لم تكن المهمة التي واجهت الشيخ زايد منذ أول يوم من توليه الحكم في السادس من شهر آب / أغسطس 1966 مهمة يسيرة بأي حال من الأحوال، إذ كان عليه أن يبني مجتمعاً جديداً. ورغم الحماس والتأييد البالغين اللذين عبر عنهما كل أهالي أبوظبي لتوليه الحكم فقد كانت فرحة الحاكم بترحيب شعبه ممزوجة بمشاعر القلق من ثقل المسؤولية الملقاة على عاتقه ، " وذلك لأنه تولى مسؤولية الحكم بعد مرحلة مضطربة تمكن الشيخ شخبوط خلالها من بسط السلم والأمن لفترة تقارب الأربعين عاماً . أما الشيخ زايد فكان متوقعاً منه أكثر من ذلك بكثير، وكانت أولوياته الرئيسية هي تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية في إمارة أبوظبي، وتوثيق الصلات مع الإمارات المجاورة له . ونستشف هذا من العبارة التي قالها الشيخ زايد لزائر بريطاني يدعى جون دانیلز John Daniels : أريد أن أحقق التنمية التي تحتاج إلى خمسة أعوام خلال عام واحد لا أكثر » . 2 غير أنه أنه بـ بعد توليه السلطة حاكماً جديداً لأبوظبي واجه الشيخ زايد ضغوطاً سياسية من الأطراف ذات المصالح ، لم يواجه مثلها من قبل عندما كان ممثلاً للحاكم في العين . كانت الخطط التنموية التي وضعت خلال عامي 1965 - 1966 تحت حكم الشيخ شخبوط سليمة، إذ إنها شملت كل الأمور الرئيسية؛ من طرق ومحطات توليد كهرباء ومستشفيات وغيرها من المشروعات الأساسية اللازمة للبنية التحتية، غير أنها لم تنفذ كما ينبغي بسبب عدم التزام السلطة العليا في الإمارة بتنفيذها . إذ وضعت سياسة تنموية جديدة، وطوال الأعوام، السابقة كان الشيخ زايد يبذل كل ما في وسعه للدعوة إلى تنفيذ المشروعات التنموية ضمن ميزانية ملائمة وخطة معدة بدقة تحت إشراف وزاري مباشر . وبتوليه الحكم في أبوظبي فقد أتيحت له الفرصة أخيراً لتنفيذ تلك الرؤية فعلياً على النحو الذي يحقق طموحاته وطموحات شعبه فيما يتعلق بتنمية أبوظبي وتطويرها . ونتيجة لهذه التطورات السريعة فقد أضحى حتماً على المسؤولين البريطانيين أن يعيدوا تقويم مواقفهم، ففي حين كانوا يشتكون في الماضي قلة المشروعات التنموية ، فإنهم صاروا الآن قلقين من زيادتها خوفاً من المشكلات التي قد تترتب على إدارة التغيير . 3 وما لبثت الحكومة البريطانية أن أدركت أنها تتعامل مع حاكم ذي عزيمة صلبة وهدف محدد، وفي هذا الصدد كتب المعتمد السياسي البريطاني في أبوظبي إيه . تي . لام معلقاً على السياسة البريطانية نحو أبوظبي وحاكمها الجديد قائلاً :عند النظر في سياستنا تجاه الشيخ زايد أعتقد أن علينا أن نتذكر دائماً عدة عوامل ، وقد نكون الطرف الخاسر في هذه الخلافات. أولاً ، وأنه ينظر إلى العالم كما هو الآن، وأن سياستنا الرامية إلى تحديث علاقاتنا مع حكام الخليج يجب أن تجعلنا نلتقي مع رغبة الشيخ زايد في التوصل إلى فهم جديد لعلاقتنا معه . ثانياً، يجب أن نبتعد عن اعتبار أبوظبي مجرد إمارة من إمارات الساحل المتصالحة، مقارنة على سبيل المثال بأم القيوين . ويجب أن نقبل حقيقة أن أبوظبي مشيخة (إمارة) مستقلة ، ذات مساحة وثروة تفوقان مساحة وثروة الإمارات الست الأخرى مجتمعة . ثالثاً : إن لدى الشيخ زايد استعداداً لقبول آرائنا وتعاوننا معه بشأن تطوير إمارته. وأعتقد أن علينا أن نمد إليه يد التعاون لثلاثة أسباب هي : أن ذلك