سقراط (٤٦٩ - ٣٩٩ ق. م). أحد أعظم الشخصيات البارزة الذين حققوا شهرة بعيدة في التاريخ الفكري للبشرية. فلأكثر من ألفين وخمسمئة سنة دائماً هناك طوق من المجد حول اسمه وهالة من الألغاز تحيط بشخصيته. كتب ماركس الفتى واصفاً سقراط بـ«صانع الفلسفة اليونانية» و«الرجل الحكيم، ولكن بعد الطريقة الذاتية، بل صورة إنسان اجتماعي). ولد سقراط في أسرة مثال أو نحات حجارة أثيني هو سوفرونيكوس وقابلة اسمها فيناريت، وهذه الأخيرة هي التي قدمت له العذر لأن طريقته في التعليل الديالكتيكي والتساؤلية، أو القابلة الفكرية التي تساعد الناس الذين يحاورونه على توليد أفكارهم إن كانت موجودة لديهم. ويقول أرسطو أن اهتمام سقراط بالقضايا الإنسانية ظهر عندما رأى الشعار الشهير «اعرف نفسك، في معبد أبولو في دلفي. وكان تأثيره في سقراط عظيماً أنه تخلى عن العلم الطبيعي وأخذ بالفلسفة الأخلاقية وقد أعتبر هذا الحادث فيما بعد منعطفاً في حياته. بل وصل الأمر بسقراط أنه رأى كل أبحاثه اللاحقة في طبيعة الإنسان خدمة لأبولو، حيث سمته نبوءة دلفية - كما تذكر ليجندة واسعة الانتشار ـ أحكم الناس. م) وأمفيبوليس (٤٢٢ ق. م). في هذه الحملات العسكرية الثلاث (عشية وأثناء الحرب البلبونيزية) تميز بشجاعته وجلده. في شهادة لسقراط نفسه يقول أن ملاكه الحارس أو صوته الداخلي منعه من المشاركة في السياسة. وذلك لا يعني أنه كان غير مبال بشؤون المدينة أو بواجباته كمواطن. أنفق كل حياته في مناقشة القضايا الفلسفية والأخلاقية والسياسية. ومع أن سقراط لم يشارك في نقاشات الجمعية الشعبية لانشغاله في الأحاديث الفردية، فقدكان تأثيره في الشؤون العامة بارزاً نظراً لرده على كل منعطف في الحياة السياسية المعاصرة، فأبدى اهتماماً كبيراً بعيوب الديمقراطية الأثينية، واقترح طرائق لاصلاح هذه العيوب وأظهر اهتماماً حماسياً في كل القضايا النظرية الكبرى للدولة والسياسة والقانون والعدالة في الواجبات العامة للمواطنين. م) لمحاكمة الضباط الاثينيين في المجلس (بولي) رفض، في وجه الصخب الشعبي، أن ينصاع للتهديدات وأن يدعم القرار غير الشرعي لأعضائه في محاكمة المتهمين ككتلة واحدة بدلاً من اعتبار قضاياهم منفصلة. أعدم الضباط أخيراً بعد إدانتهم برفع الأيدي في الجمعية خلافاً للقانون. لقد أثبت سقراط أنه العضو الوحيد في المجلس الذي دافع حقوقياً عن الشرعية حتى النهاية وظل وفياً لمبادئه. ومما هو جدير بالذكر أن الأثينيين بعد إعدام الضباط مباشرة ندموا لما اقترفوه وطالبوا بمحاسبة مطلقي التهم المتحمسين لخداعهم الشعب. كما أظهر سقراط شجاعة كبيرة أثناء حكم الطغاة الثلاثين برئاسة كرتياس. فقد حظر الحكام دروسه وأمروه أن يشارك في اعتقال المواطنين غير المرغوب فيهم بغية توريطه معهم في جرائمهم (عملياً راح الأليغارشيون يلاحقون من يريدون الاستيلاء على أملاكه). رفض سقراط صراحة أن يطيع أوامر الحكام الجدد، ولم ينجه من انتقامهم إلا عودة الديمقراطية اشتهر عن سقراط أنه كان معارضاً حازماً للممارسة التي أدخلها السفسطائيون في تلقي لقد اعتقد أنهم بعملهم هذا حرموا أنفسهم من حرية التحادث أولئك الذين يحبون، بل سمى فنهم هذا دعارة على أساس أن بيع الفكر ليس أفضل دائماً يعطي دروسه مجاناً، أن ظروف عائلته كانت حرجة للغاية، مع من بيع الجسد. كان مع في عام 399 ق. م أحضره قادة الديمقراطية الذين عادوا من جديد إلى السلطة ليحاكموه بتهمة عدم التقوى وإفساد الشبان. وقد جاء في التهمة وسقراط مذنب لرفضه الإعتراف بالآلهة التي تعترف بها الدولة ولإدخاله آلهة أخرى جديدة، والعقوبة المطلوبة هي الموت» (ديوجين لايرتوس ٢، ٤٠). أصدرت المحكمة الأثينية المؤلفة