المبحث الأول: ماهية الموازنة التقديرية لكي تستطيع الإدارة تحقيق أهداف المنشأة عليها بممارسة وظائفها الإدارية المختلفة من تخطيط وتنظيم تنسيق توجيه رقابة واتخاذ قرارات اعتمادا على النماذج الكمية منها الموازنة التقديرية، فهي تعتبر إحدى الأدوات التي تساعد الإدارة على القيام بوظائفها، وتعرف على أنها تعبير كمي عن الأهداف التي تسعى الإدارة إلى تحقيقها فهي خطة العمل للمستقبل. المطلب الأول: نشأة ومفهوم الموازنة التقديرية إن الموازنات التقديرية ليست حديثة النشأة بل تعود إلى عهود زمنية قديمة جدا، وعرفت تغيرات منذ نشأتها، حيث كانت في بداياتها الأولى بسيطة ثم تطورت عبر الزمن مع تغير المحيط وتطور المجتمعات. أولا: نشأة الموازنة التقديرية يطلق على الموازنة عدة مسميات منها الموازنة التخطيطية، والموازنة التقديرية والموازنة الرقابية فكل واحد من هذه الأسماء يسلط الضوء على إحدى صفات الموازنة، إذ يعد أسلوب الرقابة عن طريق الموازنات من أقدم الأساليب المستخدمة، حيث أول من عرف الموازنات التقديرية واستخدمها هم قدماء المصريين في تقديراتهم للنفقات التي تلزم لتغطية مشروع كبير أو القيام بالعمليات الحربية وكذلك مصادر تمويل تلك النفقات . إذ قام سيدنا يوسف عليه السلام بإعداد موازنة القمح المتوقع إنتاجه في مصر الفرعونية إذ في ضوئها رسم اتجاهات وحجم الاستهلاك خلال سنين الرفاء والقحط. ففي الأصل كانت كلمة الموازنة تطلق على الكشف الذي تعده الدولة لتقدير إيراداتها ونفقاتها، ويرجع أصل مصطلح (Budget) إلى الكلمة الفرنسية (Baguette) وتعني حقيبة، وقد نبعت فكرة الموازنة التقديرية من المحاسبة الحكومية لإنجلترا سنة 1720 ، ففي المراحل الأولى لاستخدام الموازنات في الحكومة كان وزير المالية الانجليزي يعد تقديرات الموازنة ويقدمها للمجلس العمومي البريطاني في حقيبة جلدية وعلى هذا أصبحت هذه التقديرات معروفة باسم (Budget). يعد De Gazenx أول من استخدم مصطلح الموازنة، حيث خصص فصلا كاملا عن الموازنات في كتابه التطور التاريخي للتكاليف الذي أصدره عام 1825 ، والذي وصف فيه الموازنات بأنها جداول تبين احتياجات المنشاة من الموارد وتوقيتات تدفق هذه الموارد. يمكن تلخيص المراحل التي مرت بها الموازنات كأداة للتخطيط والرقابة على النحو التالي: - المرحلة الأولى: كانت الموازنة عبارة عن جداول لتجميع الموارد المطلوبة لتنفيذ برنامج معين. - المرحلة الثانية طورت فيها الموازنة بحيث أصبحت تتضمن جدولا لتوقيت تنفيذ البرامج. - المرحلة الثالثة: أصبحت الموازنات تستخدم مع التكاليف المعيارية. - المرحلة الرابعة: أصبحت فيها الموازنات تستخدم كوسيلة فعالة للتخطيط الإداري والرقابة والتنسيق بين أنشطة المختلفة للمنشأة، وهي مظهر من مظاهر نجاح المنشآت في الوقت الحاضر. هذا يعني أن أهمية الموازنات قد زادت وازداد التوسع في استخدامها في الآونة الأخيرة بمختلف الشركات والتنظيمات، ويرجع ذلك لعدة أسباب منها : - الرغبة في إيجاد وسيلة فعالة للتنسيق بين مختلف أوجه النشاط بالمنشأة. - الرغبة في إيجاد وسيلة فعالة للرقابة وتقييم الأداء يمكن الاعتماد عليها للتأكد من أن الأهداف والخطط والمعايير الموضوعة مقدما قد تحققت. - الرغبة في إيجاد وسيلة فعالة للاتصال والتغذية العكسية للمعلومات حيث تلعب الموازنة دورا هاما كأداة للاتصال بين الفعال بين مختلف المستويات الإدارية. - الرغبة في خلق الحوافز لدى العاملين بالمنشأة وذلك من خلال مشاركتهم في إعداد الموازنة، وما يترتب على ذلك من دافعية ورضا عن العمل ورفع مستوى الأداء وتقوية روح الجماعة. - الرغبة في مواجهة حالة