يصب في مصلحتنا المالية والتجارية، وأن تحقيق التنمية الناجحة والمتسارعة والمخطط لها بدقة ضمن برنامج زمني محدد في أبوظبي يصب في مصلحتنا السياسية على المدىالقصير، كما أن تطور أبوظبي إلى الحد الذي يضمن لها المكانة اللائقة، ولا يجعلها مجرد إمارة من الدرجة الثانية وسط مجتمعها الأوسع في الجزيرة العربية، سوف يكون لمصلحتنا السياسية على المدى البعيد، عندما يحين الوقت الذي تتخلى فيه حكومة صاحبة الجلالة عن مكانتها الخاصة في منطقة الخليج العربي» . 4 وهكذا فإن لهجة التحليل السياسي وطبيعته أضحتا مختلفتين تماماً عما درجت عليه السلطات البريطانية في الماضي، فقد تصاعدت توقعات الحكومة البريطانية بشأن اضطلاع أبوظبي تحت حكم الشيخ زايد بدور الزعامة بين الإمارات، وهو ما وصفه لام في معرض تعليقه السابق بـ " مكانتها اللائقة " . أما " تحديث العلاقة " الذي أشار إليه لام أيضاً فهو الصيغة التي تمكن البريطانيين من معالجة القضايا المهمة والمعقدة، وليس مجرد الانشغال بالقضايا الهامشية والثانوية التي هيمنت على المناقشات السابقة . وكان أكثرهم تفهماً لعمق الرؤية السياسية للشيخ زايد وحرصه الشديد على التطوير، كما أدرك لام قدرة الحاكم الجديد لأبوظبي على أن يكون زعيماً للمنطقة وس وخاصة في وزارة الخارجية في لندن، من القول بأن تحمس الحاكم الجديد لعملية الإصلاح مدعوماً بعوائد النفط، قد يدفعه إلى محاولة إنجاز أكثر مما يجب وبسرعة هائلة وأن التنمية السريعة في أبوظبي، والتي سبقت الإمارات المجاورة، قد تضع عقبات في طريق تحقيق التعاون بين أبوظبي وإمارات الساحل المتصالحة الأخرى وتجعله أمراً صعباً . 5. لقد اعترض البريطانيون على برنامج الشيخ زايد القائم على تحقيق التطور السريع ، وظلوا قلقين بشأن مشكلات إدارةذلك البرنامج وتكلفته . كما واصلوا الحث على ضرورة إنجاز المشروعات التنموية بسرعة تقل عما هي عليه . وركز المسؤولون البريطانيون الذين كانت حكومتهم تعاني تأثير التضخم في الداخل على افتراض واحد وهو أن البنية المتخلفة أو غير المتطورة لنتحتمل الضغوط الناجمة عن تنمية متسارعة إلى هذا الحد، وأن ذلك قد يؤدي من الناحية الاقتصادية إلى تحميل الاقتصاد المحلي أعباء تفوق طاقته . ربما كان لوتيرة التنمية المتسارعة بعض التبعات ، غير أن الحاكم الجديد ظل ملتزماً فقد كان موقناً بأن الشعب قد انتظر طويلاً ليرى هذه المشروعات . كما قد تبدو ملاحظات البريطانيين بشأن تكلفة المشروعات التنموية وإدارتها والعقبات الماثلة أمام التعاون الإقليمي مقبولة في ظاهرها ، إذا ما أخذنا في الاعتبار فقط الثروة والنفوذ اللذين حظيت بهما أبوظبي آنذاك . غير أن المسؤولين في وزارة الخارجية البريطانية لم يأخذوا أمرين مهمين في الاعتبار ؛ الشيخ زايد الذي كان عزمه والتزامه بتحقيق التنمية الشاملة بإجماع كافة الأطراف المعنية قد تجاوز مجرد حدود القول ، ليؤكد وجوده الفعلي على أرض الواقع . وفي الأشهر القليلة الأولى من عهده كان من السهل على كل متابع أن يرى عزمه على تشجيع إخوانه الحكام على أمر لا يرضون عنه تمام الرضا، دون أن يكرههم عليه ، شكلت الرابط الأساسي للاتحاد الوليد الذي تحقق بعد أعوام قليلة . الأمر الثاني الذي لم يضعه مسؤولو الخارجية البريطانية في اعتبارهم هو أنه على