من 501 عليه عقوبة الموت بأغلبية 80 صوتاً. إن سقراط الذي ظل مطيعاً لقوانين المدينة ومستنكراً لمبدأ والظلم بالظلم، رفض قبول خطة أصدقائه لتهريبه خارج المدينة في الوقت المحدد لشرب كأس السم (الشوكران). لم يضع سقراط أبدأ أفكاره على شكل كتابة، بل شرحها في أحاديثه مع أصدقائه معا وخصومه. وقام يصف هذه الأحاديث وصفاً تفصيلياً كل من أفلاطون وزينوفون وأرسطو وتشتمل على جوهر فلسفته الأخلاقية وتقدم مفتاحاً لنظريته في الدولة والقانون والسياسة. وإذ رفض النسبية الأخلاقية والابستمولوجية والنزعة الذاتية للسفسطائيين مع تمجيدهم للقوة الساحقة التي لاتقاوم، أكد الصحة الموضوعية للمقاييس الأخلاقية والقوانين والمبادىء السياسية وسعى إلى تقديم شرح عقلي لها بلغة منطقية. الأخلاق في رأي سقراط سياسة والسياسة أخلاق. وأرقى الفضائل هو فن السياسة أو الفن الذي يشتمل على إدارة الدولة ويجعل الناس سياسيين صالحين، هذه الفضيلة العليا أو والفن الملكي، كما يسميه سقراط، يؤمن النجاح في كل شؤون العامة والشؤون الفردية، كما يتضمن مهارة في الإدارة ويقوم على المعرفة. وترتبط مهارة رب المنزل الصالح بمهارة الموظف العام، فالسابق يستطيع بسهولة تحويل واجباته إلى الأخير: والفرق الوحيد بين إدارة الأسرة وإدارة الدولة هو أن العدد أكبر أو أقل فقط، فمن كل الجوانب هناك تطابق بينهما، (زينوفون والأفكار الكبرى لسقراط . فالمرء لايستطيع أن يديرها إن لم يعرف كيف بيني البيت الواحد. ومن جهة أخرى، يأمر جيشاً، يحكم دولة. ويؤكد الروابط والوحدة الوثيقة للفنون المختلفة ولكنه لا يهمل نوعيتها. فهو يعي تماماً أن المهارات والمعرفة التي يحتاجها مثلاً مدير منزل أو جنرال أو ربان أو سياسي مختلفة عن حيث الأساس، فالهجوم الأكبر لحجته هو ضد خلط فضيلة كهذه بالمهارات التقنية والحرفة الجيدة عند النجار والإسكافي والطبيب وعازف المزمار. مثل الفضيلة بشكل عام، وقال إنالعدالة وأي فضيلة أخرى ليست أكثر من علم، لأن كل أفعال العدالة، وكل من يعرف جمال هذه الأفعال لايجد ما هو أجمل منها (زينوفون والأفكار الكبرى لسقراط، ۱۳۸). ولا يميز سقراط في فلسفته الأخلاقية بين الأخلاق والسياسة. كشر الحدود بين هذه المجالات، وهذا ما لا نجده حتى عند أرسطو، يمكن اتخاذه كأساس العلاقات الاجتماعية السياسية الأكثر نضجاً والمفاهيم النظرية الجديدة التي تعكسها. عند أفلاطون وأسلافه تأتي القيمة الأخلاقية للمدينة مع قوانينها ومؤسساتها وفضيلتها السياسية ككل، من الآلهة الميثولوجيين لأنهم يعتبرون الأساس الأكبر للأخلاق. يخضع في تفسيراته العقلية الأساس الميثولوجي للمدينة والطبيعة المقدسة للفضيلة، لتحول جذري. فالمفاهيم السياسية التقليدية التي ترجع بتاريخها إلى أيام هومر وهسيود (حكم القانون) وبروتاغوراس وبعض السفسطائيين (حكم الأفضل كما يمليه العقل وضرورة تعليم الفضيلة السياسية) أعاد سقراط صياغتها حسب فلسفته العقلية الخاصة. ونظراً لإيمان سقراط بقوة العقل واعتقاده أن الأكوان لا تفتح إلا للعقل، فقد ركز اهتمامه بالأفكار العامة ووجه مناقشة القضايا الأخلاقية والسياسية والحقوقية نحو صياغتها في تعريفات شاملة. وقد جرى الاعتراف به مؤسساً للأخلاق النظرية التي مهدت الطريق لمفاهيم الأخلاق وأرسطو المنطقية والسياسية. ومع فالمبدأ الفلسفي لموضوعية فضائل المدينة وطريقة المدينة في الحياة والأساس الأخلاقي للسياسة والقوانين التي شرحها سقراط كانت موجهة ضد كل من الأفكار الميثولوجية التقليدية والنزعة الذاتية التي سارت جنباً إلى جنب تقريظات القوة الغاشمة النهلستي من القوانين الأخلاقية. يتمسك سقراط بمبدأ الشرعية فيهاجم الممارسات