المبحث الثاني: أدلة اعتبار مقاصد الشريعة وطرق معرفتها، وتقسيماتها وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: أدلة اعتبار مقاصد الشريعة. المطلب الثاني: طرق معرفة مقاصد الشريعة. المطلب الثالث: تقسيمات مقاصد الشريعة باعتبارات متعددة. أدلة اعتبار مقاصد الشريعة دلت الأدلة النقلية والعقلية على اعتبار المقاصد في الشريعة، سواء أكان ذلك بعموم أدلتها أم خصوصها، ولكثرة الأدلة والأحكام الدالة على ذلك، فإنه يصعب ذكر كل الأدلة الدالة على اعتبار المقاصد في الشرع الحنيف، ولذا سأكتفي ببعضها فقط، فقد وصف الله تعالى نفسه بأنه: ( عَلِيمٌ وهذه الأوصاف العظيمة تقتضي أن أحكام الشريعة الصادرة من الشارع الموصوف بذلك أنها تحقق للناس مصالحهم في الدنيا والآخرة، وتشريع الأحكام. نصت آیات عديدة على مقاصد الشريعة العامة بكل وضوح، تعليل الأحكام الجزئية بذكر مصالحها ودرء مفاسدها، ونحو ذلك. ثانيا: الدليل العقلي: دل العقل والعادة على أن أي تصرف أو نظام لابد أن يقصد منه تحقيق مصلحة أو دفع مضرة، وهذا يدل على اعتبار المقاصد في الشريعة الكمال من وضعها سبحانه. المطلب الثاني: تتنوع طرق معرفة مقاصد الشريعة إلى أربعة طرق، ۲- مجرد الأمر والنهي الابتدائي التصريحي. والرأفة بالطيور والحيوانات، جعلنا نجزم بأن الرحمة مقصد من مقاصد الشريعة العامة. فالشارع حينما أمر بالأمر قصد إيقاع المأمور به، وحينما نهى بالنهي قصد اجتناب المنهي عنه، وهذا طريق من طرق معرفة مقاصد الشارع؛ فالشرع لا يجوز الإحداث فيه لا بزيادة ولا نقصان، قال النبي : (مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدُّ) (۳) أي مردود عليه لا يترتب عليه أثره. المطلب الثالث: تقسيمات مقاصد الشريعة باعتبارات متعددة د - المقاصد الوهمية. هـ - المقاصد المقطوع بعدم حصولها. ثانيا: تقسيم المقاصد من حيث مواقع وجودها. ثالثا : تقسيم المقاصد من حيث الأصالة والتبع. رابعا: تقسيم المقاصد باعتبار عمومها وخصوصها. ووهمية، وقطعية عدم أ- المقاصد قطعية الحصول: والمراد بها ما كانت متيقنة الحصول. ويحصل القطع بحصول المقصود من شرع الحكم بثلاثة أمور: فمقاصد الحج تتحقق بالقيام بمناسكه على الوجه المشروع (۲). وثانيها: استقراء الشريعة إذا دلّ على مقصد معين، أو في حصول ضده ضررًا عظيمًا على الأمة، مثل: قتال مانعي الزكاة في زمن أبي بكر الصديق رضي الله عنه (۱)؛ وتحقيق مقاصد الزكاة. صيانة للنفوس المعصومة؛ فإن حصول الانزجار عن القتل ليس قطعيا بهذا الحكم؛ وتبقى نفسه ونفس المجني عليه، كتحريم قليل الخمر، فلا يوجد يقين بحصولها، وذلك كشرع الحد على شرب الخمر لحفظ العقل؛ فإن إفضاءه إلى ذلك متردد؛ حيث إنا نجد كثرة الممتنعين عنه مقاومة لكثرة المتقدمين عليه، كحال العقوبة الشرعية على شارب الخمر فإنها ثابتة شرعًا، وإن لم يكن دليل صريح فيها فبحسب نظر المجتهد والأدلة والمقاصد العامة في الشريعة. د - المقاصد الوهمية، فكان الإفضاء إليه