واتفق له في يوم من الأيام أنه أخذ حاجة من رجل من الأعيان ثم باعها وصرف ثمنها وصار صاحبها يجيء إليه في كل يوم فلا يجده في الدكان لأنه إذا رآه عنده شيء يهرب منه عند الحلاق أبي صير فلما لم يجده ذلك الرجل في دكانه وأعياه ذلك ذهب إلى القاضي وأتاه برسول من طرفه وسمر باب الدكان بحضرة جماعة من المسلمين وختمه لأنه لم ير فيها غير بعض أواني مكسره ولم يجد فيها شيئا يقوم مقام حاجته ثم أخذ الړسول المفتاح وقال للجيران قولوا له يجيء بحاجة هذا الرجل ويأتي ليأخذ مفتاح دكانه ثم ذهب الرجل والړسول إلى حالهما فقال أبو صير لأبي قير ويحك فإن كل من جاء لك بحاجة تختفي عندك أين راح متاع هذا الرجل قال يا جاري لقد سړق مني!!! قال أبو صير أمرك عجيب كل من أعطاك حاجة يسرقها منك لص هل يعقل هذا ولكن أظن أنك تكذب فأخبرني بقصتك يا جاري !!!فأجاب لم يسرق مني شيء !!! فقال له من أين لك ذلك أجابه صديقه من فيض الله تعالى فأراد أن يأكل فقال له أبو صير لا تأكل يا أخي من هذا واتركه ينفعنا في وقت آخر واعلم أني حلقت للقبطان وشكوت إليه قلة الزاد فقال لي مرحبا بك هات رفيقك كل ليلة وتعشيا عندي فأول عشاءنا عند القبطان في هذه الليلة فقال له أبو صير أنا مريض من البحر ولا أقدر أن أقوم من مكاني فدعني أتعشى من الطعام الذي قربي ورح أنت وحدك عند القبطان فقال له لا بأس بذلك ثم جلس يتفرج عليه وهو يأكل فرآه يقطع اللقمة كما يقطع الحجارة من الجبل ويبتلعها ابتلاع الغول الذي له أيام ما أكل وإذا پنوتي جاء وقال يا أسطى يقول لك القبطان هات رفيقك وتعال للعشاء . جاء له شيء يعطيه لأبي قير وأبو قير يأكل ويشرب وهو قاعد لا يقوم إلا لإزاله الضرورة وكل ليلة يأتي له بصحن ملآن من عند القبطان واستمر على هذه الحالة عشرين يوما حق رست السفينة على مدينة فطلعا ودخلا وتجولا داخلها ثم إكتريا لهما حجرة في خان وفرشها أبو صير واشترى جميع ما يحتاجان إليه وجاء بلحم وطبخه وأبو قير نائم ولم يستيقظ حتى أيقظه أبو صير ووضع السفرة بين يديه فلما أفاق أكل. وبعد ذلك قال له لا تؤاخذني فأني مريض ثم نام واستمر على هذه الحالة أربعين يوما وكل يوم يحمل الحلاق العدة ويدور في المدينة فيعمل بالذي فيه النصيب ويرجع فيجد أبا قير متكئا فينبهه وحين ينتبه يقبل على الأكل بلهفة فيأكل حتى يشبع ثم يعود للراحة ولم يزل كذلك مدة أربعين يوما أخړى وكلما يقول له أبو أني مريض فلا يرضي أبو صير أن يكدر خاطره ولا يسمع كلمة تؤذيه وفي اليوم الحادي والأربعين مرض الحلاق ولم يقدر على الخروج فطلب من بواب الخان أن يأتي لهما بما يأكلان وأبو قير يأكل ولا يستحي وبقي بواب الخان يقضي حاجتهما مدة أربعة أيام. ولما فرغ من صباغ قماش الملك أخذه وطلع به إلى الديوان فلما رأى الملك ذلك فرح به وأنعم عليه إنعاما زائدا وصار جميع العسكر يأتون إليه بالقماش ويقولون له اصبغ لنا هكذا فيصبغ لهم على أغراضهم ويرمون عليه بالذهب والفضة ثم أنه شاع ذكره وسميت مصبغته مصبغة السلطان ودخل عليه الخير من كل باب أما بقية الصباغين فقل دخلهم لم يقدر أحد منهم أن ينافسه فأفلسوا الواحد تلو الآخر ثم جاءوه وعرضوا أنفسهم عليه وقالوا له اجعلنا خدما عندك فلم يرض أن يقبل أحدا منهم وصار عنده عبيد وجواري وجمع مالا كثيرا. قال الملك وكيف ستدبر أمرك أجاب اجعل الأجرة بالمروءة فكل من يقدر على شيء سمحت به نفسه يعطيه فنأخذ من كل إنسان على قدر حاله فإن الأمر إذا كان كذلك تأتي إلينا الخلائق والذي يكون غنيا يعطي على قدر مقامه والذي يكون فقيرا يعطي على قدر ما تسمح به نفسه وبذلك يدور الحمام ويبقى له شأن عظيم!!! قال الملك لأكابر دولته هذا الرجل ڠريب وإكرامه واجب علينا فإنه عمل في مدينتنا هذا الحمام الذي عمرنا ما رأينا مثله ولا تزينت مدينتنا وصار لها شأن إلا به فإذا أكرمناه بزيادة الأجرة ما هو كثير عليهو كل منكم يعطيه في هذه المرة مائة دينار ومملوكا وجارية وعبد فقالوا نعم نعطيه ذلك وكان عدد الأكابر الذين اغتسلوا مع الملك في هذا اليوم أربعمائة نفس فصار جملة ما أعطوه من الدنانير أربعين ألف دينار ومن المماليك أربعمائة مملوك ومن العبيد أربعمائة عبد من الجواري أربعمائة جارية وأعطاه الملك عشرة آلاف دينار وعشر جوار وعشرة عبيد وأصبح له مال عظيم . فتقدم أبو صير وقبل الأرض بين أيادي الملك وقال له أيها الملك السعيد ماذا سأفعل بكل هؤلاء المماليك والجواري والعبيد فقال له الملك أنا ما أمرت الأكابر بذلك إلا لأجل أن نجمع لك ما ييسر لك حياتك لأنك ربما فكرت في بلادك وعيالك واشتقت إليهم وأردت السفر إلى وطنك فتكون أخذت من بلادنا خيرا كثيرا تستعين به على أمرك في بلادك.