السياسية المعاصرة للحكومات الديمقراطية والأوليغارشية والاستبدادية والارستقراطية من موقع المثال الأعلى المجرد للعدالة كما أخذ مما أملاه العقل. وفي رأيهأن الصلة الوثيقة وحتى الوحدة الداخلية للمدينة وقوانينها نشأت من أصل المشترك الإلهي. فالتنظيم الأخلاقي لحياة المدينة مستحيل من دون قوانين، تماماً مثلما أن القانون والنظام يستحيل وجودهما من دون مدينة فالقوانين في رأي سقراط هي أساس المدينة. ميز كل من سقراط والسفسطائيين بين ماعرف فيما بعد بالقانون (الحق) الطبيعي والقوانين الوضعية، أي إصدار سلطات المدينة للقوانين وتوجيهاتها وأحكامها. ومع ذلك لم يحول سقراط الفرق بينهما إلى طباق، فكل من القانون الإلهي غير المكتوب والقوانين الإنسانية المكتوبة متجذرة في رأي سقراط في عدالة واحدة، ليست فقط قاعدة للشرعية، بل متحدة في الحقيقة معها: يقول سقراط: ولابد أن أعتقد أنه قدمت تعريفاً هكذا، (زينوفون والأفكار الكبرى لسقراط، ۱۷۱). يستخدم هذا التقرير البليغ كخلاصة لكل الأخلاق السياسية السقراطية، تماماً مثلاً كالأطروحة الهيغلية وكل ما واقعي عقلي وكل ماهو عقلي واقعي، التي تمثل لب الأهمية بمكان أن كلتا الأطروحتين اشتهرتا ليس فقط لشبههما الخارجي والشكلي، بل أيضاً لقرابتهما الداخلية العميقة، باعتبارهما تؤكدان الجوهر العقلي والأخلاقي للظواهر السياسية ـ الحقوقية. تماماً كالطبيعة المؤقتة للحرب التي لاتقلل من الجرأة باسم الوطن الأصلي. فلسفة الهيغلية. ومن يتخذ سقراط موقفاً ثابتاً من نظام المدينة الذي يضمن عدالة القوانين الموضوعة. يربطها بوفاق المواطنين الذين من دونه، كما يرى، لاتستطيع الدولة البقاء ولا يمكن الإطاحة بها ولا تحقيق الازدهار المنزلي. ولاشك أن سقراط بالوفاق تحالف المواطنين وطاعتهم للقوانين، وليس تطابق آرائهم ونظراتهم وأذواقهم. وعلاوة على ذلك أنت تعرف أن الوفاق سعادة كبرى في الدولة. فهوعادة راسخة في كل اليونان لجعل المواطنين يقسمون أن يعيشوا في تفاهم، الواحد مع الآخر، وكل واحد منهم يقسماليمين أن يفعل هذا. ولا ليجمعوا على استحسان شعراء بعينهم، أو ليتخذوا جميعاً التسليات ذاتها، (زينوفون والأفكار الكبرى لسقراط، ١٥). إن تمجيد وعادة القانون لايعني أن سقراط اعتبر كل أمر أو قرار لسلطات المدينة قانوناً يجب أن يفرض احترامه وطاعته العامة. إن فرضيته عن تماهي القانونية والعدالة، وكذلك التقدير العالي للاستحقاقية والحياة المدنية المنظمة تنظيماً جيداً قائمان على احترام العقل الموجود في المثل العليا وليس احترام المحالة الواقعية للشؤون، ولذلك وجهت إليه التهمة الفظيعة في نقد السياسة العملية المعاصرة ودوائر الدولة (ومن الدلالة الهامة بمكان في هذا السياق تشبيه سقراط لنفسه بالذبابة التي أرسلها الله لتقريع الناس وحث ضميرهم). والمعرفة التي هي في مجال العلاقات السياسية والحقوقية فإن التباهي الذي جعله سقراط بين الفضيلة المبدأ الرئيسي لفلسفته الأخلاقية يجد تعبيره في القول المأثور والحكام هم الذين يعرفون كيف يحكمون. فهذا المثل السائر هو النتيجة الطبيعية للمبدأ السقراطي عن الدولة باعتبارها تجسيداً للعقل والعدالة، الذي يتميز بلهجة ساخطة وموجه إلى كل أنواع الحكومات: فالملوك والحكام ليسوا أولئك الذين يمسكون الصولجان، وإنما أولئك الذين يعرفون كيف يحكمون (زينوفون والأفكار الكبرى لسقراط، ۱۰). لقد دافع سقراط فعلاً عما عرف فيما بعد نظرية الملك ـ الفيلسوف ـ نتيجة النزعة الارستقراطية الفكرية التي عمت فلسفته الأخلاقية. وأن مثله الأعلى السياسي لم بره قائماً في أي حكومة . من هذه الحكومات. في الجانب النظري شكل المثال الأعلى السقراطي محاولة