التتار ومعركة عين جالوت وكان اسمه الحقيقي تيموجين . فأعلن جنوده زعيمهم تيموجين خاقانا. وكانت ديانة المغول خليطا من عبادة الشمس والمسيحية والإسلام والبوذية. ويمكن القول إنهم تفرقوا بين كل الأديان باستثناء اليهودية. ومن الناحية العسكرية كانت جيوش جنكيز خان قد خرجت من موطنها في مناطق الاستبس بوسط آسيا، وأخذت تجتاح البلاد القريبة حتى تمكن من بناء كان أول صدام بين المغول والعالم الإسلامي عام ١٢١٩م عندما أغاروا على بلاد السلطان علاء الدين محمد بن شوارزم شاه، وكان طبيعيا أن يهتم كل من جنكيز خان وعلاء الدين محمد بتأمين حدود دولته، وعلى الرغم من محاولات السلام بين الجانبين فإن أسباب النزاع الكامنة لم تلبث أن فرضت نفسها . وكان عددهم أربعمائة وخمسين رجلا كلهم من المسلمين فقتلوا جميعا. وأهان رفيقيه بحلق لحية كل منهما ؛ وكان لابد لجنكيز خان من قتال سلطان خوارزمشاه . وصلت قوات جنكيز خان إلى بخاري في فبراير عام ١٢٢٠م، وكان القتل مصير من بقى بالمدينة، ثم زحف المغول صوب سمرقند كبرى مدن ما وراء النهر، والتي استسلمت بسرعة مماثلة لما حدث في بخارى وانتهى ذلك النضال بهروب السلطان واختفائه في جزيرة نائية بعد أن قتل الجانب الأكبر من جيشه على يد المغول وفي يناير عام ١٢٢١م بدأ حصار المغول لعاصمة خوارزم. وظلت الحرب سجالا دون نتيجة حاسمة حتى مات جنكيز خان في أغسطس ۱۲۲۷م وهو في سن الثانية والسبعين تاركا لخلفائه إمبراطورية مترامية الأطراف تم فتحها بحد السيف. وفي الثاني من شهر شوال عام ٦٢٢هـ توفي الخليفة العباسي، ولكنه كان قد ارتكب خطأ فادحا قبل وفاته ؛ إذ استعان بالمغول ضد سلطان خوارزم شاه . هربا من سيوفهم بيد أن الظروف التاريخية السائدة في المنطقة العربية كانت تبدو مواتية تماما للطموح المغولي ؛ أما دولة سلاجقة الروم فكانت متاعبها الداخلية أكبر من قدراتها، وتبقى دولة سلاطين المماليك التي كانت تعاني مشكلات الشرعية السياسية وانتقال السلطة، وكان طبيعيا أن تطوى بلدان المشرق الإسلامي في سرعة هائلة، ويرجع السبب في تفوق المغول وتنظيم الجيش نفسه. على أية حال، وانتخبوا منكو خان بن تولاى بن جنكيز خان ليكون الخان الأعظم، وتدمير الخلافة العباسية في بغداد . وتولى هولاكو قيادة الحملة الثانية وسار بنفسه حتى وصل إلى ديار بكر وميافارقين حيث ارتكب المغول مذابح مروعة راح ضحيتها آلاف السكان، وفي عام ٦٥٤هـ دخل هولاكو بقواته إلى أراضي فارس حيث قضى على قلاع الشيعة الإسماعيلية وأخذ يمهد للقضاء على الخلافة العباسية . وفي السنة التالية ٦٥٥هـ قصد هولاكو بغداد، ثم جاءت الصدمة الكبرى في العام التالي ٦٥٦هـ/١٢٥٨م عندما تزلزل العالم الإسلامي بسقوط الخلافة العباسية . وخرب التتار الجوامع والمساجد والمشاهد . واستمروا على ذلك أربعين يوما . لأنهم وجدوا أنفسهم بدون خليفة للمرة الأولى في تاريخهم، وعلى الرغم من كل مظاهر الضعف التي بدت واضحة على الخلافة العباسية فإن مكانتها كانت راسخة في وجدان المعاصرين بالقدر الذي يجعلهم عاجزين عن تصور العالم بدونها. كما طلب مساعدة التتار في أخذ مصر من أيدي المماليك. ولكن قائد التتار غضب من السفارة التي اعتبرها غير لائقة بمقامه، وطلب من الناصر يوسف الخضوع دونما قيد أو شرط، واستنجد بالمماليك، وفي صفر عام٦٥٨هـ / ١٢٦٠م استولى هولاكو على حلب بعد سبعة أيام من التخريب وسفك الدماء، وأعلن بعض ملواء الأيوبيين خضوعهم لهولاكو في محاولة لتجنب الخراب الذي حل بمدينة حلب. وطلب النجدة من الملك المغيث عمر صاحب إمارة الكرك، والسلطان المظفر قطز ، كما تخاذل الأمراء من حوله بشكل أغضب الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري الذي كان قد دخل في خدمة الناصر. وأحسن معاملته، ثم أقطعه قليوب ومناطق الريف المجاورة لها. فأوصى هولاكو التتار بأهل دمشق . في تلك الأثناء مات منكوخان كبير التتار و كان على هولاكو العودة إلى بلاده للمشاركة في اختيار الخان الأعظم الجديد. وعندما تم اختيار أخيه قوبيلاى تقبل الأمر ببساطة ولكنه لم يرجع إلى قيادة جيشه الذي تركه ببلاد الشام تحت قيادة قائد مسيحى، وهرب الناصر في قلة من أتباعه بحثا عن ملجأ يحميه بعد أن خسر جيشه وعرشه. الملك، حينئذ وصلت رسل هولاكو إلى القاهرة ومعهم خطاب منه يفيض غطرسة ويأمر قطز بتسليم البلاد، وتم فعلا القبض على الرسل . وبدأ السلطان في تحليف الأمراء الذين اختارهم، ولكن الأمراء كانوا يخشون لقاء التتار بعد أن سمعوا عن المذابح التي ارتكبوها ، فأحضر السلطان قطز رسل التتار، ونودي في القاهرة وسائر أقاليم مصر بالخروج إلى الجهاد في سبيل الله، ونصرة دین رسول الله، فقال لهم: يا أمراء المسلمين لكم زمان تاكلون من بيت المال، ومن لم يختر ذلك يرجع إلى بيته، فوافق الأمراء الذين تخيرهم على السير، ولم يسع البقية إلا الموافقة. وبصحبته الملك المنصور صاحب حماة و ترك نائبا عنه في مصر الأتابك فارس الدين أقطاى المستعرب، وعندما وصل بيبرس إلى غزة لقى طلائع التتار واستطاع أن يلحق بهم هزيمة غير حاسمة، غير أنها كانت كافية لدفعهم إلى الرحيل عن غزة ؛ في الوقت نفسه وصلت قوات الجيش الرئيسي إلى غزة بقيادة السلطان المظفر سيف الدين قطز، ولكنه لم يكن سوى يوما واحدا ، ثم رحل عن طريق الساحل إلى مدينة عكا التي كانت ما تزال تحت سيطرة الفرنج، وأقسم لهم أنه متى تبعه منهم فارس أو رجل يريد أذى عسكر المسلمين في الوقت نفسه أخد الأمير ركن الدين بيبرس يناوش قوات التتار ويراوغها حتى يخفى تحركات الجيش الرئيسي، واستدعى كتبغا الملك الأشرف موسى ابن المنصور صاحب حمص، وقاضي القضاة محي الدين واستشارهم في ذلك، ولكن قائد التتار قرر التقدم بجيشه لقتال المسلمين، وكان جيش سيف الدين قطز قد تكاثر بمن انضم إليه من جنود الشام والخوارزمية، العربية الجهاد في سبيل الله . كانت معركة عين جالوت، التي جرت يوم السادس والعشرين من رمضان عام ٦٥٨هـ / ١٢٦٠م، فإن معركة عين جالوت كانت شهادة الميلاد الرسمية لهذه الدولة. فقد كانت غاية ما يهدف إليه أمراء المماليك الذين تولوا قيادة الجيش توحيد مصر وبلاد الشام تحت حكم سلاطين المماليك على مدى ما يزيد عن مائتين وسبعين سنة. عين جالوت اسم لبلدة صغيرة في الريف الفلسطيني تقع بين بيسان ونابلس. عادة، وهي كالموسيقى العسكرية التي تحمل أوامر يفهمها الجنود، وعندما اصطدم المعسكرين اضطرب جناح عسكر السلطان، فألقى السلطان خوذته عن رأسه إلى الأرض، وصرخ بأعلى صوته : "وإسلاماه" وحمل بنفسه وبمن معه حملة صادقة، فأيده الله بنصره ، وقُتل كتبغا مقدم التتار، وقت الملك السعيد حسن بن عبد العزيز وكان مع التتار، أما الصبي الذي أبقاه السلطان من بين رسل التتار وضمه إلى مماليكه، كان راكبا وراءه في المعركة، فلما التحم القتال وجه سهمه نحو السلطان محاولا قتله لكن السلطان نجا وقتل الصبى على الفور. نزل السلطان عن فرسه وسجد على الأرض وقبلها، وصلى ركعتين شكرا الله تعالى ثم ركب فرسه، وعلى الرغم من شدة القتال فإن النصر حالف جيش المسلمين لأن الإعداد لهذه المعركة كان جيدا. وتكنيكيا بإخفاء القوات الرئيسية في التلال والأحراش القريبة من عين جالوت، ولم يظهر للعدو إلا المقدمة التي قادها بيبرس ووقع كتبغا في الفخ لأنه هاجم بكل قواته ضد قوات ركن الدين بيبرس الذي كان يقود طليعة جيش المماليك فقط، ولم يحتفظ القائد المغولي بأية احتياطات مما ساهم في التعقيدات العسكرية التي أدت إلى هزيمته. وكان من أهم نتائج معركة عين جالوت أن تلاشت الأسطورة القائلة بأنهم قوة لا يمكن هزيمتها. ومن جهة أخري، تغيرت موازين القوى السياسية والعسكرية في المنطقة العربية بشكل كامل، وبعد عين جالوت مباشرة . بلاد الشام كلها من الفرات إلى مصر . وهكذا، كما تم توحيد مصر والشام تحت حكمها في خضم الصراع ضد المغول . في عين جالوت أنهى المقاومة الأيوبية ضد حكم المماليك إلى الأبد، مما جعل هذه المدينة العاصمة السياسية والعسكرية والثقافية للعالم العربي على ما يزيد على قرنين ونصف من الزمان. وكان انتصار المسلمين في عين جالوت بمثابة المسمار الأخير في نعش الوجود المغولي ببلاد الشام من ناحية، وكان لهذا الكتاب وقع إيجابي شديد على الناس في بلاد الشام، وشربوا الخمر في الطرقات، وامتدت أيدى الانتقام إلى اليهود فنهب أهل دمشق ممتلكاتهم، لولا أن أرسل إليهم السلطان قطز في نهار اليوم التاسع والعشرين من شهر رمضان بتأمين الناس فهدأت الأحوال في دمشق التي صارت من أملاك سيف الدين قطز، وفي غضون أسابيع قليلة تمكن من الإستيلاء على سائر بلاد الشام حيث أقيمت باسمه الخطبة في مساجد المدن الكبرى حتى حلب ومدن الفرات في أعالي بلاد الشام . ومن مفارقات التاريخ في تلك الفترة أن السلطان المظفر سيف الدين قطز أعاد ملوك الأيوبيين أصحاب العروش الصغيرة إلى عروشهم ملوكا تابعين لسلطان مصر بعد أن كانوا يحاولون محاولات مستميتة عزل سلاطين المماليلك.