لئن كان ظهور نازك الملائكة عام 1947 وكسرها لعمود الفحولة يمثل دلالة ثقافية عن فتاة يافعة تقتحم النسق الفحولي وتحطمه وتؤسس مع السياب حركة جديدة ومختلفة في ثقافتنا ولأول مرة، إذ كان ظهور نزار قباني في العام نفسه هو الجواب الرادع على حالة التمرد النسقي في مشروع الحداثة الغض وقت ذاك. ولكي نتصور الأمر لنعد إلى نزار قباني في أول ظهوره مع ديوانه طفولة نهد، هذا كلام يقوله نزار عام 1947، عام ظهور حركة الشعر الحر، وينقل بعد ذلك كلمة كروتشه، وهي كلمة تتضمن قانون الفحولة التالي: هذه مقولات تتصدر مشروع نزار قباني الشعري، مع شيء غير قليل من العمى الثقافي فينا وفي وعينا النقدي. وهي أنساق ثقافية متجذرة وظلت تمر من دون نقد حتى شكلت أساسا ثقافيا وذهنيا ظل يعاود الظهور ويزيف المشاريع الإبداعية، وكل حالة خروج عن النسق يجري حرفها إلى المسار النسقي وإدخالها إلى بيت الطاعة بفضل جهود مغرية كشعر نزار قباني، بما يتحلى به من جمالية راقية ومن أناقة لغوية متفردة، ومعها جماهيرية واسعة لدى القراء والقارئات العرب. غير أن تحت الجماليات عيوبا نسقية فاحشة وخطرة، والجميل يحمل المعنيين معا: الجمال، كما هو المعني العربي للكلمة. وبما أن نزار فحل يرث أسلافه من الفحول فإنه سيضع نفسه في الموضع المتعالي، أليس يقول إن الشاعر هو الإنسان/الإله، بما أنه يحمل هذا الموروث الفحولي بكامل نسقيته فإنه حتما سيتمثل هذه الفحولية شعريا، وها هو ينصب نفسه مانحا عبيده القراء والقارئات لجنات هي جناته ولنيران هي نيرانه، ثم يتصاعد به الموقف إلى لحظة التوحد التام مع الذات عابدة/معبودة: ولعل عيب ثقافتنا هو في إصرارها على التعامل مع الأوهام بوصفها مبالغات شعرية، وذنوب شعري كلها مغفورة والله جل جلالـه التــواب هذه الذنوب لا يغفرها نزار لنفسه بل إن الثقافة ذاتها اتخذت لنفسها قاعدة متعالية بتجاوز أخطاء الفحول وغفرانها لهم، كما أشرنا من قبل، ذاك ما يبرر التنمذج النسقي ويعزز مفهوم التسلط والتعالي الفردي ويدفع إلى طغيان الذات المفردة، وهي قيم خلقها وعززها النموذج الفحولي الشعري، وصارت قاعدة مسلكين لكل نماذج التسلط والفردية الاجتماعية والسياسية، بما إن الشعر هو الوجدان العربي، ومن ثم فإن نماذجه هي ما يرسم القيم السلوكية الاجتماعية، من تحت غطاء التبرير البلاغي لكل أخطاء وعيوب اللغة الشعرية مما شعرن كل مظاهر حياتنا من غير أن نعي ذلك. ولم يكن الأمر مقتصرا على الشعر وجمالياته، بل إن المجاز الشعري تحول مع الزمن ليكون قيمة اجتماعية مسلكية، وهو إحدى الخلاصات الثقافية للنسق الفحولي، ويعزز ذلك جماهيرية نزار مما يعني توافقه مع الحس الوجداني العام للثقافة، ولقد تجلت فحولية نزار عبر خطابه الذاتي الذي يخاطب فيه نفسه أكثر من مخاطبته للآخر، ومن أجل استقراء سيرة هذا الخطاب نقف عند اقتباسات جوهرية من كلمات قباني