لتقديم عرض واقعي لجوهر الدولة، بينما في الجانب العملي رمي إلى التأكيد على مبدأ المنافسة في إدارة شؤون المدينة. في تصنيف سقراط لأشكال الحكومة المختلفة سعى إلى تحديد مبادئها النوعية والأساسية. لقد اعتقد أن وحكم الناس برضاهم وطبقاً لقوانين الدولة هو الملكية، بينماحكمهم باخضاع من دون إرادتهم، وليس طبقاً للقانون بل لرغبة الحاكم هو الاستبدادية. والدستور الذي يجب اختيار الحكام من بين أولئك الذين حققوا متطلبات القوانين يسميه الارستقراطية، وعندما ينتخب الشعب برمته يسميها الديمقراطية (زينوفون والأفكار الكبرى لسقراط، ۱۲). إن أفكار سقراط وعلى الأخص تشديده على القانون كقاعدة لتصنيف أشكال الحكومة، ومقارنته بين الملكية والاستبدادية والأفكار الأخرى مارست تأثيراً كبيراً على النظريات السياسية اللاحقة لقدامى المفكرين، وفي مقدمتهم أفلاطون وأرسطو وبولييوس، ومن خلالهم في مختلف المذاهب السياسة الحقوقية للعصور الوسطى والأزمنة الحديثة. عن ومع ودفاع سقراط عن حكومة الحكيم، أي حكومة «أولئك الذين يعرفون كيف يحكمون، لاشيء يربطه بالدفاع المقنع عن بعض الأنظمة السياسية المعاصرة. يقول: «ذاك الذي سوف يحارب من أجل الحق، (أفلاطون والدفاع، ۳۲). نظام الدولة الرجعية، يبدو لنا غير معقول أبداً. فقد نخى سقراط نفسه عامداً متعمداً عن الصراع . فراح هو وقوانينه الأخلاقية يتصارع بالتناوب مع الديمقراطية حيناً . الدكتاتورية والاستبدادية حيناً آخر. طبعاً هذا لايعني أنه ليس له تعاطف سياسي أو معاداة. فحسبما جاء في زينوفون وأفلاطون أطرى سقراط القوانين الارستقراطية في أسبارطة وكريت والقوانين الأوليغارشية المعتدلة في طيبة وميغارا. عموماً تعاطف سقراط مع حكم الحكماء أكثر مما تعاطف مع حكم الارستقراطية الوراثي القديم أو حكم محدثي النعمة. وقد أشار سقراط مؤكداً على السمة المؤقتة للحكومة الاستبدادية، إن الطاغية الذي يضطهد كرام المواطنين وعقلاءهم يعاقب نفسه وفي مدة قصيرة (زينوفون والأفكار الكبرى لسقراط، ١٢). كما لم يركبه الوهم في الديمقراطية فعبر عن امتعاضه من طرق الحكومة فيها وإن كان امتعاضه رقيقاًالعيب الرئيسي للديمقراطية في نظر سقراط هو عدم كفاءة موظفيه الذين عينوا عن طريق القرعة، وكان لايقدر كثيراً الحكمة السياسية للجمعية الشعبية التي لعبت دوراً حاسماً في الداخل وفي السياسة الخارجية للديمقراطية الأثينية، ويسخر من القوة الحبارة للشعب التي لاتستطيع أن تجعل الحمقى جنرالات، فيقترح هازئاً أن تصوت الجمعية للحمير بدلاً من الخيول التي لايحتاجها الأثينيون في هذه الأيام. مع بقية لابد أن نلاحظ أن سقراط في كل هذه الهجومات على الديمقراطية لم يقترح أبداً أن يحل محللها شكل آخر للحكومة، وإنما يجب تلافي نقصها وعجزها. لقد كان وطنياً عظيماً لأثينا، ويتمجيده السمات الأخلاقية العالية للاثينيين بالمقارنة اليونان، لاحظ بكبرياء أنه لا أحد يستطيع أن بياري أبناء بلده بجرأة أجدادهم وعدد المآثر المجيدة التي قاموا بها (زينوفون والأفكار الكبرى لسقراط، ومع ذلك إن هذا التفوق في الشجاعة على بقية اليونان فقد نهائياً في الحرب البلبونيزية بين أثينا واسبارطة. فالاندحارات العسكرية لأثينا رافقها انحلال داخلي وانقلاب ديمقراطية جلبت أثناء حكمها القصير الأنظمة الاوليغارشية، بل الاستبدادية. وحتى تقمع الديمقراطية المعارضة المتنامية، لجأت بدورها إلى الاجراءات المتطرفة وهذا ماجعل التوترات الداخلية تتفاقم وكذلك الصراع على السلطة. وفي معارضة سقراط لأعداء الديمقراطية الأثينية الذين القوا اللوم في كل الصعوبات الخارجية والداخلية على النظام الديمقراطي للحكومة، فعزا سقراط ذلك إلى فساد