الأحكام الصادرة عن التحكيمالتحكيم يعتبر من أهم طرق حل المنازعات المدنية والتجارية في الوقت الراهن على الصعيدين الوطني والدولي، لما يتميز به من السرعة في فض المنازعات، والكلفة الغير مبالغ فيها والتخصص المطلوب في هيئة التحكيم.المطلب الأول: تعريف التحكيميعتبر التحكيم نظام موازي وبديل عن القضاء في فض النزاعات بين الأفراد سواء في المسائل المدنية أو التجارية، وهو عادة ما يلجأ اليه الأطراف في القضايا الدولية لاتسامه بالسرعة وهروبا من القضاء الذي يمكن أن يكون في صالح أحد الأطراف إذا كان ضابط الاسناد يخدم مصلحته.والتحكيم ليس حديث النشأة بل له أصل حتى قبل الإسلام حيث كان الرسول صلى الله عليه وسلم قبل البعثة حكما بين القبائل العربية في مكة في حول من هو مؤهل لوضع الحجر الأسود في مكانه عندما أعادوا بناء الكعبة. واقترح عليهم حلا ارتضوه جميعا ونفذوه وبذلك خرجوا من الخلاف.وتجدر الإشارة الى أنه في القانون لا يجوز التحكيم الا في المسائل التي لا بجوز فيها الصلح حيث لا يجوز الصلح في المسائل المتعلقة بالأحوال الشخصية أو المتعلقة بالجرائم. وأكثر المسائل التي يكون فيها للتحكيم نصيب الأسد هي النزاعات التجارية.ان خصوصية العلاقات التجارية الدولية هي ليست مصدرا فحسب لقواعد تشريعية أو لمعاهدات خاصة، ولمبادئ مؤسسة في التحكيم أو في منظمات دولية.١) فالفضل الأكبر الذي عرف به التحكيم وانتشر، يعود الى التجارة الدولية، واختلاف التشريعات والأفراد والسرعة التي تقتضيها المعاملات التجارية لفض المنازعات في أوقات قياسية تناسب مع الحركية التجارية، اللجوء الى التحكيم.وعلى الرغم بالقول إن التحكيم فيه حرية كبيرة لأطراف النزاع أكثر منها أمام القضاء العدلي الا أنه محدد حيث أنه أمام المحكم سيؤخذ في الاعتبار مستقبل العلاقات التعاقدية الكائنة بين الأطراف في النزاع.والتحكيم هو تولية الخصمين محكما مختارا يحكم بينهما في علاقتهما الخاصة، والتحكيم هو طريقة يختارها الأطراف لفض المنازعات التي تنشأ عن العقد بطرح النزاع والبت فيه أمام شخص أو أكثر يطلق عليه اسم المحكم، ويكون ذلك دون اللجوء الى القضاء. فالتحكيم إذا هو مؤسسة(١) عن طريقها يتم فصل النزاع، فهو القضاء المختار كوسيلة ناجحة لفض المنازعات في مجال القانون الخاص عندما يختار أطراف علاقة تعاقدية بعض الأشخاص ليحكموا ويفصلوا في نزاع فعلي يقوم بينهم أو في نزاع من المحتمل أن يقوم بينهم في المستقبل بشأنوالتحكيم الذي سنعالجه هو التحكيم المتعلق بالقانون الدولي الخاص وبذلك يخرج من دائرة معالجتنا لموضوعات التحكيم في المنازعات الدولية وفقا للقانون الدولي العام.فالتحكيم يمكن أن يعتبر دولي عندما يحتوي روابط أو نقاط تواصل مع أكثرمن نظام قانوني بمعنى أنه يحتوي عنصرا أجنبيا أو أكثر.فالتحكيم في القانون الدولي الخاص قد يرد في اتفاق خاص، عندما يبرم به عقد خاص يسمى عقد التحكيم، وقد ينص عليه كبند من بنود العقد الذي ينظم رابطة تعاقدية معينة بين المتعاقدين بحيث يعتمد شرط التحكيم هذا كلما نشأ نزاع بشأن تنفيذ العقد الوارد فيه، فيسمى في هذه الحالة بشرط التحكيم.