ومقولاته. على أننا نحتفظ دائما بفكرة أساسية وهي أن هذه الفحولية ليست من إنتاج نزار قباني بقدر ما هي موروث ثقافي استلهمه نزار وانساق وراءه، خاصة نحن جيل نزار وقراءه المباشرين الذي صفقنا له وتجمهرنا من حوله وصرنا معه مساهمين في صناعة النسق وترسيخه، بما إن النسق الفحولي الشعري هو ذاتي نسق الطاغية الاجتماعي والسياسي، كما قلنا من قبل ونزيد في القول. إن الوقوف على سيرة الخطاب النزاري عبر التقاط اقتباسات دالة من مقولاته تكشف لنا عن سياسة الثقافة التي يؤسس لها هذا النوع من الأدب الجماهيري، إذ إن الجماهيرية مرتبطة بالنوازع النسقية مما يعني أن شعر نزار هو ما سيكشف لنا عن المضمر النسقي للثقافة العربية بوصفه شاهدا عليها وعلينا وعلى نفسه. وها هو يقول عن نفسه بتصديق ذاتي مفرط: “أنا مؤسس أول جمهورية شعرية، ولكن المهم هو حدوث الدعوى بذاتها وانتشاء (الأنا) بجمهوريتها المزعومة وبمواطنيها من النساء مذ كانت الفحولة الشعرية هي المبدأ المحرك لشهوة الإبداع عند الشاعر. وبما إن الجمهورية هي جمهورية الفحل، ويبدأ مشروع الفحل في تحويل العالم إلى جمهورية نسائية تخضع للاستفحال، يبدأ عبر انتهاك عذرية اللغة وفضها من قبل الشاعر الفحل، وعبر معاشرة الشاعر الفحل لها تتحول اللغة إلى أميرة أو إلى خادمة. هنا يظهر الشاعر بوصفه أمير الكلام، وهذه هي أخطاؤه التي يصفها بالأخطاء الجميلة، ويؤكد ذلك بقوله: “إنها أخطاء جميلة لأنني جين أستعرضها بعد أربعين سنة من ارتكابها أجدها رائعا حقا”. وهي مشروع طويل الأمد احتاج إلى أربعين سنة من البنية والتخطيط والانتشاء الفحولي بالنتائج مع الإصرار على الخطأ رغم وعيه به، إن الشاعر هنا يقدم بإصرار وتعمد على استنبات مفهوم (الفحل) بخصائـصه الفحولية المتعالية. ولن تكتمل هذه الفحولة إلا بإلغاء الآخر وإعلان وحدانية الذات، وهذا هو الوجه الآخر لصورة الفحل. يقول نزار قباني في ذلك: “إنني لا أقيس نفسي بأحد. هذا هو علقمة الفحل الذي لا يرى أحدا غيره، ولذا فكر بإيجاد (قوة ردع أدبية) تلقي القبض على خصومه بتهمة الزنى بالكلمات والقذف العلني لسيدهم الشاعر/الفحل. كما يقول فحل آخر سنراه بعد قليل، وويل لمن لمس الفحل أو تحرش به فعداوته بئس المقتنى، كما هي قاعدة أي فحل سلطوي. فإننا نسأل عن جمهوريته التي ادعى تأسيسها، وبعد ذلك يتولى الشاعر طرد الآخرين من جمهوريته الخاصة به وحده دون سواه. هذه الجمهورية المحروسة بقوة الردع الأدبية التي تحمي حمى السيد الشاعر وتمنحه حق القول والفعل، أما من عداه فهم رعايا وخدم وجوار، هذا هو برنامج السيد الشاعر رئيس الجمهورية بوصفه الأب الرمزي الذي لا يصير فحلا إلا عبر تأنيث ما عداه، بمعنى أن هذه الفحولة –كما هو شأنها أبدا- ترى التأنيث نقصا ودونية وكائنا مسكينا تحتاج إلى الشاعر/الأب لكي يرعاها ويتكلم نيابة عنها –كما سنرى في الفقرة التالية-.