أخلاق مواطنيه وإلى غرورهم الذي أدى إلى الانحلال والتخلي عن الواجب وتمردهم في القضايا العسكرية والمدنية. وكان هذا شؤماً لهم ففقدوا تفوقهم على المنافسين الحربيين. وعملوا حسب طريقتهم. (زينوفون والأفكار الكبرى لسقراط، ۱۳). إشارة سقراط إلى «الأوائل) ) لم تكن تعني الانتقاص من مواطنيه أو حقهم على إعادة بناء الدولة الأثينية على غرار النمط الاسبارطي، بل بالأخرى تعني حضهم على استعادة عظمة مدينتهم مهما كلف الثمن، حتى بتقليدهم عدوهم الأكثر نجاحاً منهم إن حث سقراط الاثينيين على أن ينظروا عن كتب إلى منجزات عدوهم لم يكن أكثر من نصيحة عاقلة حكيمة وإن لم تكن طبعاً ملائمة لذوق مواطنيه الطموحين. لم يكن هدف سقراط تحسين إدارة الشؤون العامة في أثينا ولم تكن له علاقة بخرق الولاء لمدينته الأم وهي التهمة التي ألصقت به. ومن الواضح أن سقراط لم يعتبر خطايا مواطنيه وخرقهم للقوانين الأخلاقية مرضاً لابرء منه. فعندما لام بركليس الصغير سقراط على الشقاق الداخلي في مدينته، وروح المخاصمة عند الاثينيين وكراهيتهم المتبادلة وسعيهم لتحقيق الربح من الدولة والواحد من الآخر، دعا سقراط تلاميذه الشبان ولفت انتباههم إلى مزايا النظام السياسي الأثيني الذي يعلق عليه الآمال في استعادة عظمة أثينا. اتجاهات استنكر سقراط الجشع إلى المكاسب وحب المال الذي استحوذ على الاثينيين فأفقدهم ضميرهم، وازدراءهم بالعقل والفضيلة عجز للدوائر الديمقراطية وممارسة تعيين حكام المدينة بالقرعة لاعتقادهم أن رأي المرء صالح مثل رأي الآخر، وفي الوقت نفسه لم يطرح مسألة المبادىء الأساسية للنظام السياسي الأثيني الذي تطور عبر ديمقراطية منذ اصلاحات سولون. وهي نواة مذهبه السياسي - الأخلاقي. وفي رأي سقراط أن على كل مواطن دخل طوعاً في ميثاق اجتماعي وصار عضواً في دولة أن يلتزم أخلاقياً بطاعة قوانينها وعاداتها (أفلاطون وافريطون، 51). هذا المفهوم يجعل سقراط واحداً من أوائل أنصار نظرية العقد الاجتماعي في تاريخ الفكر السياسي الأوروبي. وفي النسخة السقراطية لهذه النظرية المتسمة بنظرة أبوية خاصة، لايتساوى المواطن والمدينة في الحقوق، تماماً كما أن الطفل والعبد لا يتساويان بالنسبة للأب والسيد. وعلاوة على ذلك فإن القوانين أسمى وأقدس من الأم أو الأب. وفي وصف سقراط لحديث خيالي مع القوانين الأثينية يقتبس منها ماتقوله ونحن نقدم لكل أثيني بموجب الحرية الممنوحة له، ولاتوجد قوانين تمنعه أو تتدخل في شؤونه، (أفلاطون «اقريطون، يصبح أي فرد في رأي سقراط يرغب في الهجرة إلى مستعمرة أو إلى أي مدينة أخرى يمكنه الذهاب حيث يرغب محتفظاً بملكيته، لكن ذاك الذي خير الطريقة التي بها تفرض القوانين العدالة وتدير الدولة، وماتزال، بمعنى آخر يوافق الاثيني على المواطنية طوعياً وأمامه ثلاثة خيارات: إما أن يطبعالقوانين، أو يريد تغييرها بالإقناع والطرق السلمية الأخرى بغية منع الظلامة والخطأ، فإن نفض المواطن يده من الدولة بقي عليه حق الولاء. وعندما تعاقينا الدولة بالسجن وبالجلد، علينا أن نتحمل العقوبة بصمت، فإن قادتنا إلى الجراح أو الموت في المعركة فلابد من اتباعها لأنها على حق، فلا يحق لأحد أن يتخاذل أو يتراجع أو يترك صفوفه، ولكن سواء في المعركة أو في قاعة المحكمة أو في أي مكان آخر، فما أحراه ألا يعصى بلادها. (أفلاطون واقريطون، تجلت هذه الطاعة للقانون طيلة حياة سقراط وانتهت بنهاية مجيدة بموته الدراماتيكي النابع من الموقف اليوناني التقليدي تجاه القانون باعتباره أساس تنظيم حياة المدينة وعدالتها. أي من البرابرة. وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى رأي أحد حكماء الهند، السفسطائي