وقد لا يوجد عقد التحكيم ولا شرط التحكيم وينشأ نزاع معين في رابطة تعاقدية بين المتعاقدين فيتفق الخصوم بمناسبة نشوب هذا النزاع على حله بطريقة لتحكيم، فيسمى في هذه الحالة بمشارطة التحكيم. فالخبرة تعني إعطاء الرأي في مسألة استنادا الى خبرة الخبير، وكذلك يختلف التحكيم عن التوفيق والوساطة من حيث أن قرار المحكم ملزم اطراف النزاع، بينما رأي مندوب التوفيق أو الوسيط غير ملزم لأطراف النزاع،ومن أهم أسباب لجوء أطراف النزاع الى التحكيم لحل منازعاتهم الخاصة في روابطهم التعاقدية هو تأمين السرعة في الإجراءات وتجنب عرض خلافاتهم على محاكم دولة الطرف الآخر لحسمها، لما في ذلك من تحمل للرسوم والنفقات الباهظة واستغراق الوقت الطويل وعدم الثقة بالنظام القضائي لدولة الطرف المتعاقد الآخر. يضاف الى ذلك أن الأطراف في التحكيم يختارون الشخص أو الأشخاص الذين يثقون بهم ويطمئنون الى حكمهم ويرتضون بقراراتهم ويكونون عادة من أهل الخبرة والاختصاص في موضوع النزاع الناشب بينهم، خاصة أن هيئة التحكيم سوف تطبق على النزاع أحكام القانون المختار وتحقق العدالة.المطلب الثاني: ماهية قرار التحكيم الأجنبياختلف الشراح حول طبيعة قرار التحكيم الأجنبي وقوته القانونية، حيث يرى بعضهم أنه بمثابة الحكم القضائي الأجنبي، لأن الحكم المختار لا يسعى في قراره لتحقيق مصلحة الطرف الذي اختاره فحسب، بل يسعى لتحقيق مصلحة جميع أطراف النزاع ويتصرف بوجدان وقناعة وحياد القاضي، ويصدر حكمه بأسباب مبررة قانونية، ولذلك تكون لحكمه قوة حكم القاضي النظامي، فيتبع بشأن الاعتراف به وتنفيذه نفس إجراءات الاعتراف بالحكم القضائي الأجنبي، وهذا ما أخذت به قوانين بعض الدول،فمما لا شك فيه أن نظام التحكيم كوسيلة لحل المنازعات أصبح من الوسائل الناجعة والمنتشرة في نطاق المنازعات التجارية والمدنية، ويعد التنفيذ من أهم مراحل عملية التحكيم إذ هو ثمرته ونتيجته وغاية المختصمين التي يسعون إليها عند ختيارهم لهذه الوسيلة. فمن ناحية قرر كل من المشرعين الأردني والجزائري إلزامية ن ا المحكمين اه لتحي كل نا مانات للمحكوم ل،بأن يطلب من القضاء تنفيذ قرار التحكيم، لكن بعد اكسائه بالصيغة التنفيذية، وفق إجراءات معينة نص عليها القانونين تجعل من القرار سندا تنفيذيا.← تحليل موضوعات القانون الدولى الخاصالى انسجام نصوص القوانين الداخلية مع الاتفاقيات الإقليمية والدولية بهذا الشأن.في حين يرى رأي آخر من الفقه أنه لا يوجد صفة قانونية لقرار التحكيم، لأنه يستمد أساسه وقوته من عقد التحكيم ويكون معه كلا واحدا. وأن المحكمين حكمون بموجب العقد ويستمدون صلاحياتهم منه وقرارهم قرار وكلاء يرتبط بالعقد ويتممه، بينما الحكم القضائي يصدر عن قضاة يحكمون بموجب القانون ويستمدون صلاحياتهم منه، ولذلك لا محل لتطبيق القواعد الخاصة بتنفيذ الأحكام القضائية الأجنبية على قرار التحكيم الأجنبي، وهذا ما أخذ به القانون العراقي.