مرجوحا (۲). هـ - المقاصد المقطوع بعدم حصولها . وهي: التي يقطع فيها بعدم حصول المقصود من شرع الحكم. لعلة مرضية بينة. وهي التي تُحَصَّلُ في الدنيا، وتملك المشتري للسلعة، سابقا. لوجوده مثاله: حفظ النفس وبقاؤها، شرعية سابقة مثل: مشروعية النكاح وحل الطعام والشراب الحلال وغير تحقق استمرار هذا المقصد وتأكد بقاؤه. مثاله: تکمیل مقصود النكاح الذي هو : التناسل، بدوام النكاح وحسن العشرة والمودة، وهي على نوعين: أ – أن يكون المقصود من شرع الحكم جلب الثواب. فهذا يحصل بشرع الطاعات والصالحات. وهذا يحصل بشرع تحريم الكبائر والصغائر. والنكاح، فهذه الأمور كلها يحتاج تحصيلها إلى تعب ومشقة. المصالح والمفاسد الممتزجة وهي للمؤمنين الذين دخلوا النار بقدر ما شاء الله لهم بسبب معاصيهم، فهؤلاء لا تمسهم النار إلا بقدر معاصيهم ولا تمس منهم مواضع السجود ولا محل الإيمان أيضًا (1)، القسم الأول: المقاصد الأصلية، ولا بوقت دون وقت. وسد الحاجات. مثالها : الاستمتاع بالطعام والشراب والتلذذ بهما؛ لسد حاجة الجوع والعطش، ونلاحظ هنا حكمة الله تعالى ولطفه أن جعل دواعي ذاتية في المكلف تدعوه إلى مصالحه الخاصة من شأنها تحقق المصالح العامة؛ لتكون التابعة خادمة للأصلية وعامرة لها. ومن ذلك - مثلاً – أن يقصد الطالب تعلم العلم الشرعي لوجه الله تعالى كمقصد ضروري، ويقصد طلب الوظيفة بعده كمقصد تابع. والتابع) لا مانع منه؛ من أهمها : ٢- أن مراعاتها يُصيّر تصرفات المكلف كلها عبادة، تنقسم المقاصد الشرعية من حيث عموم أحكام التشريع وخصوصها إلى قسمين: القسم الأول: المقاصد العامة؛ يجمعهم مقصد واحد، مثالها: مقصد التعبد في باب العبادات والعدل في باب العقوبات وإتمام الصلاة بالطمأنينة في أدائها. خامسا: تقسيم المقاصد باعتبار كليتها وجزئيتها تنقسم المقاصد باعتبار كلية الأمة وجزئيتها إلى قسمين: القسم الأول: المقاصد الكلية؛ دون الالتفات إلى حال الفرد إلا من حيث دخوله في مجموع الأمة. ليحصل بصلاحه صلاح المجتمع المركب منه، ليستفيد منه هو أولاً، وحتى لا يكون عالة على المجتمع بعد ذلك. المطلب الرابع: التمييز بين المقاصد الضرورية والحاجية والتحسينية وفيه مسألتان: المسألة الأولى: مقاصد الشريعة الأساسية. المسألة الثانية: مقاصد الشريعة التكميلية. وحفظ المال، ولا شهد لنا أصل معين يمتاز برجوعها إليه، وهي التي يحتاج إليها لقيام مصالحالدين والدنيا، والإفطار في نهار رمضان من أجل المرض الشاق. ولكن قد يلحقهما باستمرارها مشقة وحرج، ليكون حلاً لمشكلتهما المزمنة، فيغني الله كلا مثالها في الجنايات طلب مشاركة العاقلة في الدية، أو بغضها بسبب ٢- التوازن في النهوض بالتكاليف الشرعية والحياتية المطلوبة من المكلف؛ ولو أفطر ذلك اليوم ربما سلم له بقية شهره. قوله تعالى: هُوَ اجْتَبَنَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حرج (1) قوله تعالى: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ) (٢) .