الرغم من احتمال صحة رأيهم من وجهة النظر الاقتصادية تحديداً، فإن ذلك لا ينفي أن رؤيتهم قد أغفلت بعداً سياسياً مهماً للغاية كان يحتل مكانة خاصةً في فكر الشيخ زايد، وهو أنه كان يرى أن عملية تطوير أبوظبي ستصبح مثالاً يحتذى للتنمية الشاملة في المنطقة بأسرها، وهو النموذج الذي يمكن تحقيقه إذا ما توافرت الإرادة السياسية . وفي حين صار قرب لام من الأحداث في أبوظبي بصفته المقيم البريطاني فيها يجعله قادراً على فهم التغيرات التي تشهدها، كان من الصعب على رؤسائه في لندن أن يتفهموا الواقع الجديد، فقد تلقوا على مدى الأعوام الماضية وعوداً كثيرة بالتطوير والتغيير في أبوظبي، دون أن ينفّذ أي منها ؛ لذا كان من الصعب عليهم أن يقبلوا فكرة تولي حاكم جديد لم ينل إلا قسطاً محدوداً من التعليم النظامي، ومن هنا كانت وجهة نظرهم أن أفضل سبيل للتطوير هو مكتب تطوير إمارات الساحل المتصالحة الذي تسيطر عليه الحكومة البريطانية ، وليس المبادرة الشخصية لحاكم وطني . 7 إذ كان الحاكم حينئذ يوافق على خطط ضخمة للتنمية والتطوير، ولكنه سرعان ما يتراجع عنها . كما كانت للشيخ شخبوط أسبابه العديدة التي تجعله يرفض أن يدفع الأموال المستحقة إلى الشركات البريطانية المشاركة في المشروعات التي لم يكتمل إنجازها . ومن المؤكد أن المسؤولين البريطانيين لم يكونوا يعتقدون أن من مصلحة أبوظبي أن تتعثر عملية التنمية مرة أخرى وتفشل في عهد حاكم جديد . غير أنهم كانوا يواجهون مسؤولية مزدوجة ، فقد كانوا حريصين على مراعاة مصالح الشركات البريطانية العاملة في أبوظبي والتصرف بالنيابة عنها ، في الوقت الذي يتعين عليهم فيه 8 دعم الحاكم الجديد، ولم تكن مصالح الطرفين تجري دائماً في انسجام . 9 وأقر المقيم السياسي أن الدوافع المحركة لبرنامج التغيير في أبوظبي كانت اقتصادية وسياسية على حد سواء ، فتطوير البنية التحتية كان يحمل في مضمونه رسالة سياسية، إذ أراد الشيخ زايد أن يبرهن على أن أبوظبي ملتزمة بإدخال نمط التطور الذي كانت المملكة العربية السعودية تقدم نموذجاً له أمام إمارات الساحل المتصالحة . وكان ذلك هو أسلوبه لإبراز الوضع الجديد، أي قدرة أبوظبي في ذلك الوقت على الاضطلاع بالدور القيادي اللائق بها في جنوب الخليج العربي . وعلاوة على ذلك فقد استطاع الشيخ زايد من خلال تمويله الكامل تقريباً لصندوق تنمية الإمارات المتصالحة أن يبرهن على المكاسب الملموسة للتعاون بين الإمارات السبع . ورغم ذلك يبدو أن هذا البعد السياسيالحيوي قد أغفل من جانب عدد من الذين تابعوا الأحداث الجارية في أبوظبي من منظور المراقب البعيد، سواء في مقر المعتمد البريطاني في البحرين أو في لندن الأكثر بعداً . 11 وفي هذا السياق كان الشيخ زايد مدركاً تماماً من خلال ما استشفه من حواراته مع إيه . لام ، وفي حين كانت الكويت والبحرين تشكلان النموذجين المحتملين للتطور السياسي، فإن أياً منهما لم يكن صالحاً للمقارنة المباشرة مع الأوضاع السائدة في إمارات الساحل المتصالحة ؛ فقد ظلت الأطر السياسية التقليدية والمحلية قوية في هذه الإمارات، وإن كانت تنقصها الموارد. وكان الشيخ زايد مقتنعاً تماماً بأن الكيانات التقليدية تملك القوة والمرونة التي تمكنها من التكيف مع التغيير، ولكنه أدرك أيضاً أنه في غياب