‎ تزاحم المصابين بفيروس كورونا المستجد على المستشفيات والموارد الطبية فكلنا نعلم أنه قد كثر عدد المصابين بفيروس كورونا المستجد (19-COVID) في بعض البلدان الأوروبية والأجنبية مما أدى إلى تزاحم المرضى على المستشفيات فباتت لا تستوعب هذه الأعداد الهائلة من المرضى، أو تركهم لمواجهة المرض تطبيقا لسياسة مناعة القطيع. وهنا نتساءل: هل هذه الممارسات صحيحة ؟ هل تستند إلى معايير وأخلاقيات طبية وإنسانية ؟ وما الضوابط الشرعية التي يستند عليها ؟ ومن هنا كان لابد من بيان أهم الضوابط والمرجحات الشرعية المبنية على مقاصد الشريعة وفقه الأولويات والموازنات وإسقاطها على واقع التزاحم. الفرع الأول مفهوم التزاحم لغة : من زحم زَحْمًا وزحامًا، والمقصود بالتزاحم هنا : هو تدافع المرضى بفيروس كورونا المستجد بأعداد كبيرة على المستشفيات لتلقى العلاج فتفوق الأعداد طاقتها الاستيعابية. الفرع الثاني أولويات علاج المصابين بفيروس كورونا المستجد حال التزاحم أولاً: المبادئ العامة : عند تزاحم المرضى المصابين بفيروس كورونا المستجد وقبل البدء بالمفاضلة بينهم في وحفظ النفس مقدم عند التعارض، وأمر بإنقاذها بالوقاية من الأمراض والأسقام قبل حدوثها وبالتداوي بعد حدوثها لقوله ﷺ : «تَدَاوَوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءٌ ، غَيْرَ دَاءِ وَاحِدِ الْهَرَمُ» (۲) فيحق لجهات الاختصاص إلزام الناس بعلاجات معينة، ٢- تطبيق مبدأ العدل وإنزال حكم الله على أرض الواقع لقوله تعالى : ﴿وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ (النساء : ٥٨ ) . من أجل الوفاء بمقصد حفظ النفس فهو مناط الحكم الشرعي ، فلا نفرق بين الناس فلا عبرة بالصغر والكبر، ولا بالمناصب الدنيوية والدينية ولا بالجنسية والمميزات الذاتية الأخرى وإلا وقعنا في الظلم، ثانياً : الضوابط والمرجحات الخاصة القائمة على المصلحة : قرر الفقهاء أنه لا يقدم أحد على أحد عند التزاحم على الحقوق إلا بمرجح () ، مع التزامهم بالمعايير الطبية والأخلاقية؛ وهي كالآتي : الأول : الأسبقية: فالسبق الزماني والمكاني له تأثير في الأولوية عند التزاحم حيث قال : «لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ الرّجُلَ مِنْ مَقْعَدِهِ، الثاني: شدة الاحتياج: فمن اشتدت حاجته إلى العلاج أو احتاج إلى جهاز تنفس صناعي وغيره من العلاجات الملحة يرجح على غيره من المرضى الأقل حاجة؛ فالأكثر حاجة مقدم على الأقل حاجة (1) وهو من باب ترجيح أعلى المصلحتين ودفع أعلى الضررين (۹) ، قال العز بن عبد السلام: «فِيمَا يُقَدَّمُ مِنْ حُقُوقِ بَعْضِ الْعِبَادِ عَلَى بَعْضٍ : التَّقْدِيمُ بِالْحَاجَةِ الْمَاسَّةِ عَلَى مَا دُونَهَا مِنْ الْحَاجَاتِ (۱۱). الثالث : زيادة رجاء الحياة بسبب العلاج : فيرجح من كانت حياته أرجى على من لا تُرجى حياته إذا قدم له العلاج، وكذا على من يستطيع