المخاطرة وعدم التأكد التي يتصف بها الواقع العملي حيث أن إجراءات إعداد الموازنة وما تتضمنه من تنبؤ بالمستقبل يكمن أن تساعد على دراسة المشاكل المحتملة. ثانيا: مفهوم الموازنة التقديرية هناك تعاريف متعددة للموازنة التقديرية، يركز كل تعريف منها على ناحية معينة تختلف باختلاف الكتاب واتجاهاتهم الفكرية والعلمية، وفيما يلى يتم التطرق إلى البعض منها: تعرف الموازنة التقديرية على أنها ترجمة مالية لخطة كمية تغطي جميع أوجه نشاط المشروع لفترة مستقبلية في صورة شاملة ومنسقة، ويوافق عليها المسؤولون والمنفذون ويرتبطون بها، وتتخذ هدفا يتم على أساسه متابعة نتائج التنفيذ الفعلي والرقابة عليها، وتمكن الإدارة من اتخاذ الإجراءات المصححة المعالجة الانحرافات والتوصل إلى الكفاية القصوى. ويعرف معهد التكلفة والمحاسبين بإنجلترا الموازنة التقديرية أنها: خطة كمية وقيمية يتم تحضيرها والموافقة عليها قبل فترة زمنية محددة، وتبين عادة الإيراد المخطط والمنتظر تحقيقه أو النفقات المنتظر تحملها خلال هذه الفترة والأموال التي تستعمل لتحقيق هدف معين " . وفقا لتعريف Garrison فإن الموارنة التقديرية: هي خطة تفصيلية للحصول على واستخدام الموارد وغيرها خلال فترة مقبلة، وهي خطة للمستقبل معبرا عنها بشكل رسمي . اما horngon فقد عرف الموازنة التخطيطية بانها : تعبير كمي عن خطة الاعمال، و أداة مساعدة لتحقيق التنسيق والرقابة. مما سبق ذكره يمكن تعريف الموازنة التقديرية بأنها خطة تفصيلية شاملة لفترة مستقبلية متعلقة بمختلف نشاطات المؤسسة معبر عنها في صورة كمية بموافقة جميع المستويات الإدارية، تهدف إلى تنظيم وتنسيق النشاط الاقتصادي من اجل تحقيق أفضل استخدام للموارد المتاحة، والرقابة على النتائج الفعلية بما تم التخطيط له واكتشاف الانحرافات وتصحيحها. بالاستناد على التعريف السابق للموازنة التقديرية عدة خصائص متمثلة في: - تعتبر الموازنات التقديرية أداة فعالة للتخطيط والرقابة وتقييم الأداء وتستخدم في تحقيق أهداف منظمات الأعمال. - تعتبر الموازنة التقديرية خطة تفصيلية مالية كمية شاملة لكافة أنشطة منظمات الأعمال لفترة مالية مستقبلية. - يتم مشاركة جميع المستويات الإدارية في إعداد الموازنات وتنفيذها لضمان نجاح تطبيقها لإحساس القائمين عليها بمشاركتهم في إعدادها. - تهدف الموازنة التقديرية إلى الاستخدام الأمثل للموارد المتاحة داخل منظمات الأعمال لضمان النجاحفي تحقيق الأهداف الموضوعة من قبل الإدارة العليا. - تمكن الإدارة العليا من اتخاذ القرارات التصحيحية في الوقت المناسب. المطلب الثاني: أهداف ومبادئ الموازنة التقديرية من تعريف الموازنة التقديرية هناك مجموعة من المبادئ العلمية التي تعتبر مرجعا يتم الاسترشاد به باستمرار في المراحل المختلفة التي تمر بها الموازنة والتي يجب على المؤسسة أن تعتمد عليها من اجل تحقيق أهدافها وغاياتها المستقبلية. أولا: أهداف الموازنة التقديرية تسعى المؤسسة من خلال إعدادها واستخدامها للموازنات التقديرية لتحقيق مجموعة من الأهداف منها : - توفر الموازنات التقديرية حلقة الوصول بين خطط الإدارات المختلفة داخل المنشأة. - تشجع الموازنات المديرين للتفكير والتخطيط للمستقبل بدلا من الاهتمام بالأمور المستجدة ومتابعتها وإيجاد حلول لها. - تقوم الموازنات التقديرية على التخصيص الرشيد للموارد داخل المنشأة لاستغلالها الأمثل في الأقسام المختلفة. - تساعد الموازنات التقديرية الإدارة على تقييم الأداء من خلال تحقيق الأهداف الموضوعة. - تعمل الموازنات على التنسيق بين أقسام المنشأة من أجل ترابط أداء الأقسام وعدم وجود