إنَّ المجمع المقدس، إذ يُصغي بورعٍ إلى كلمةِ الله ويُعلنُها بثقةٍ، يَعملُ بأقوالِ القديس يوحنا: "نبشِّرُكم بالحياةِ الأبديةِ التي كانت عند الأبِ فظَهَرَت لنا: الذي رأيناه وسمعناه، به نُبشِّرُكم لتكونَ لكم أيضاً شركةً معنا، وعليه، فإنَّ المجمع المقدس يقتفي آثارَ المَجمعَين التريدنتي والفاتيكاني الأول، لقد حَسُنَ لدى الله، بجودته وحكمته، أن يكشف عن ذاتِهِ ويُعلِنَ سِرَّ إرادته (راجع أف 1 / 9)، الذي به يتوصَّلُ البشر إلى الآب في الروح القدس، 2 بط 1 / 4). فإنَّ الله غير المنظور، (راجع كول 1 / 15؛ 1 تيم 1 / 17) بفَيضٍ من محبته للبشر، يُكالِمهم كأحباءَ (راجع خر 33 / 11؛ يو 15 / 14-15) ويتحدَّثُ إليهم (راجع با 3 / 38) ليدعوهم إلى شركته ويقبلهم فيها. وتدبيرُ الوحي هذا يقومُ بالأعمال والأقوال التي ترتبط فيما بينها إرتباطاً وثيقاً، بحيثُ أنَّ الأعمال التي حقَّقَها الله في تاريخ الخلاص تُبرِزُ العقيدةَ والحقائقَ التي تُعَبِّرُ عنها الأقوالُ وتدعمُها، سواءَ عن الله أم عن خلاصِ الإنسان، فإنَّها تسطعُ لنا في المسيح الذي هو وسيطُ الوحي بكامِلِه وملؤُهُ في آنٍ واحد (2). التمهيد للوحي الإنجيلي 3- إنَّ الله الذي يَخلُقُ كلَّ شيء بالكلمة (راجع يو 1 / 3) ويحفظُهُ، علاوةً على ذلك فإنَّه مُنذ البدء أَظْهَرَ ذاتَه لأبوينا الأولَين، إذ أراد أن يفتحَ لهما طريق الخلاصِ العُلوي. أقامَهما على رجاءِ الخلاص (راجع تك 3 / 15) وأحاط الجنسَ البشريَّ بعنايةٍ مستمرَّةٍ، يَطلُبُ الخلاص. (راجع رو 2 / 6-7). دعا إبراهيمَ ليجعل مِنه أُمَّةً عظيمةً (راجع تك 12 / 2) علَّمَها بواسطةِ الآباء، ومن بعدهم بواسطةِ موسى والأنبياءِ، أن تعرفَهُ هو الإلهُ الوحيدُ الحيُّ والحقيقيُّ، وعلى هذا المنوال مهَّدَ اللهُ الطريقَ للإنجيلِ مدى الأجيال. 4- إنَّ الله، فلقد أرسل إبنه، الكلمةَ الأزلي الذي يُنيرُ كلَّ إنسان ليقيمَ بين البشرِ ويُخبرهم عن خفيّاتِ الله (راجع يو 1 /1-18). ويسوعُ المسيحُ، يتكلَّمُ إذاً بكلامِ الله (يو 3 / 34)، وعليه فهو الذي - إن رآه أحدٌ فقد رأى الآب (راجع يو 14 / 9) بحضورِهِ الذاتيّ الكامل وبظهورِهِ، وأخيراً بإرساله روحَ الحقِّ، يُتمِّمُ الوحيَ ويُكمِّله ويثبّته، إذ يَشهَدُ شهادةَ الإلهِ أنَّ الله معنا لينشلنا من ظلمات الخطيئة والموتِ ويُقيمنا للحياة الأبدية. وبالتالي فإنَّ التدبيرَ المسيحيَّ الذي هو العهدُ الجديدُ والنهائي لَن يزولَ أبداً، ولَن يُرجى أيُّ وحيٍ جديدٍ عَلَنيٍّ قبل الظهورِ المجيدِ لسيدنا يسوع المسيح (راجع1 تيم 6 / 14 وتي 2 / 13). قبول الوحي بالإيمان ويَقبَلُ، إنَّما لكي يؤمنَ هكذا، فهو بحاجةٍ إلى نِعمةِ الله السابقةِ والمُسانِدة، وإلى معرفة الروح القدس الداخليّة، الذي يُحرِّكُ القلبَ ويردُّه إلى الله، ويفتحُ بصيرةَ العقلِ ويُعطي الجميعَ العذوبةَ في قبولِ الحقيقةِ والإيمان بها (5). وهذا الروحُ بالذّات لا يفتأ يُكمِّلُ الإيمان بمواهبِهِ، 6- لقد أرادَ الله أن يكشفَ عن ذاتِهِ بالوحي الإلهي، وأن يُبَيِّنَ أحكامَ مشيئتِهِ الأزليّة في ما يَخُصُّ خلاصَ البشرِ "أي فيما يعودُ إلى إشراكهم في الخيرات الإلهية التي تفوق تماماً إدراكَ العقلِ البشري" (6). مَبدأ كلِّ شيءٍ وغايتَه،