الاستمرار في الحياة دون تدخل وعلاج ضروري، قال العز بن عبد السلام ‎. تقديم ذوي الضرورات على ذوي الحاجات . ‎الخامس: فإذا عدمت المرجحات أو تساوت يقرع بينهم. فقد وقعت القرعة على سيدنا يونس - عليه السلام - وشرع وقال : «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن ‎يستهموا عليه لاستهموا عليه (٢) . ‎الصورة الأولى: أن تتساوى حالات المرضى من حيث الحاجة والمرض والسن فيقدم من له السبق الزماني والمكاني على غيره ، ولا يجوز أن يأخذ المريض اللاحق مكان فيُقاس على من صلى الظهر عاقلاً ثم خوطب في العصر مجنونا مستدلين بقاعدة : تحصيل أعظم ‎المصلحتين بتفويت أدناهما (٤) . وهذا يتنافى مع مبادئ الإسلام الذي يأمر بالعدل وعدم التفرقة، فلا عبرة بالصغر والكبر، والغنى والفقر، ولا بالمناصب الدنيوية والدينية، ولا بالجنسية والمميزات الذاتية الأخرى. لأنه أولى من غيره الذي هو أقل حاجة منه وإن كان يتحمل المشقة والألم ؛ لأن مصلحة دفع الضرر عن البدن بعدم الألم والمشقة ملغية ولا يلتفت إليها مقابل من يخاف على موته أو هلاكه؛ إعمالاً لقاعدة الأكثر حاجة مقدم على الأقل حاجة (1)، جاز إيقاف العلاج عن المريض السابق لأجل المريض اللاحق الذي هو أحوج قياسًا على تقديم الأحوج مع التساوي في الحضور بشروط يجب أن تتحقق جميعها (۳) : 1. . أن لا يؤدي إيقاف العلاج إلى وفاته أو تضرره ضررًا شديدًا يخل بمقصد حفظ النفس . القاعدة العمل بكل منهما من وجه أولى من العمل بالراجح من كل وجه وترك الآخر (٤). فيقدم ومن في مثله على غيره؛ ‎بتفويت أدناهما (1) واحتمال الضرر الخاص لدفع الضرر العام (۲) ، ‎الصورة الرابعة : أن يكون أحدهما قد حكم عليه بالإعدام ‎اختلف الفقهاء المعاصرون في هذه المسألة حيث ذهبت اللجنة الدائمة للإفتاء بمجمع ‎فقهاء الشريعة بأمريكا إلى أن من حكم عليه بالإعدام حكمًا نافذا يقدم عليه غيره ممن هو فلا يسوى بين مختلفين (٥) ، أما الشيخ السريري ‎فقد ذهب إلى أن الإعدام لا يعد سببًا من أسباب ترك العلاج، فقد يكون مظلومًا فيكون تقديم ‎المريض الآخر عليه من باب الظلم بعد ظلم (1) . وإلا لا يجوز أن يقدم ‎المريض اللاحق على من حكم عليه بالإعدام ؛ لأنه من باب الظلم كما تقدم، لأن حفظ نفسين أولى من حفظ نفس واحدة (۷). أو حصل التدافع والعنف فلم ‎الحالة الأولى : ألا تظهر على المريض السابق فائدة جهاز التنفس، ولكن مازالت حياته ‎مستمرة ومستقرة تحت الجهاز، فهو يحتاج إليه من باب الاحتياط، لصالح المريض اللاحق الذي يتحقق موته بعدم العلاج بهذا الجهاز وتشتد حاجته إليه تطبيقاً لمرجح شدة الاحتياج ولتحقق بقاء حياة الأسبق، وغلبة السلامة (۱) بعد الإزالة فالأكثر مصلحة أولى بالاعتبار من ‎الأقل مصلحة (٢) ، وما يخشى فواته مقدم على ما لا يخشى فواته (۳). لكن لا يزال القلب ينبض والنفس مستمراً عن طريق ‎جهاز التنفس، وأن إزالته يؤدي إلى موته ،