التنمية الاجتماعية والاقتصادية لن تتمكن هذه الكيانات من مقاومة الضغوط الخارجية وصدها ؛ لذا فقد أصبح محتماً من الناحية السياسية على الحاكم الجديد طرح منظوره الخاص لإحداث تغييرات ملموسة في أبوظبي، وتحقيق تحول لا يرجع الفضل فيه إلى أي نفوذ أجنبي أو مساعدات خارجية . لم تلفت الروح الجديدة المنبعثة من أبوظبي انتباه المسؤولين البريطانيين فحسب بل تعدتهم إلى الأمريكيين أيضاً ، فعندما تولى الشيخ زايد مقاليد الحكم في أبوظبي لم يكن للولايات المتحدة الأمريكية ممثل مقيم فيها، غير أن الولايات المتحدة الأمريكية من جهتها كانت تهتم اهتماماً بالغاً بالتطورات الجارية في المنطقة، وتشير سجلات وزارة الخارجية الأمريكية إلى أن مصالح الولايات المتحدة ورؤاها كانت مختلفة عن مصالح حليفتها بريطانيا ورؤاها . وفي عام 1966 أرسل القنصل الأمريكي في الظهران مذكرة سرية مطولة إلى وزارة الخارجية الأمريكية حول التطورات السياسية في أبوظبي قال فيها : بالإضافة إلى موافقة حاكم أبوظبي الشيخ زايد على عقود مشروعات عديدة ، فإنه يحاول أن يشكل تنظيماً حكومياً . ومنذ أن حل محل أخيه الشيخ شخبوط حاكماًلأبوظبي في مطلع آب / أغسطس ركز الشيخ زايد جهوده بشكل تام على التنمية الاقتصادية في إمارته المتخلفة [ نسبياً] ، غير أنه حقق أيضاً تقدماً إلى حد ما في الناحية السياسية البالغة الأهمية ، فالشيخ زايد لم يرث أي هيكل إداري للحكم بالمعنى المعروف . لذا فقد أصدر الشيخ زايد مباشرةً مرسوماً تأسست بموجبه نواة لحكومة يرأس معظم دوائرها شخصيات من أ أسرة آل نهيان . إمارة في طور التحول خطة عمل الشيخ زايد منذ اللحظة الأولى بدا أن حجم العمل المطلوب تنفيذه سيكون كبيراً بدرجة لم تعرفها المنطقة من قبل، وبلغت الميزانية المقترحة لعام 1967 - وهي في حد ذاتها تغير جذري - 47 مليون دينار بحريني، خصص منها 35 مليون دينار لإقامة بنية تحتية في الإمارة، وهذا أمر غير معهود . وبلغت التكلفة الإجمالية لمشروعات التنمية حسب الخطة الموضوعة 39. 25 مليون دينار بحريني، أنفق منها 4 ملايين دينار على الصرف الصحي، 75 ملايين دينار لبرنامج إسكان يهدف إلى بناء 2000 منزل، ومن ناحية اقتصادية فإن هناك عدة معايير للحكم على ازدهار الاقتصاد ولعل أصدق مؤشر إلى تطور النشاط الاقتصادي هو حجم الكتلة النقدية المتداولة . وقد اعتمدت أبوظبي في حزيران / يونيو 1966 ، أي قبل فترة وجيزة من تولي الشيخ زايد مقاليد الحكم الدينار البحريني عملةً لها . 14 وفي عام 1966 بلغ النقد المتداول في أبو ظبي 2. وفي السنة اللاحقة كان هذا الرقم قد زاد على الضعف ووصل إلى 5. 4 ملايين دينار بحريني تقريباً . 15 وبحلول عام 1970 ، وهو العام السابق لقيام دولة الإمارات العربية المتحدة واعتماد عملة جديدة، وصل حجم النقد المتداول إلى 13. 