وللخروج من الخلاف الفقهي بشأن هذه المسألة يمكن التفرقة بين الحالتين: حالة ما إذا كانت هيئة التحكيم منتخبة من قبل المحكمة النظامية دون التدخل من أطراف النزاع وهو ما يسمى بالتحكيم الاجباري، وحالة ما إذا كانت هيئة التحكيم مختارة بإرادة اصرات سراع وهو م يسمى لحديم (محياري. بحيد يمص اعبر ترار الحديم في الحالة الأولى ذا طبيعة قضائية وبمثابة الحكم القضائي الأجنبي من حيث كيفية الاعتراف به وتنفيذه، واعتباره في الحالة الثانية ذا طبيعة تعاقدية وليس بمثابة الحكم القضائي الأجنبي من حيث الاعتراف به وتنفيذه في غير الدولة التي صدر فيها ما لم توجد اتفاقية دولية تقضي بخلاف ذلك. وعلى كل حال فان هذا الموضوع يعتمد في الوقت الحاضر على موقف القوانين الداخلية والاتفاقيات الدولية في كل دولة.المطلب الثالث: شروط تنفيذ قرار التحكيم الأجنبيمن شروط تنفيذ قرار التحكيم الأجنبي منها ما نصت عليها تشريعات الدول١-أن ينص المشرع الوطني على المساواة بين الحكم القضائي الصادر في بلد أجنبي وبين قرار التحكيم الصادر كذلك في بلد أجنبي من حيث الشروط الشكلية والموضوعية. ٢-أن يقبل المشرع الوطني بتنفيذ قرار التحكيم الأجنبي.٣-أن يكون قرار التحكيم الأجنبي قابلا للتنفيذ في البلد التي صدر فيها.٤-شرط المعاملة بالمثل بين الدول.٥-وجود معاهدة دولية بين البلدين بخصوص تنفيذ قرار التحكيم الأجنبي.٦-انظمام الدول الى اتفاقيات دولية تجيز تنفيذ قرارات التحكيم الأجنبية.حيث اعترفت المادة الأولى من اتفاقية جينيف لعام ١٩٢٧م بحجية قرار التحكيم الصادر بناء على مشارطة تحكيم أو شرط التحكيم وتنفيذها طبقا للإجراءات المتبعة في الدولة التي يطلب منها التنفيذ.كما قبلت المادة ١ فقرة أولى من اتفاقية نيويورك لعام ١٩٥٨ مبدأ الاعتراف بقرارات التحكيم الصادرة في الخلافات بين الأشخاص الطبيعية أو المعنوية في الدول المتعاقدة ويجوز أن يكون القرار قد صدر في دولة غير منضمة الى الاتفاقية ويراد الاعتراف به في دولة أخرى صادقت على الاتفاقية، ولكن المادة الثالثة منها أجازت للدول المتعاقدة عند توقيعها أو تصديقها للاتفاقية أو انضمامها اليها أن تتحفظ على هذا الشرط.كما اعترفت المادة ٣٧ من اتفاقية الرياض للتعاون القضائي لعام ١٩٨٣م بقرارات المحكمين وتنفيذها لدى أي من الأطراف المتعاقدة بنفس إجراءات الاعتراف بالحكم القضائي العربي وتنفيذه لدى الطرف المطلوب اليه التنفيذ، ولا يجوز للهيئة القضائية المختصة لدى الطرف المطلوب اليه التنفيذ أن تبحث موضوع التحكيم ولا أن ترفض تنفيذ الحكم الا في الحالات التالية: إذا كان الطرف المتعاقد المطلوب اليه الاعتراف أو تنفيذ الحكم لا يجيز حل موضوع النزاع عن طريق التحكيم، واذا كان حكم المحكمين صادرا تنفيذا لشرط أو عقد باطل أو لم يصبح نهائيا، وإذا كان المحكمون غير مختصين طبقا لعقد شرط التحكيم أو طبقا للقانون الذي صدر حكم المحكمين على مقتضاه، إذا كان الخصوم لم يعلنوا بالحضور على الوجه الصحيح، إذا كان في حكم المحكمين ما يخالف أحكام الشريعة الإسلامية أو النظام العام أو الآداب لدى الطرف المتعاقد المطلوب اليه التنفيذ. ٧-أن يجيز الطرف المتعاقد المطلوب اليه الاعتراف أو تنفيذ الحكم حل موضوع النزاع عن طريق التحكيم.