العريان دنداميس، قاله في زملائه الإغريق أثناء حملة الاسكندر الكبير الآسيوية. ولا يخطئون في شيء وعلى الأخص في احترامهم الكبير لقوانين وعادات بلادهم. (بلوتارك والاسكندر، فعلا في أيام سقراط كانت وظيفة المدينة وسلطة القوانين مطروحة للمناقشة وخاضعة للنقد، والنقد المرير خصوصاً من جانب المسطائيين، المعلمين الجوالين للحكمة. لقد حققت الأفكار الكوسموبوليتية سيرورة عريض مما جعلها تظهر التآكل المتزايد لنظام المدينة الإغريقية وايديولوجيتها. وأشاع نظرية تقول إن الإنسان لايكون سعيداً إلا إذا كان حراً، لا ينضوي تحت لواء أي دولة كانت (زينوفون والأفكار الكبرى لسقراط، 4، 5، ٢). أن يعمل المرء بحرية هو بمعقولية بأفضل طريقة ممكنة، أي ضد الشهوة المنفلته التي تدفع الإنسان للإنقياد لغرائزه وعواطفه الوضيعة. بابتعاد المرء عن الفضيلة ينكب على الشهوة فيصير أن يعمل عداً بائساً بديرظهره للمواثيق والاتفاقات التي عقدها كمواطن ويتنصل من التزاماته للمدينة فيقع في الفوضى. يضع المساواة كمبدأ من المبادىء الأساسية لنظام المدينة وعلاقتها: «إن الفلاسفة يخبروننا ياكاليكليس أن التعاون والصداقة والنظام والتسامح والعدالة تربط معاً السماء والأرض والآلهة والبشر، ياصديقي. ومع أنك فيلسوف فإنك كما يدو لي لم تلاحظ هذا: لم تدرك قوة المساواة الهندسية، لأنك لاتأبه بالهندسة، (أفلاطون اغورجياس، ٥٠٨). فجدارة الإنسان لاتكمن في القوة والقدرة على الاحتفاظ بسلطنه عن طريق القوة، بل في عقلانيته وفضيلته السياسية وفهمه ماهو صالح للمدينة. وهذا بدوره يتطلب تربية خاصة وتدريباً. فالفضيلة السياسية والفضائل الأخرى تتطور بالدراسة والجهد. فالحكم في رأي سقراط ليس متعة بل ممارسة الفضيلة، وليس هدفه إشباع رغبات ونزوات الحاكم الأنانية، بل تحقيق الخير للجميع. فيلاحظ أن الحاكم أو القائد العسكري يجب أن بحاجات الخاضعين له، أو جنوده، لابحاجاته الخاصة، أعظم كل الفنون، الأقل أهمية لايحقق الرجال الكفاءة إلا بعد دراسة مناسبة وإجراءات تطبيعية. كل فرد في رأي سقراط، موهوباً كان أو بليداً، والمهم عملياً هو تدريب الموهوبين الذين قرروا الالتحاق بالعمل السياسي. والعنيدون بطبيعتهم، يسيون للدولة ولمواطنيهم ضرراً كبيراً إن لم يثقفوا بثقافة خاصة. والعكس صحيح، فإذا ربوا تربية صالحة من خلال معرفة ميدانهم القادم، أمكنهم أن يقدموا الخير العميم لوطنهم. في رأي سقراط، ويرى أن ثمارها أنفس وأكبر من هبات الثروة (زينوفون والأفكار الكبرى لسقراط، ١٤). ومع أن سقراط ابتعد عن السياسة، وكل نشاطه التنويري كان تثقيف مستمعيه، والشبان بنوع خاص، بروح الفضيلة السياسية. وتمسكاً بأفكاره عن العدالة والقانونية والحكم اشتبك سقراط في صراعات مع السلطات (في ظل الديمقراطية وكذلك في ظل الثلاثين) الذين طبعاً سعوا إلى قمع انتقاده المدمر وإلى جعله يتجرع كأس السم أخيراً. كان إعدام سقراط صدمة كبيرة للاثينيين. وكما يقول ديوجين لايرتوس ندموا حالا بعد موته، صنع المثال اليوناني الشهير ليسيبوس تمثالاً من البرونز لسقراط كان الأثيني. وقد أيدت مصادر كثيرة تقرير ديوجين لايرتوس حول ردة الفعل العامة للاثينيين، ولكنها تختلف بالتفاصيل. ويقول بلوتارك أنهم شنقوا أنفسهم تحت وطأة احتقار مواطنيهم لهم وقد منعوهم من الحرق والغرق، بينما في نسخة الخطيب ثيمستوس (القرن الرابع ق. معروضاً في المتحف كل هذه التقارير عن الندم والعقوبة قد تشتمل على مبالغة كبيرة إلا أنها تعكس الشعور التاريخي بالعدالة في الأجيال اللاحقة وأنها مؤشر على التكفير عن ذكرى سفارط التراجيدية، على ضوء العادة المتبعة للاثينيين في عادة النظر في قراراتهم المتسرعة ورفع