## مفهوم الشخصية: من الفلسفة القديمة إلى التحليل المادي الجدلي يُعد مفهوم الشخصية من أكثر مفاهيم علم النفس تعقيداً، حيث يجمع بين كافة الصفات والخصائص الجسدية والعقلية والوجدانية متفاعلة معاً داخل الفرد. وقد تباينت الآراء وتعددت في معالجة معنى الشخصية من حيث طبيعتها وخصائصها وعملياتها وتطورها. حاول فلاسفة اليونان تقديم فكرة عن الشخصية الإنسانية، لكن لم تكن محاولاتهم دراسات نفسية مستقلة بل كانت تنطوي تحت عناوين السياسة والأخلاق والمنطق. وقد أدركوا الشخصية الإنسانية بصورتين متضادتين: التعارض بين العقل والأهواء، حيث يُعد العقل قيمة لأنه يُمكن الإنسان من أن يسمو بنفسه على أهوائه وشهواته وعلى الطبيعة الحيوانية، والتعارض بين الطبيعة والعرف. ولم ينظر فلاسفة اليونان إلى النفس بوصفها كياناً مستقلا عن الجسم. من الفلاسفة الذين قدموا الشخصية على أنها معارضة بين العقل والأهواء: أفلاطون وأرسطو. فقد كتب أفلاطون في "المدينة الفاضلة" يدافع عن الشخصية التي ارتاها، ويرى النفس منقسمة إلى جزء علوي (العقل) وجزء أوسط مركزه القلب وتتمثل فيه العاطفة وحب الشرف والطموح، والجزء الأدنى مركزه البدن ويتعلق بالشهوات البهيمية. والسعادة عنده هي في الفضيلة والغايات وليست اللذة الفردية بل اللذة الجماعية. وفضيلة العقل هي الحكمة، وفضيلة القلب هي الشجاعة، وفضيلة الجزء الأدنى هي العفة وضبط النفس. وإذا أدّى كل قسم عمله على الوجه الأكمل نشأت الفضيلة الرابعة وهي العدل. وقد طبق هذه الأفكار على المجتمع أيضاً. أما أرسطو فتحدث عن النفس كصورة للجسم، وهي تشكل وحدة لا تنفصل، ولكن لها مظاهر. فكانت هناك النفس العاقلة وتشتمل على ملكتي التفكير والإرادة، والنفس النباتية التي تحكم العمليات اللاإرادية للجسم، والنفس الحاسمة التي يرجع إليها الإحساس والإدراك والتصوّر والوجدان والرغبة. ويذكر أرسطو أن جميع ملكات النفس تفنى بفناء الجسم ما عدا العقل فإنه أزلي. وكانت المعارضة الثانية التي أقامها الفكر اليوناني هي بين الطبيعة والعرف، أي بين الإنسان بطبيعته الأصلية والإنسان كما شكله المجتمع. وهذا كان رأي سقراط والسفسطائيين، الذين أثاروا الشك في كل شيء. وقد جعلوا العقل فوق العاطفة ومقياس كل شخصية مثالية. بعد ذلك، أولى فلاسفة المدرسة الكلبية الأهمية لنزعة الفردية وتجاهل قيود العرف، بينما رأى الرواقيون أن طبيعة الإنسان الأساسية هي طبيعة عاقلة. وعند ظهور المسيحية، نمت الشخصية في طريق الفردية، ولكن في إطار جديد وهو الخضوع لذات الله. وتحدّدت قيمة الشخصية في مفاهيم الخطيئة والفداء والخلاص والتكريس والتقديس. وقام عدد من فلاسفة المسيحية بالتوفيق بين المفاهيم المسيحية ومفاهيم الفلاسفة اليونانيين. ونستطيع القول بأن الديانات السماوية جميعها شكلت مفهوم الشخصية في الإطارات الزمنية والعقائد العامة وجعلت قيمة الشخصية مقترنة بالخير والفضيلة. ولكن في الحياة الواقعية وداخل المجتمع، نما مفهوم الشخصية المقترن بالمركز الاجتماعي والوظيفة الاجتماعية. وفي العصور الوسطى نظر المجتمع إلى الشخصية الفردية في إطارين: الأول: العزلة عن المجتمع سعياً وراء خلاص النفس، والثاني: في إطار العاطفة. وقد انبثق عنها المعنى الذي يجعل لكل فرد صفات مميزة عن غيره يكمن فيها أساس وجوده، وهو المعنى الذي أشاعه الحب الرومانسي. كثير من كتاب عصر النهضة، ومنهم مكيافيلي، نظروا إلى الشخصية على أنها صورة مطلقة لتحقيق الذات، وأن الشخصية الإنسانية كيان مستقل وقيمة في ذاتها. وعدوا أن أي تفسير منهجي للشخصية يحد من حرية الإرادة. وتفسير الشخصية ينطوي على معنى التدخل في الحرية والضغط على الإرادة، فتولدت رغبة في دراسة الشخصية وانعكست من خلال الأدب في فرنسا وإنجلترا. رافقت دراسة الشخصية محاولة العلماء دراسة قوانين الطبيعة، فكما أن للطبيعة قوانين، لا بد