٨-أن يكون حكم المحكمين صادرا تنفيذا لشرط أو عقد صحيح.٩- أن يكون حكم المحكمين قد أصبح قرارا نهائيا.١٠-أن يكون المحكمين مختصين طبقا لعقد شرط التحكيم أو طبقا للقانون الذي صدر حكم المحكمين على مقتضاه.١١-أن يكون الخصوم قد أعلموا بالحضور على الوجه الصحيح.١٢-أن يكون في حكم المحكمين ما لا يخالف أحكام الشريعة الإسلامية.١٣-أن يكون في حكم المحكمين ما لا يخالف النظام العام أو الآداب لدى الطرف المتعاقد المطلوب اليه التنفيذ.ان الدول العربية لم تتوانى في التنصيص صراحة على شروط تنفيذ حكم التحكيم الأجنبي في تشريعاتها، فتونس على سبيل المثال نص تشريعها على عدةرفض الاعتراف بحكم تحكيمي أو رفض تنفيذه، بقطع النظر عن البلد الذي صدر فيه،أ) بناء على طلب الطرف المطلوب تنفيذ الحكم ضده، إذا قدم هذا الطرف الى محكمة الاستئناف بتونس المقدم اليها طلب الاعتراف أو التنفيذ دليلا يثبت أحد الأمور التالية:أن طرفا في اتفاقية التحكيم المشار اليها بالفصل ٥٢ من هذه المجلة لا يتوفر فيه شرط من شروط الأهلية، أو أن هذه الاتفاقية غير صحيحة في نظر القانون الذي أخضعها له الأطراف، أو أنها غير صحيحة في نظر قواعد القانون الدولي الخاص.أن الطرف المطلوب تنفيذ الحكم ضده لم يقع اعلامه على الوجه الصحيح بتعيين المحكم، أو أنه تعذر عليه لسبب آخر الدفاع عن حقوقه.أن حكم التحكيم يتناول نزاعا لا يقصده الاتفاق على التحكيم أو لا يشمله الشرط التحكيمي، أو أنه يشتمل على الحكم في مسائل خارجة عن نطاق الاتفاق على التحكيم أو الشرط التحكيمي. على أنه إذا كان من الممكن فصل نص الحكم المتعلق بالمسائل المعروضة على التحكيم عن نصه المتعلق بالمسائل غير المعروضة على التحكيم فجزؤه القاضي بالحكم في المسائل المعروضة على التحكيم هو وحده الذي يجوز الاعتراف به وتنفيذه.أن تشكيل هيئة التحكيم أو ما وقع اتباعه في إجراءات التحكيم كان مخالفا لمقتضيات اتفاقية تحكيم بصفة عامة أو لنظام تحكيم اختار لقانون دولة وقع اعتماده أو لقواعد أحكام هذا الباب المتعلقة بتشكيل هيئة تحكيم.أن حكم التحكيم قد أبطلته أو أوقفت تنفيذه احدى محاكم البلد الصادر فيه ذلك الحكم أو أنه وقع ابطاله أو إيقاف تنفيذه بموجب قانون ذلك البلد.ب) إذا رأت المحكمة أن الاعتراف بحكم التحكيم أو تنفيذه يخالف النظام العامفي مفهوم القانون الدولي الخاص».وفي عصرنا الحديث أصبحت قرارات التحكيم مصدرا مستقلا بذاته فيما يتعلق بقضاء التحكيم التجاري الدولي بل الأكثر من ذلك أنه أصبح أحد مصادر القانون للمحكمين التجاريين الدوليين.ويضطلع بسد النقص في كثير من تشريعات الدول المتعلقة بالعقود التجارية الى درجة أن بعد التشريعات تستبعد القانون الوطني بناء على إرادة أطراف النزاع وفسح المجال للمحكمين الذين سيلجؤون الى ما تنص عليه اتفاقيات التحكيم الدولية وبالتالي اخراج النزاع من دائرة التشريع الوطني الى القانون الدولي ممثلا في الاتفاقيات الدولية.