6 مليون دينار بحرينيوفي 20 آذار / مارس 1968 أعلن الشيخ زايد خطة خمسية مثلت استراتيجية تنموية لأبوظبي . وبطبيعة الحال فقد سبقت الخطة الخمسية التحولات السياسية التي شهدتها أبوظبي في أعقاب انسحاب بريطانيا في عام 1971 ، وقيام دولة الإمارات العربية المتحدة. كانت خطة عملية ومستشرفة للمستقبل، إذ استندت إلى خبرة الإنجازات التي تحققت خلال فترة النمو السريع (1966) - 1968) ، واستفادت من المشكلات التي صاحبت هذا النمو . وقد تغيرت بعض أولويات تخصيص الأموال عما كانت عليه في مشروع ميزانية عام 1967 ، فقد وفرت الميزانية الأولى الإمكانيات اللازمة لتنفيذ الخطط التي كانت مقترحة والمشروعات التي ظلت معلقة لأعوام قبل أن يتولى الشيخ زايد مقاليد الحكم؛ لذا فإن اهتمام ميزانية عام 1967 كان موجهاً إلى تقويم الأوضاع السابقة على وجه السرعة، وإدارة عجلة التنمية التي كانت معطلةً من قبل . مدروسة وطويلة الأمد . شملت الخطة الخمسية الجديدة ميزانية مفصلة وبرنامجاً شاملاً تغطي كل نواحي الحياة، وخصصت فيها ميزانية لكل قطاع، فيما خصص مبلغ 2. 8 مليون دينار بحريني لمؤسسات التدريب المهني، على أمل أن تتمكن أبوظبي في نهاية المطاف من تقليل اعتمادها على الخبرة الخارجية . كما خصصت الخطة الخمسية مبلغ 6. 5 ملايين دينار بحريني للصرف على بناء عدد من المستشفيات والمستوصفات الصحية، ومبلغ 13. 4 مليون دينار بحريني للتطوير الزراعي ، معظمها لتوسيع شبكة المياه التي ازداد الضغط عليها بسبب ارتفاع الطلب على المياه في أبوظبي والعين. وكان الشيخ زايد يؤمن بأن أفضل طريقة في الزراعة هي تطوير أنواع من المحاصيل وسلالات من المواشي تناسب الظروف المحلية ؛ كما كان هناك جانب اجتماعي يعزز العديد من مشروعات التنمية الاقتصادية ؛ وعلى سبيل المثال فقد افتتحت الأسواق التجارية للمرة الأولى في أبوظبي في مطلع عام 1969 ، وكما حدث في العين من قبل لم يفرض الشيخ زايد رسوماً على المحلات التجارية بل اكتفى بمبالغ رمزية زهيدة مقابل الانتفاع بها ، وبلغ عددها 200 محل تجاري في السوق المركزية. وكان لإنشاء الأسواق عدة مزايا ، فقد يسر ذلك توفير الأغذية الصحية والسليمة وفقاً لمعايير يمكن فرضها ومراقبة مدى الالتزام بها . وكان معنى ذلك - مقروناً بتوفير المياه النقية - القضاء إلى حد بعيد على مشكلات الأمراض المعدية التي تنتقل من خلال الغذاء والماء الملوثين إلى العديد من سكان المدن الجديدة . وقد جاء هذا التطور متعدد الفوائد لمصلحة قطاع الإنتاج الزراعي، وهو القطاع الذي أعطاه الشيخ زايد أولوية على غيره، وكان توافر المحلات التجارية بتكلفة زهيدة يعني أن في وسع المنتجين المحليين أن يبيعوا محاصيلهم بأسعار أفضل من السابق . ومن جهة أخرى مكنت هذه الخطوة مالكي المحلات التجارية من دخول المجال التجاري بأقل رأس مال ممكنكان الهدف هو دفع أبو ظبي بسرعة إلى الأمام، 18. وكانت الأهداف طموحة ولكنها واقعية وعملية في مجملها . 1 ووجه الجزء الأعظم من ميزانية الخطة التنموية إلى تطوير البنية التحتية ، والجسور، والمنازل، والمنشآت الحضرية، والمواني البحرية والمطارات الجوية . أما مشروعات التنمية الصناعية المصاحبة فقد تركز معظمها في تحسين مخرجات الصناعة النفطية (أكبر بند في الخطة التنموية وتوفير الموارد للمحافظة على برامج البناء الواسعة . ومن هذه الخطط إنشاء مصنع للأسمنت، وإحلال النوعية التي يمكن إنتاجها في أبوظبي محل ما يستورد منه. كانت الخطة الخمسية مبنية على عدد من الدراسات والبحوث الميدانية المفصلة التي قامت بها شركات استشارية أجنبية ، وقد حدد الحاكم مهمة هذه الشركات في وضع الأسس وتهيئة الظروف اللازمة لتنفيذ برنامج للتنمية المستديمة، وكان من النتائج المباشرة لهذا الاهتمام