من أن تكون للنفس الإنسانية قوانين مماثلة. ومنها انبثق مبدأ اللذة والألم الذي تركزت عليه فلسفة الألم واللذة عند هو بنز وكونديلاك وبنتمام. وجاءت نظرة علم النفس الفرويدي لتعزز مبدأ اللذة والألم، بينما وجد رجال السياسة والاقتصاد في مذهب المنفعة شخصية الرجل المثالي وهو الرجل الأناني العاقل الذي يتصرف أبداً لمصلحته. في مقابل ذلك، جعل أصحاب مذهب الإلهام، مثل هيوم، الرغبات والعواطف هي التعبيرات الصادقة للشخصية، ويرون أن الشخصية المثالية هي التي تلتهب عاطفة. وتولدت فكرة جديدة هي النظر إلى الفرد من وجهة تأثير الحضارة السائدة عليه، وبدأ علماء الاجتماع يدركون أن الشخصية تنمو في مراحل أهمها مرحلة الطفولة التي تحدد ما يكون عليه الفرد مستقبلاً. بعد ذلك، تم تطبيق أساليب العلم في دراسة الشخصية وعلم النفس، وعرفت العديد من المفاهيم من خلال إسهامات فرويد في التحليل النفسي والشخصية، مثل الشعور واللاشعور والكبت والرقيب وعقدة أوديب. ساهم أدلر في التأكيد على دور المحددات الاجتماعية في تشكيل الشخصية، وأن الإنسان كائن اجتماعي بطبيعته. أما إسهام مدرسة مكاد وجل فكان بأن جعلت العواطف في مستوى أعلى من الغرائز، وعدت عاطفة اعتبار الذات هي الرئيسة. جاءت مدرسة العاملين المحللين إلى عوامل) واستنتاجاتهم الإحصائية فرسمت صورة التنظيم النفسي في تنظيمين رئيسين: المعرفي والمزاجي. ثم هنالك علم النفس الفارقي وهو دراسة مقارنة تفاعلات الأفراد في المواقف والبيئات المختلفة. من مبادئ المنهج الجدلي الحركة المستمرة والتغير الدائم الذي تتسم به جميع المظاهر الطبيعية والبيولوجية والاجتماعية والفكرية. أي أن كل الأشياء خاضعة للتغير الدائم الذي يتولّد جزئياً من داخل الأشياء نفسها وجزئيا من الظروف الموضوعية. بتطبيق المنهج الجدلي على المجتمع والإنسان، تطوّر تفسير بناء الشخصية، حيث إن المجتمع وحدة كلية اجتماعية – اقتصادية مترابطة في حركة مستمرة وتطور دائم، يحتل فيه نشاط الإنسان في علاقته بالإنسان مركزاً جوهرياً. وإن أسلوب إنتاج الحياة المادية (علاقات الإنتاج) يشترط تفاعل الحياة الاجتماعي والسياسي والفكري. ويرى ماركس أن علاقات الإنتاج والعلاقات تنشأ بين الناس في أثناء عملية الإنتاج وتكون الشكل النوعي لوجود الإنسان وتطوره. إذن فالإنسان عبارة عن مجموعة من العلاقات الاجتماعية التي تتطور وتتغير بشكل دائم بفعل النشاط الحيوي للإنسان. بناء على التحليل المادي الجدلي للحياة الاجتماعية وتطور المجتمع والإنسان، تحدد جوهر الشخصية بكونها مجموعة العلاقات الاجتماعية التي تتأثر وتؤثر في المجتمع وتزيل التعارض القائم ما بين المجتمع والإنسان. فالإنسان كائن طبيعي اجتماعي يكمن جوهره في العمل الاجتماعي، ويأخذ في الاعتبار مظاهره البيولوجية والاجتماعية وكذلك جملة الدلالات والقيم والأدوار التي يتخذها في علاقاته مع الآخرين ويتفاعل معهم. وعملية التفاعل هذه عملية تاريخية متطورة وليست منفصلة عن الإطار الاجتماعي. يمكن القول إن الإنسان هو ابن زمانه ومجتمعه وطبقته وإن جوهر الشخصية يتحدد ويتضح بالمجتمع الذي نعيش فيه. وبهذا فإن ظروف الحياة المادية وأشكال العلاقات الاجتماعية في البناء الاجتماعي تؤثر تأثيراً حاسماً على سيكولوجية الناس وسلوكهم الاجتماعي، كما تحدد مشاعرهم وأفكارهم واتجاهاتهم ثم الخصائص والعمليات والحالات النفسية فتتوقف عليها شروط حياة الناس وأشكالها. ولهذا فإن الاختلافات بين الأفراد ليست بيولوجية أو سيكولوجية بل هي تاريخية اجتماعية. وبما أن الحقائق النفسية ومكونات الشخصية محددة بشروط الحياة المادية وأشكال العلاقات الاجتماعية القائمة فإن تبديل هذه الشروط وتغييرها ينعكس أيضاً على تبديل وتغيير العالم الداخلي – النفسي للإنسان أي أن تغيّرات البني النفسية والأفعال والسلوك محددة بتغيّرات بنية النظام الاجتماعي.