من ظواهر العولمة الأولى: بروز النظام الرأسمالي كقوة جبارة، لا سيما مع تفكك المنظومة الاشتراكية . الثانية: قيام ثورة علمية تكنولوجية تكاد تحقق نقلة معرفية وإنتاجية جديدة. وهي ظواهر متداخلة، أتاح الفرصة للحديث عن نموذج واحد مؤهل لقيادة العالم، وتعميم تجربته وثقافته على العالم، ولقيت أطروحات أحادية الجانب مثل نبوءة « فرنسيس فوكوياما » حول نهاية التاريخ «End of History» رواجا منقطع النظير، نهاية التاريخ. وفتحت الأسواق مشرعة أمام حركة التبادل التجارية والعلمية . وتباين توزيع الفرص، ومشكلات التخلف والتبعية، حتى هـذه يتم تدويلها وعولمتها، ولا تتوقف عند محطة واحدة من العالم، رغم الاجتماعات والمؤتمرات التي تعقد على مستويات عالمية من أجل إيجاد منهجية موحدة للتعامل مع هـذه المشكلات، أو مؤتمر كوبنهاجن حول المشكلات الاجتماعية، فلا تزال أعداد العاطلين عن العمل تتضاعف . [2] [ ص: 116 ] وقد وجدنا بعض مشكلات الدول الصناعية قد انتقلت إلى بلادنا العربية والإسلامية رغم أنها مشكلات صناعية، ومن المفترض أن نكون في منأى عنها، وبدأت تعصف بكل الدول المتأثرة برياح العولمة. على النمو والإنتاج، مضيفة إلى فقره فقرا، وإلى ضعفه ضعفا، وخلق نسخ مكررة [ ص: 117 ] واستهلاكية ذات نمط استهلاكي عال يغذي الحركة الرأسمالية الوحشية، وفي الـوقـت نفـسه تسعى الحركة إلى تهميش كل مـن لا يستطيع أن يتماشى مع النظام والخضوع له. والنتيجة أن عدد المهمشين سوف يزداد بالتدريج وبشكل متسارع، حيث تزيد الرأسمالية من قدرتها على التخلص من أعداد كبيرة من البشر كل عام بإلقائهم في سلة مهملات البطالة. في أشد البلدان فقرا، وكما يخلص التقرير، الذي يتسم بانكماش الزمن وانكماش المكان واختفاء الحدود، تنتشر المساوئ العالمية على نطاق غير مسبوق وبسرعة غير مسبوقة» . ولا تتضمن مناهجنا التعليمية أية إجابات نموذجية لأسئلة العصر الراهنة. بمعنى أننا لم نتعلم، أو كيف نواجه الشك والتعقيد العالمي؟ وكيف يجب أن تكون العلاقة بين المخزون المعرفي، ومتطلبات العصر المتباينة؟ وما هـي الخيارات المفترضة والمساحات المفتوحة أمامنا؟ ومن أين تبدأ الحركة نحو المستقبل؟ ولذلك يقول الباحث « أحمد شهاب » [7] :«إن ما نمتلكه من مناهج تعليمية وتربوية لا تمنحنا الكثير من الخبرة والقدرة على التعامل مع حركة التغيير الاجتماعي المتسارع، بما يخلق دائما تناقضات بين الأصالة والمعاصرة، وهي وإن كانت تغييرات وتحديات علمية واجتماعية، إلا أن التخلف عن مواكبتها يحولها إلى مشكلات [ ص: 119 ] بالغة التعقيد. وتستند هـذه الثورة إلى إنتاج العقل البشري المتدفق واللانهائي من الأفكار والمعلومات والمعرفة المكثفة. وبخاصة في مجالات الاتصال والمعلومات والفضاء والحاسب الآلي بأجياله المختلفة والإلكترونيات الدقيقة والهندسة الـوراثـيـة. ولا شك في أن الثورة الصناعية الثالثة وما يرتبط بها من تحولات وتطورات إنما تمثل عنصرا هـاما لإعادة تعريف عناصر القوة والتأثير، سواء بالنسبة للدول أو بالنسبة للقوى والكيانات الأخرى [ ص: 120 ] من غير الدول، إلخ، ونظرا لأن هـذه الدول الصناعية المتقدمة والشركات العالمية العابرة لحدود الدول هـي التي تتحكم بدرجات متفاوتة وأشكال مختلفة في مسارات هـذه الثورة واتجاهاتها، فالمؤكد أنها أسهمت، وتسهم في تعميق الهوة بين الشمال والجنوب، وبخاصة في ظل ضعف قدرات وإمكانيات هـذه الدول على استيعاب هـذه الثورة أو الاستفادة منها أو التكيف مع مخرجاتها . [9] وبالإضافة إلى ما سبق، فإن الثورة الصناعية الثالثة قد أدت، وتؤدي إلى إعادة تشكيل خريطة العلاقات والتوازنات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، سواء في مجال الإعلام والمعلومات والاتصالات، والذي لم يعد بمقدور أية دولة في العالم أن تمنعه. ومن المعروف أن هـناك دولا وشركات إعلامية ضخمة وشبكات معلوماتية عملاقة تقف خلف عملية التدفق الإعلامي هـذه. وتشير دراسة في هـذا المقام إلى دور شبكة الـ (C. N.N) التي اعتبرها الدكتور بطرس غالي ، الأمين العام للأمم المتحدة السابق، بمثابة العضو السادس عشر في مجلس