الظلم الذي اقترفوه في حالة الغضب، فبدوا معقولين جداً. إن تقديرهم يغدو سامياً إذا فكر المرء بالخلفية السياسية لمحاكمة سقراط ونتائجها النفسية: فبعد أن وقع الحدث لم يكن الندم فقط وسيلة جيدة للخلاص من إثم الضمير والتخفيف منمسؤولية إعدام البريء، وإنما أيضاً طريقة فعالة في جعل المرء مشاركاً في شهرته المزايدة، كان سقراط حياً مزعجاً لايحتمله معاصروه، بينما سقراط ميتاً لم يعد ينتقد خطاياهم ويؤنبهم على عبثهم، فهو يقف بعيداً عن كل صراع. يمكن أن يستخدم شعاراً في المكائد السياسية والصراع على السلطة. فالمجتمع القائم على الظلم لابد أن يكون منافقاً ويحتاج إلى أوثان صماء لإخفاء مقاصد قادته الحقيقية. وإذا حكمنا بناء على أوسع المصادر قلنا إن الصراع الذي نشب حول تراث سقراط في الأدب القديم أظهر التأثير المتنامي للسقراطيين الذين تفوقوا على خصومهم موهبة وعدداً وتنظيماً. كل المدارس السقراطية المتنافسة - الأفلاطونية والكلبية (أسسها انتستين وتدعو إلى الاكتفاء الذاتي والتحرر من العالم الخارجي) والسيرينية (أسسها ارستيبوس ودعا إلى مذهب اللذة كهدف وحيد أو رئيسي في الحياة) والميغارية (أسسها ايوقليدس واشتهرت بأبحاثها المنطقية ومفارقاتها العديدة) والايلية (أسسها فيدون الإيلي وهي ذات صفة وثيقة بالميغاريين) - أسهمت في القضية المشتركة وهي تبرئة معلمهم. ومن المهم خصوصاً بالنسبة للمصائر التاريخية لتراث سقراط العقلي هو الدور الذي لعبه الأفلاطونيون. أثرت أفكار سقراط في نشاط الأكاديمية الأفلاطونية وفي (ليسيوم) أرسطو (المشائين) وقد سيطرت المدرستان علي المسرح الفلسفي لكثير من القرون اللاحقة، وعن طريق الكلبيين والسيرينيين انتقلت مفاهيمه بتعديل بسيط إلى الأبيقوريين والرواقيين والريييين اليونان والرومان. إن نهاية سقراط التراجيدية سمت بحياته ومنحته هالة من الشرف الرفيع والكمال الفريد. لقد تفحصت كلمات وأفعالاً ذات معنى عميق وحكمة أصيلة، فمنحت صورته جاذبية لاتزول وصارت أحد الألغاز السقراطية التي تؤثر في عقول كثير من الفلاسفة والشراح حتى أيامنا هذه. فإدانة سقراط وإعدامه اللذين توجا كفاحات حياته فتحا له طريق الخلود الروحي. تبين مؤلفات الكتاب المسيحيين في العصور الوسطى ككل ميلاً عاماً لجعل سقراط شهيد الإيمان على طريقة القديسين المسيحيين بالرغم من وثنيته ولذلك كثيراً ما وازنوا بين سقراط ويسوع المسيح. واعتبر المتنورون سقراط سلفهم وزميلهم الذي ضحى بحياته على مذبح العقلأما هيغل الذي أثر تأثيراً كبيراً على الكتاب اللاحقين فقد عبر عن رأي أكثر عمقاً في الدور التاريخي لسقراط. والثانية دافعت الحالة الراهنة التي يقدمها التقليد العريق. فمصير سقراط لم يكن مصادفة: كان محتوماً في رأي هيغل ومقرراً من قبل قانون التاريخ العالمي حيث أبطاله الذين يجسدون المبادىء الجديدة لابد أن يتنطعوا ضد المبادىء والقوانين القائمة، حيث يسقطون ضحايا انتقامها. إنها تدمر فقط نصيره الفرد. سلف الوجودية، إن إعدام سقراط كان الثأر المحتوم لحياته، أهم حياة على الأرض، مادامت أعظم اهتمام أصيل بحياة الإنسان، وأعظم بؤس وألم ومشقة تحملها. وإذ يهاجم فريدريك نيتشه هجوماً ضارياً عقلانية سقراط ومبادئه الأخلاقية كأحد المنابع النظرية لأخلاق العبيد لدى الجماهير، فإنه في الوقت نفسه ينصفه ليس فقط لقدرته على الارتقاء إلى الأفكار العقلانية التي دعا إليها، ويلاحظ نيتشه أن سقراط تلقى حكم إعدامه بإرادته الحرة الخاصة التي رفضت النفي بديلاً ولذلك غدا مثالاً أعلى للشبان الإغريق لم يسبق له مثيل. وصف غوستاف كافكا إدانة سقراط بأنها عمل مشين اقترفته والديمقراطية الرجعية. ويصف كارل ياسبرز، أحد