المطلب الرابع: حجية القرار التحكيمي الدوليلقد حسم المشرع السعودي مسألة حجية القرارات التحكيمية حيث نص في المادة ٤٩ من نظام التحكيم الجديد على ما يلي: «لا تقبل أحكام التحكيم التي صدر طبقا لأحكام هذا النظام الطعن فيها بأي طريق من طرق الطعن، عدا رفع دعوى بطلان حكم التحكيم وفقا للأحكام المبينة في هذا النظام».1) ولئن حصل جدل كبير حول مدى اعتبار التحكيم نظاما شبيها بالقضاء في الوسط الفقي، الا أن «المنظم السعودي مع نفاذ نظام التحكيم الجديد أعطى لقرارات التحكيم قوة لم تعط للحكم القضائي وتجلى ذلك بعدم قابليتها للطعن باستثناء البطلان».علما وأن قرار التحكيم لا يكتسب حجيته من أمر التنفيذ بل يكتسب حجيته باعتباره عملا قضائيا كما رجحه العديد من الفقهاء، حيث أن أمر التنفيذ لا يعتبر من ضمن الأعمال القضائية ولا يتعدى عمل قاضي التنفيذ مهمة الفحص الظاهري لقرار التحكيم ومدى تعارضه مع النظام العام الدولي. وعليه فان قاضي التنفيذ عندما يقوم بهذه الخطوات يقوم بها بصفته ممثلا للسلطة العامة في الدولة وليس على أساس أنه سلطة قضائية مخول لها فض النزاع.ان قرارات التحكيم تنفذ طوعا حيث ينجر على عدم التنفيذ جزاءات كبيرة علىفموضوع النزاع الذي صدر فيه حكم تحكيم لا يمكن رفعه مرة أخرى أمام هيئة حليم اخرى ولا امام ايه محكمه فضانيه لايه احد حكم الشيء المقضي به. وبدلك يصبح تنفيذه أمرا لازما على أطراف النزاع، كما أن لهذا القرار حجية كبيرة تعادل حجية الأحكام القضائية.فكل طرف ترك القضاء وتوجه الى التحكيم عليه أن يلتزم بالآثار المترتبة عن القرارات الصادرة من هذه الهيئات سواء من حيث الحجية أو من حيث التنفيذ.ولقد حرصت مختلف تشريعات الدول على إعطاء قرارات التحكيم أهمية كبرى من حيث الحجية وقوة التنفيذ حماية لاستقرار المعاملات بين الناس وحماية لاستقرار الأحكام القضائية والقرارات التحكيمية. وكذلك جعل نهاية لكل نزاع وصد كل طرف يريد التلاعب بالقرارات والأحكام واضاعة الوقت واحداث فوضى بين كل هذه المرافق التي تسعى لتكريس مبدأ العدالة. فالحكم سواء كان عن طريق القضاء أو عن طريق التحكيم هو وسيلة لفرض السلم بين الناس. وهذه هي الغاية المنشودة أيضا والهدف المأمول من عدالة الدولة، فالتحكيم هو عدالة سريعة التحقق وغير مكلفة وأكثر سرية. كذلك فيما يتعلق بالإجراءات المتبعة أمام المحكم هي إجراءات مرنة وحسب المقاس، حيث تعرف بالمرونة وحرية الأطراف في اختيار القواعد المنظمة للإجراءات، فمن خاصيتها أنها قاعدة مطوعة وقابلة للتغيير حسب إرادة الأطراف.فغاية المحكم هو البحث عن حل جيد، على خلاف القاضي الذي يبحث دائما على إعطاء كامل الحق لمن يكون قانونيا دائما على حق. فالمحكم يعتبر القاضي الطبيعي لحل النزاعات التجارية الدولية.المطلب الخامس: اتفاقية التحكيمان اتفاقية التحكيم تعتبر سند ولاية واختصاص المحكمة التحكيمية فهي تأخذ شكل شرط تحكيمي سابق عن حصول النزاع بين الأطراف أو شكل اتفاق تحكيم لاحق لحدوثه وتسمى في كلتا الحالتين اتفاقية تحكيم.ومن أبرز النتائج المترتبة عن اتفاقية التحكيم خروج التنازع موضوع الاتفاقية عن ولاية قضاء الدولة سواء كان النزاع داخليا أو دوليا، كما يترتب عن انعقاد ولاية المحكمة التحكيمية وتخلي القضاء العمومي وتصريحه بعدم اختصاصه إذا طلب ذلك أحد الأطراف اذ لا يجوز للمحكمة التمسك من تلقاء نفسها باتفاقية التحكيم وبعدم اختصاصها.