الأمن. إلخ، وجديـر بالذكـر أن ثـورة المعلومات والاتصـالات قـد أعـادت تعـريـف مفهـوم القـوة، حيـث أصبح امتلاك المعلومات وامتلاك التقنيات والأساليب الملائمة للتعامل معها بفاعلية، [11] وتتمثل أبرز مظاهر العولمة في مجالات الاقتصاد والمال في زيادة حركة تدفق السلع والخدمات ورءوس الأموال والتكنولوجيا بين الدول، وتصاعد دور الشركات متعددة الجنسيات في توجيه مسارات الاقتصاد العالمي، وبخاصة في ظل اتجاه بعض الشركات نحو الاندماج والتكتل لخلق كيانات أكبر، ومن مظاهر العولمة أيضا، اتساع نطاق الثورة الـمالية العالـمية وما ارتبط بها من كثافة وسرعة في التدفقات المالية عبر حدود الدول، وبخـاصة في ظل زيادة استخدام ما يعـرف بـ « النقـود الإلكترونيـة » في التعاملات المالية. وقد جاءت أزمة أسواق المال الآسيوية في عام 1997م وما ترتب عليها من تأثيرات سلبية مباشرة وغير مباشرة على الأوضاع المالية والاقتصادية في عديد من دول العالم، [ ص: 123 ] والتكتلات الاقتصادية في الاقتصاد العالمي، كل ذلك وغيره يسهم في تكريس ظاهرة العولمة على الصعيد الاقتصادي . [12] وهو ما يعني به الـمؤلفان انهيار الدولة الـمتماسكة والاستقرار الديمقراطي. أما في المجالات الاجتماعية والثقافية، فإن مظاهر العولمة تتجلى في انتشار بعض أنماط القيم والسلوكيات الغربية بصفة عامة [ ص: 124 ] والأمريكية بصفة خاصة، وبالذات فيما يتعلق بالمأكل والملبس والترفيه. وقد أثيرت في هـذا الإطار أطروحات عديدة، وهناك جدل واسع حول الأطروحتين، ولكن بغض النظر عن كل ذلك، فالمؤكد أن هـناك أنماطا من القيم والسلوكيات الغربية التي تزداد انتشارا خارج الدوائر الثقافية والحضارية التي أفرزتها، والتي تتحكم فيها دول وشبكات وشركات غربية، في إحياء الانتماءات الأولية والتحتية لبعض القوى والجماعات في العديد من دول الجنوب، مـما جعلها أكثر تشبثا بهوياتها الذاتية . [14] وإخفاق نظمها السياسية في حل مشكلات الاندماج السياسي والاجتماعي، حين يتناول بالدراسة مفهوم العولمة يـؤكد على أنها ليست ظاهرة فقهية تختلف من حولها الآراء، بل قديمة قدم التاريخ، وأنها شكل من أشكـال الاستعمار الـجديد، وهذا أيضا ما يشاركه به محمد عابد الجابري وعبد الإله بلقزيز وكثيرون . [15] كما يؤكد الدكتور حسن حنفي في مؤلفه عن العولمة [16] على [ ص: 126 ] رغبة الشمال في السيطرة على الجنوب، وفي النتيجة، هـي الماركة المسجلة والاسم الحركي للأمركة ، التي هـي التعبير عن مركزية غربية دفينة في الهيمنة على العالم. ومن هـنـا فالعولـمة في نظـره على الضـد من الدولة الوطـنيـة، وما دعوات الديمقراطية الغربية وحقوق الإنسان والأقليات وحرية المرأة و«دعوى» حق التعبير إلا أحصنة طروادة جديدة، فهي كلمات حق يراد بها باطل، وشعارات تخفي أغراضا بعيدة، ليس من بينها مصلحة الشعوب المغلوبة على أمرها، مثل شعوب العالمين العربي والإسلامي. على صعيد عالمي من خلال السعي المشترك إلى تكوين قطب ثان خارج المركز الغربي، وعلى صعيد وطني من خلال التأكيد على أهمية المسألة الثقافية العربية ودورها في حماية الأمة، ومن خلال إبداع مفاهيم جديدة من داخلنا، لا تستهلك المفاهيم الغربية ولا تعيد إنتاجها. [ ص: 127 ] أما الدكتور العظم فهو في المقابل يسعى إلى تطوير مدخل ثقافي إلى فهم العولمة، لكنه لا يفلح في ذلك عندما يخلط بين العالمية الثقافية كما تجسدها كتابات إدوارد سعيد «الاستشراق» وفرانسيس فوكوياما «نهاية التاريخ والإنسان الأخير» وصموئيل هـنتغتون «صراع الحضارات» وبين العولمة. لكنه عاد ليدبج لنا خطابا مطولا عن العولمة يستعير معظم دوافع التعبير عن نفسه من لغة نضالية أيديولوجية ، باستثناء استعراضه السريع وتهجمه على أفكار بعض المثقفين العرب وسخريته منهم، وهو بهذا يثبت لنا من جديد أن قطاره يأبى إلا السير على قضيب واحد، [ ص: 128 ] ولكن كل هـذا النقد للعولمة، من وضع البشر، وتصير العولمة وفقا لهذه النظرية، وليست العولـمـة أيضـا شـرا أو خيـرا بحد ذاتها، ولا هـي وسيـلة مؤكدة للحداثة أو الهيمنة والتنميط الثقافي أو العدوان وما شاكل، رغم أنها قد تكون كذلك،