أبرز ممثلي الوجودية في القرن العشرين، سقراط كواحد من اشهر شخصيات التاريخ العالمي إلى جانب بوذا وكونفوشيوس ويسوع المسيح. وفي رأي ياسبرز أن سقراط قدم في حياته وموته عرضاً مقنعاً لعبثية وهشاشة وتفاهة وجود الإنسان. كان سقراط في رأي ياسبرز شهيد الفلسفة الذي أحب أن يموت، فإعدامه لم يكن جريمة قضائية، بل كان انتحاراً قضائياً. أيضاً يصف غوارديني قبول سقراط حكم الموت بأنه قرار إلى الواقع الأصيل والحياةالحقيقية. ففي رأيه أن قرار سقراط ليس رغبة مرضية بالانحلال، بل وعي شديد بالصفة التراجيدية لرسالته المجيدة ولنهايته المحتومة. وبسبب هذه الذروة الدراماتيكية في حياة سقراط، في رأي هلموت كوهن أن الأسئلة السقراطية التي يكتنفها القلق والمشقة - وأسئلته دائماً كبيرة بحيث تبقى بلا إجابة ـ اخترقت الأفق الضيق للفكر اليوناني. ويعتقد كوهن أن الإدانة المجحفة وموت سقراط يثبتان حقيقة أن أثينا صارت غير قادرة على تحمل والمواطن الحقيقي، سقراط كان الأخير. بموته حرر الناس من قيود المدينة وجعلهم أحراراً يعزون أنفسهم للعزلة الجديدة ولأشكال جديدة من التجمع. فهم يعتقد أن الاثينيين ما كانوا ليدينوا سقراط بالموت لو أن الشخصية التي رسمها له المدافعون عنه كانت حقيقية في الحياة. فالمحاكمة في رأي رسل، حتى كما قدمها مؤيدوا سقراط، كانت عموماً محاكمة قانونية، والخطأ الوحيد الذي يمكن أن يعزى للمحكمة الاثينية هو رفضها طلب الدفاع في سماع شهود تهمة إفساد الشبان. والسمة الكبرى في آخر النشرات الروسية عن سقراط، وعلى الأخص تلك ذات الطبيعة التاريخية ـ الفلسفية، هي أن المؤلفين قد تخلوا نهائياً عن مفهومهم السابق بأن نال عقابه العادل وهو الحكم بالموت على أفكاره الرجعية. فالباحث الكسي لوسيف انتهى إلى نتيجة أن سقراط أعدمه الظلاميون والمحافظون والرجعيون. وفي رأي فيوخاري كيسيدي لم تكن الإدانة تراجيديا فقط، وإنما أيضاً كانت حدثاً بالغ الأهمية في كل تاريخ القيم الأخلاقية، كانت مسؤولية حكم الأجيال فقط. فأولئك الذين ربطوا اسم سقراط بمرحلة جديدة في تاريخ الفكر الفلسفي لايستطيعون تبرير إعدامه، فموت سقراط برأي كيسيدي لم يكن انتحاراً ولاخطأ قضائياً ـ كان نتيجة حتمية لولائه لرسالته التي نذر لها نفسه. سقراط رجعي مثلاً الروسي كما يبدو من عرض الأفكار السابقة، السريعة والمقتطعة، أن ملف سقراط القديم يفتح من جديد لدى كل مرحلة تالية. ومع ذلك فإن إعادة تقييم الماضي التي لا يمكن تجنبها في الدراسات التاريخية يجب ألا تقود إلى تشويهه، فعلى المؤرخين دائماً أن يكونوا متيقظين ضد إمكانية تسلل التفسير المتأخر في سجلاتهم. كما يجدر أننلاحظ في هذا الصدد أن مايسمى أحكام التاريخ مع دلالتها على الحكم النهائي غير القابل للتغير لها سوأة واضحة ـ يمكنها فقط أن تقوم على أفعال الموتى ولذلك دائماً تتأخر في ممارسة تأثيرها على المشاركين في الأحداث الدرامية ـ التي تركت طابعها في وعي البشرية. وسيكون المرء مخطئاً إذا استنتج من هذا أن أحكام التاريخ لاتحمل إلا ثقلاً قليلاً للأجيال اللاحقة. فهذه الأحكام القائمة على القيم الإنسانية الأساسية تقدم السوابق التي لانزاع فيها والتي تساعد على فهم أفضل للحاضر والمستقبل، وما لايقل أهمية أنها تحمل العزاء والأمل لضحايا الظلم الذين، مثل سقراط، يفضلون الخلود والحقيقة على ماتبقى من حياتهم الأرضية. إن رهان المرء على حكم التاريخ (الذي هو حكم الأجيال اللاحقة، أو حكم الآلهة في قضية سقراط) يشتمل على إيمان عنيد بالخلود الروحي. ومن المفارقة أن سقراط اتهم بالإلحاد مع أنه يعتبر نفسه الخادم الفلسفي لأبولو والمؤمن الواعي لحكم الآلهة على البشر بعد موتهم.