ان الهدف الأساسي من اتفاقيات التحكيم هو إعطاء قيمة كبيرة واضفاءالمشروعية على التحكيم الدولي وكذلك تيسير تنفيذ قرارات التحكيم.ولقد صادقت أغلب بلدان العالم على اتفاقية الأمم المتحدة بنيويورك الصادرة سنة ١٩٥٨ المتعلقة بقرارات التحكيم الأجنبية وتنفيذها. كما صادقت الدول الأوربيةا ل لتف الأوربية للتحكيم التجاري الصادرة سنة ١٩٦١.اتفاقيات التحكيم التي صدرت والتي في مجملها تكرس أهمية قرارات التحكيم وتدعوا الى ضرورة تنفيذها.ولقد بينت الدول العربية والأوروبية أهمية اتفاقيات التحكيم وكرست ذلك صلب تشريعاتها، وقد نص المشرع التونسي صلب مجلة التحكيم في فصلها الأول على ما يلي: « التحكيم طريقة خاصة لفصل بعض أصناف النزاعات من قبل هيئة نحكيم يسند اليها الأطراف مهمة البت فيها بموجب اتفاقية تحكيم».١) ولقد أعفى المشرع التونسي جهاز التحكيم عند التفويض بالصلح وحتى في نطاق الفصل من التقيد بالإجراءات الشكلية التي تهدر أحيانا أصل الحق وتحول دون تأمينه لأن يطبقوا قواعد العدل والإنصاف، عملا بالقول المأثور: «الحق يعلو ولا يعلى عليه». وتأسيسا على ذلك فإنه إذا تغلبت الإجراءات الشكلية على أصل الحق وأصبحت حائلا دون تأمينه بل وسببا في هدره وضياعه فإنه من أوكد واجبات القضاء الحارس الأمين بين حقوق المتقاضين إلا تصده للإجراءات الشكلية لتغليب أصل الحق عليها»، لأن يكون التحكيم مطلبا -والعدل مكسبا-والحياة بذلا وعطاء، مثلما ورد بحديث الرسول عليه الصلاة والسلام، عندما سئل عن الإمارة أي الحكم وما هي: «أولها سلامة وثانيها ندامة وثالثها عذاب يوم القيامة إلا من عدل».ولهذه المزايا التي يتمتع بها التحكيم، فقد اتسع نطاقه وانتشر خاصة في مجال التجارة الدولية، وقامت مراكز ومؤسسات متخصصة في التحكيم مثل جمعية التحكيم الفرنسية وغرفة التحكيم البحرية في باريس وجمعية التحكيم الأمريكية ومركز التحكيم للغرفة التجارية الاقتصادية في فيانا ومركز التحكيم في كوالالمبور ومركز التحكيم في٠ ٤ ٢/٠٠-/٠ب ٠ ٣ب رب ب /,الدولية بوضع قواعد خاصة بالإجراءات التي يجب أن تتبع في عملية التحكيم وصدرت قوانين حديثة تعالج مسائل التحكيم في الدول المختلفة وعقدت اتفاقيات دولية إقليمية ثنائية وجماعية للتحكيم التجاري والبحري وكيفية تنفيذ أحكام التحكيم الأجنبي،اتفاقية جينيف لعام ١٩٢٧م واتفاقية نيويورك لعام ١٩٥٨م واتفاقية واشنطن لعام ١٩٦٥م واتفاقية المساعدة القانونية والقضائية المعقودة بين مصر والعراق عام ١٩٦٣م واتفاقية تنفيذ الأحكام القضائية المعقودة بين دول الجامعة العربية عام ١٩٥٢م واتفاقية الرياض للتعاون القضائي بين دول الجامعة العربية لعام ١٩٨٣م.في العصر الحديث أصبح التحكيم التجاري الدولي حتمية تقتضيها النزاعات ذات الصبغة التجارية الدولية. حيث تعدى دور التحكيم حل المنازعات بعد وقوعها، يصبح دوره أكثر فاعلية واستباقي، حيث يكون منذ نشأة العقد اذ ينص أطرافه صراحة على اللجوء اليه في حالة النزاع.