البالغ بالدراسات التحليلية والتخطيط إنشاء مجلس التخطيط في أواخر عام 1968 من أجل تنفيذ التغيرات واسعة النطاق التي بدأها الحاكم. ويعتبر المجلس محاولة طموحة لإيجاد هيكل تنظيمي ونظام إداري معتمد لم تعرفهما أبوظبي من قبل . وبدأ المجلس عمله في أيار / مايو 1969 ، وكان عليه أن يجتمع مرة واحدة كل أسبوع، وتفرع عن المجلس عدد من المجالس التابعة التي تأسست وفقاً لقوانينه الخاصة مع عدد كبير من اللجان المختصة التي تغطي الجوانب التفصيلية الخاصة بالشؤون الإدارية والمالية، وسرعان ما غطت المجالس التابعة كل المجالات المعنية في البرنامج التنموي . وقد ترأس الشيخ زايد بنفسه اجتماعات مجلس التخطيط كلما أتاحت له أعباؤه العملية ذلك . وبشكل عام نجد أن الشيخ زايد كان حذراً عند التعامل مع "نصيحة الخبراء " ؛ فقد أثبتت تجربته مع المصارف البريطانية العاملة في أبوظبي وشركات الإنشاءات البريطانية الكبرى أن «النصيحة» التي كانت تقدم إليه إنما تعكس مصالحهم الخاصة . غير أن الحاكم أدرك حاجته إلى استشارة المتخصصين ، خاصةً في ضوء حجم المشروعات التنموية التي يعتزم إنجازها ؛ لذا آثر أن يعين مستشارين خاصين له ، يدفع لهم رواتبهم، وتكون تبعيتهم لإمارة أبوظبي وليس لجهة أخرى سواها . ورغم ذلك - كما يقول إيه . وعلى حد تعبير لام فقد كان الشيخ زايد مقتنعاً بالحاجة إلى بناء قاعدة راسخة : إن نجاحه في تطوير إمارته إنما يعتمد على وضعه للأسس السليمة : المالية والإدارية والاقتصادية والتجارية والاجتماعية والهندسية، وأن لديه الأموال الكافية ، وفي وسعه أن يجلب الخبرات اللازمة للنواحي الهندسية ، أما الأسس الأخرى فقد كانت ضعيفة أو غير موجودة أصلاً ؛ لذا كان لا بد من الدراسة والتخطيط بطريقة متأنية في مستهل مرحلة جديدة بدأت بتوليه مقاليد الحكم . وخلال فترة وجيزة صارت أبوظبي تعج بالاستشاريين والعمال الوافدين اللازمين لتنفيذ برامج الخطط التنموية . وفي حين كانت التنمية السريعة أمراً حتمياً ، إلا أنه كان لابد من تنفيذها بعناية فائقة ، وكان ضخ الأموال الحكومية في الاقتصاد بتلك الكثافة ينذر بالتضخم، إذ ستكون هناك وفرة في الأموال وندرة في السلع . وإضافة إلى ذلك كان هناك خطر من إصابة الناس بالاسترخاء، وهم الذين اعتادوا العيش في بيئة قاسية ؛ بسبب الرخاء الذي عمهم فجأة. وعلى الرغم من أن الشيخ زايد قد عايش وعرف بعضاً من أنماط المشكلات المرتبطة بالنمو الاقتصادي السريع، فإنه كان يعرف شعبه جيداً، ويؤمن أنه طالما كانت خطته التنموية تمكنهم من تعزيز قدراتهم وتتيح لهم الفرصة لتحسين أوضاعهم فإنهم سيصمدون في وجه الضغوط والإغراءات المرتبطة بالتنمية السريعة ؛ لذا فقد كان الشيخ زايد كريماً وحكيماً معاً في تخصيص الأموال . وقد تميز الشيخ زايد بالقدرة على تفقد سير العمل والمتابعة الشخصية له بلا كلل ، الأمر الذي دعم عمل المجالس واللجان التي تأسست ضمن المنظومة الإدارية والاقتصادية الجديدة. وكان الشيخ زايد يظهر بين حين وآخر في مواقع البناء أو في إحدى المناطق التي ينفذ فيها مشروع جديد ، وبذلك يطلع على تفاصيل تطور العمل بصورة يومية، وعندما يجد ما يعرقل التنفيذ فإنه يطلب معرفة أسباب تعطيل المشروع وعدم تنفيذه حسب الخطة الموضوعة ، أو سبل التغلب على العقبات .