فجوة بين أداء الأقسام المختلفة. - تهدف عملية إعداد الموازنات إلى تقديم قوائم رسمية وكمية لخطط الشركة والتي يتم التعبير عنها ماليا، هناك مجموعة من العلمية للموازنة هي واحدة، لا تختلف من جهة إلى أخرى أو من نشاط إلى آخر إلا في مجال التطبيق، هذه المبادئ هي: 1 - مبدأ الشمول: يقصد بهذا المبدأ أن تكون الموازنة شاملة لجميع إدارات المشروع وأقسامه ومراكز المسؤولية فيه، وبالتالي تشمل جميع أوجه نشاط المشروع وتلمس جميع عملياته وتمتد إلى جميع مستوياته كما هي محددة في الخريطة التنظيمية له وتهتم الموازنة بخطوط الاتصال وبحدود السلطة والمسؤولية وبالتنسيق بين إدارات وأقسام المشروع. 2 - مبدأ التوزيع الزمني: يقصد بهذا المبدأ توقيت العمليات المختلفة وتوزيعها على مدار فترة الموازنة حسب توقع حدوثها، كأن تقسم موازنة السنة القادمة إلى فترات ربع سنوية أو شهرية. وفي هذا المجال، فإن التقسيم الزمني لا يعني توزيع الأرقام السنوية توزيعا متساويا على فترات الموازنة إنما المقصود هنا توقيت العمليات خلال فترة الموازنة حسب احتمال أو توقع حدوثها فعلا . 3 - مبدأ التعبير المالي: يعتبر مبدأ التعبير عن الموازنة في شكل مالي أمرا حتميا، وذلك لتوحيد أساس القياس بين الموازنات المختلفة. إذ يتم في البداية إعداد بعض الموازنات على شكل معايير كمية نوعية مثل: الكمية المخططة من المبيعات أو من الإنتاج التام، الاحتياجات المخططة من المواد الأولية أو من زمن العمالة أو من الطاقة وهو ما يعبر عنه بالموازنة العينية. إلا أنه من الضروري ترجمة جميع هذه الموازنات العينية إلى لغة مالية معبرا عنها بالدينار . 4 - مبدأ المشاركة: يقصد بمبدأ المشاركة ضرورة أن يكون لهذه المستويات دور في إعداد الموازنة والتي تعتبر عملية تعاونية تشترك فيها جميع المستويات من إدارات وأقسام ومراكز مسؤولية، حيث يقوم كل منها بالمشاركة في رسم خططه وسياساته التفصيلية وفي ترجمة هذه الخطط والسياسات إلى معايير كمية نوعية ويؤدي هذا إلى زيادة درجة تقبل الأفراد لها حين التنفيذ وإلى محاولتهم العمل على إنجاحها بكل السبل. إن توسيع قاعدة إعداد الموازنة عن طريق مشاركة العاملين بالمشروع في إعدادها يؤدي إلى: - تحقيق ديمقراطية الإدارة التي ترفع الروح المعنوية للعاملين في المشروع وتدفعهم إلى بذل أقصى الجهود. - الوصول إلى خطة متناسقة تعبر عن تضافر الجهود والآراء وتقضي على التعصبات الفردية وتزيد من فاعلية العمليات المختلفة. - ممارسة رقابة أكثر فاعلية على العاملين ومحاسبتهم عن الأداء الفعلي على أساس ما وعدوا بإنجازه. 5 - مبدأ الربط بين المعايير الموازنة ومراكز المسؤولية يمكن تعريف مراكز المسؤولية بأنها "الوحدات التنظيمية في المشروع التي تتخذ أساسا لتحديد السلطة والمسؤولية بغض النظر عن حجم هذه الوحدات. ويقصد بالربط بين معايير الموازنة ومراكز المسؤولية تخطيط العمليات وتتبع تدفق بنود التكاليف بحسب المسؤولية عن هذه العمليات وعن بنود التكاليف المرتبطة بها. بحيث يكون لكل مركز مسؤولية خطة عمل مرسومة يسير عليها ويتحمل تكاليفها وبذلك تتسنى مقارنة نتائج التنفيذ الفعلي بهذه الخطة، وبالتالي يتسنى اتخاذ الخطوات اللازمة لمعالجة نواحي الضعف والإسراف وتشجيع الكفايات. 6 - مبدأ وحدة الموازنة تتكون الموازنة في صورتها النهائية من مجموعة من الخطط الفرعية التفصيلية والعديد من الجداول المعيارية، ومن الضروري أن تجمع هذه الخطط الفرعية خطة شاملة واحدة حتى يتحقق التجانس بينها، كما يجب أن يكون هناك ترابط تام وتنسق كامل بين الجداول المعيارية، 7 - مبدأ ارتباط الموازنة بالهيكل التنظيمي: