التهافت على الكتابة للأطفال نشهد اليوم حركة مباركة ونشطة محلياً في مجال الكتابة للأطفال. فكي نخلق جيلا سويا معافى على جميع الأصعدة يجب فعلا أن نهتم به تربية وتثقيفاً وتعليماً. واضعا أمام كتابنا وكاتباتنا العديد من الإمكانيات لتنفيذ مثل هذا المشروع. إذ قبل حوالي السنة أقيم في هذه الكلية مركز يديره الدكتور نعيم عرايدة. وكان لعرايدة ولطاقم العاملين في المركز الفضل الكبير في تنشيط الحركة الأدبية للأطفال وذلك لوعيهم التام بالنقص الشديد الموجود محليا في هذا الإطار. وهو: هل ما كتب لغاية الآن عندنا من أدب للأطفال وهو لا بأس به عدديا, يرتفع إلى مستوى الكتابة الصحيحة الناضجة, يستمد هذا السؤال شرعيته من أمرين: الأول وجود عدد من الكتب التي صدرت للأطفال حاليا. نحن نجد فعلا اليوم عددا لا بأس به من القصص التي كتبتها أقلام محلية. ونظرة طائرة سريعة إلى معظم ما نشر من هذه القصص تشي بأن معظمها لم يوفّق في الوصول الى المستوى المطلوب. صحيح ان هذا الانتاج جاء ليسد فراغا كبيرا, لذلك كتب على عجل, وصحيح ايضا ان بعضه اصاب بعض التوفيق. لكن هناك العديد من الاشياء التي يمكن ان تقال في هذا المجال. اما بالنسبة للامر الثاني فقد بتنا نشهد اليوم تهافتا من قبل الادباء المحليين على الكتابة للاطفال الأمر الذي يجعلنا نتساءل بصوت مرتفع: لماذا وما الدافع؟ وهل كل من يكتب للكبار يستطيع الكتابة للصغار أم أن الأمر يتطلب معرفة ودراسة ودراية وتدريبا؟! عن هذه الاسئلة سنحاول أن نجيب في هذا المقال السريع. من هنا فان الكتابة للصغار ليست أمرا سهلا كما يعتقد البعض, وحين أقول ان هذه الكتابة شاقة وعسيرة أقصد أن مثل هذه الكتابة لها أدواتها وشروطها وتعقيداتها, فاذا لم يكن الأديب قد وقف على كل ذلك قبل البدء, فهل وقف كتاب أدب الأطفال عندنا على كل ذلك؟ صحيح أننا بحاجة الى مثل هذا الأدب, ولكن الحاجة لا تعني أن يدلي كل من يعرف الكتابة بدلوه فيه, وكي تكون الكتابة للاطفال ناضجة نافعة في ان معا هناك العديد من الامور التي يتحتم على الكاتب معرفتها, والتي يشكل جهله لها عائقا امام كتابته. والوقوف على مفهومه ومحتوياته. اذ انه كما يعلم الجميع هو علم قائم بذاته يشمل جوانب كثيرة منها النفسية والتربوية والاجتماعية والفنية. فادب الاطفال كما يعرّفه الباحثون: " خبرة لغوية في شكل فني يبدعه الفنان خاصة للاطفال فيما بين الثانية والثانية عشرة, بحيث يعيشونه ويتفاعلون معه, فيمنحهم المتعة والتسلية ويدخل على قلوبهم البهجة والمرح, وهناك من يقول: " ان ادب الاطفال شكل من اشكال التعبير الادبي, له قواعده ومناهجه سواء منها ما يتصل بلغته وتوافقها مع قاموس الطفل ومع الحصيلة الاسلوبية للسن التي يؤلف لها او ما يتصل بمضمونه ومناسبته لكل مرحلة, ويشبع الحاسة الفنية ويروي التطلع للتناسق والجمال ويقوي نواحي التفكير وروح المعرفة ويحدد المثل العليا للسلوك الانساني ويبني في داخل الطفل الانسان". لذلك تاتي اهمية الكتابة لهم بطريقة صحيحة, فهم بحاجة اليوم اكثر من ذي قبل الى كاتب مبدع يخرج ما يكتبه من مادة الحياة نفسها, ومن مخزونها بعد ان يتفاعل بروحه وعواطفه. لكن الموهبة وحدها لا تكفي بل تحتاج الى رصيد من التجارب والخبرات والمعرفة التي تصقلها وتدربها, لذلك نجاح كاتب الاطفال مرهون بمقومات عديدة يلخصها عدد من الباحثين بما يلي: بناء على ما تقدم تصبح غاية ادب الاطفال ليس اذكاء الخيال فقط ولكنها تتعداه الى تزويدهم بالمعلومات العلمية والنظم السياسية والتقاليد الاجتماعية والعواطف الدينية والوطنية وتوسيع قاموس اللغة عندهم ومدهم بعادة التفكير المنظم ووصلهم بركب الثقافة والحضارة من حولهم في اطار مشوق ممتع واسلوب سهل جميل. وهكذا يصبح ادب الاطفال وسيلة من وسائل التعليم والمشاركة والتسلية وسبيلا الى التعايش الانساني بطريق معرفة السلوك المحمود واداة لتكوين العواطف السليمة للاطفال واسلوبا يكشف به الطفل عن مواطن الصواب والخطأ في المجتمع. وهكذا ايضا فان مهمة الاديب الذي يلج حقل الكتابة للاطفال لا تقف عند العرض والكشف بل مهمته تقوية ايمان الطفل بكل الايجابيات وحتى لا يخدع الطفل عليه ان يصور الخير والشر والظلم والاستغلال كما هي في المجتمع. وكل ما ذكر يؤدي الى مقولة تقول: " ان أدب الأطفال ليس عرضا للاخبار وليس للتسلية وقتل الوقت, وتنمية الاحساس بجمال الكلمة وقوة تأثيرها وفهم التطور البشري بطريقة أفضل والكشف عن سر الجمال والحقيقة وتهيئة الطفل بالتالي لان يقبل الحياة كما هي وان يعيشها الى أبعد أعماقها. واذا اضفنا قلة المرجعية العربية عامة والمحلية خاصة تزداد المشكلة تعقيدا وصعوبة. فهل ادباؤنا الذين ولجوا هذا الحقل ثقفوا انفسهم ودربوها على هذه المعارف والمهارات؟ ام انهم زجوا بانفسهم عشوائيا في هذا الحقل الشائك والشائق معا؟! فمن يقرأه- أغلبيته- ويتمعن فيه يجد انه يقصر في جوانب عديدة اما فنيا او تربويا او نفسيا, وهكذا بحيث يصبح من الصعوبة ان نعثر على عمل نقول معه اه لقد استجاب هذا العمل لكل المتطلبات ناهيك عن عملية النقل والتلخيص التي تجري عن لغات اخرى او عن كتب صدرت بالعربية في العالم العربي كما يرى بعض المطلعين على هذا الجانر. واخيرا الحاجة ماسة لادب اطفال محلي, فالمحفزات موجودة الى ذلك, ولكن يبقى ان يتدرب كتابنا على الكتابة للاطفال, فعليهم ان يفهموا ان مثل هذه الكتابة كي تاتي ناضجة نافعة ناجحة عليها ان توضع على نار هادئة بعد التثقف باصولها والوقوف على شروطها واتقان ادواتها.