسقى الشخص في نوبته ودوره وأهل الرأى الأول يردون كل هذا فينكرون أن يكون تعامل أهل مدينة موعاً المخالفة القياس إنما العرف المسوغ المخالفة القياس هو عرف جميع الناس أو المسلمين حتى يكون قريبا من الإجماع كالحال في الاستصناع والسلم والإجارة في نظر الحنفية . وكون الشرب يضمن عند بعض العلماء لا يكون حجة ملزمة لمن لا يرى رأيهم إنما الإلزام بالالتزام والالتزام بالرأى بقبول نتائجه ممن براء، وهو جواز البيع منفرداً من رأى الضمان، وأما الحكم بأنه مقدار من الماء فكلام غير منتج وغير مسوغ للبيع، والبيع لا يرد على غير معلوم وثانيا ليس بمملوك لصاحب الشرب، لأن الماء الذى يجرى جريا متتابعاً لا يعتبر مملوكا لأحد على ما قررنا، وبيع ما لا يملك لا يصح الا ترى أنه مباح بدليل تعلق حق الشفة به بلا إذن مالك المجرى، والمباح لا يكون محلا للعقود قبل إحراره، ولذلك كله كان الراجح عند فقهاء الحنفية عدم صحة البيع منفرداً، ولكن لو تعارف الناس جميعاً جواز البيع منفرداً لساغ، ورواية ظاهر الرواية بالمنع، وهو الراجح لما ذكرنا من الأسباب السابقة في حق المسيل، ووجهة الرواية المجيزة أن حق المرور معلوم لتعلقه بمحل معلوم محدود ولكن ذلك لا يدفع له ليس كمال مستقوم في نظر الحنفية، والعقد لا يجوز فى غير المتقوم، لأنه لا يصلح محلا للعقود على ما أسلفنا. وإننا نقول فيه ما قلناه في الشرب إنه إن وجد عرف الناس لوغنا البيع، ولرجحنا الرواية الأولى. فهية حقوق الارتفاق منفردة لا تجوز كما أن بيعها منفردة لا يجوز في الجملة. ٤٦ - وما ذكرناه كله إنما هو في بيع حقوق الارتفاق منفردة أما بيعها تابعة للعقار المرتفق بها فجائز باتفاق، وذلك لأنه يثبت للشيء تبعا ما لا يثبت له مقصوداً، وكأطراف الحيوان لا ينعقد عليها بيع وهو حى، ولكن يثبت عليها البيع وهي أجزاء فيه، ولكن يدخل في ضمن عقود التمليكات ويزيد في قيمة أمه. قد تجاوز الحساب والإحصاء. وبعضها لا تدخل فيه إلا بنص عليها، فأما الأولى فهى العقود التي يكون من مقتضاها تمليك المنفعة تمليكا مقصوداً بالذات كالإجارة والوقف والوصية بالمنافع، وأما الثانية فالعقود التي مقتضاها تمليك العين تمليكاً مقصوداً، مثل البيع والهبة، والوصية بتمليك الأعيان، وجعل العقار بدل خلع أو بدل صلح أو نحو ذلك. وإنما كان لابد من ذكر هذه الحقوق والمرافق، لأن هذه العقود المقصود بها قصداً أوليا تمليك الرقبة، وتمليك الرقبة فى ذاته لا يحتاج إلى هذه الحقوق، لأنها مرافق الانتفاع، لذلك كانت لا تدخل في البيع من غير نص عليها، وقد قال الزيلعي في هذا المقام في شرحه للكنز إن الأشياء أى حقوق الارتفاق تابعة من وأصل من وجه من إنها يتصور وجودها دون المبيع، وقد يشترى الطريق بعدما اشترى المبيع. وأما العقود التي يكون الانتفاع فيها هو الغرض المقصود فحقوق الارتفاق فيها تابعة للعقار وممحضة فيها للتبعية له، لأن الانتفاع لا يكون إلا بحقوق الارتفاق فكأنها قد دل عليها بطريق التضمن والاقتضاء، وكأن العقد مشتمل عليها من غير نص يشملها، ولذا لو نص فى عقد الإجارة على استثناء حقوق الارتفاق بطل العقد، لأن المنفعة - وهي المعقود عليها فيه - تكون غير متحققة وغير ثابتة، ويكون قد عقد على أمر غير قابل للوجود، فلا يصح. ٤٧ - اعتبر القانون المدنى حقوق الجوار من ضمن حقوق الارتفاق، فاعتبر فتح المطلات، وحق العلو والسفل، وأحكام الجدار المشترك بين جارين اعتبر كل هذا من أحكام الارتفاق. وهو من نوع الشركة في العين التي تعلق بها الارتفاق، فإذا كان لعقار حق الشرب من مجرى يجرى في عقار آخر كان بين صاحبي العقارين شركة فى حق الشرب،