فِي مَسْكَيْهِ - وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ حُجْرَةٍ وَحِيدَةٍ وَمَرَافِقَ - يَرَى نَفْسَهُ ، يَتَجَشَدُ لَهُ مَعْنَى حَيَاتِهِ ، إِنَّهُ يَعِيشُ مُتَفَتَّحَ الْحَوَاسُ ، مُرْهَفَ الْوَعْيِ لِيَتَزَوَّدَ بِكُلِّ سِلاحٍ ، وَمِنْ نَافِذَتِهِ الصَّغِيرَةِ يَرَى وَطَنَهُ - حَارَةَ الْحُسَيْنِي - كَأَنَّهَا أَمْتِدَادُ لِرُوحِهِ وَجَسَدِهِ . حَارَةٌ طَوِيلَةٌ ذَاتُ مُنْحَنَى عادٌ ، مَشْهُورَةٌ بِمَوْقِفِ لِلْكَارُو وَمَسْقَى لِلْحَمِيرِ الْبَيْتُ الَّذِي وُلِدَ وَنَشَأَ فِيهِ تَهَدَّمَ ، وَقَامَتْ فِي مَوْضِعِهِ بَاعَةٌ صَغِيرَةٌ لِعَرَبَاتِ الْيَدِ ، قَلِيلٌ مِنْ مَوَالِيدِ الْحَارَةِ مَنْ يَبْرَحُهَا بِصِفَةٍ نِهَائِيَّةِ إِلَّا لِلْقَبْرِ . يَعْمَلُونَ فِي مَوَاقِعَ كَثِيرَةٍ ، فِي الْمَبِيضَةِ .. الدَّرَاسَةِ .. السِّكَّةِ الْجَدِيدَةِ .. أَوْ فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ ، وَلَكِنَّهُمْ يَرْجِعُونَ إِلَيْهَا آخِرَ النَّهَارِ . وَمِنْ خَوَاصُهَا الْحَمِيمَةِ أَنَّهَا لَا تَعْرِفُ الْهَمْسَ أَوِ النَّجْوى ، أَصْوَاتُهَا مُرْتَفِعَةٌ جِدًا ، وَمِنْ بَيْنِهَا صَوْتٌ قَرِيبٌ قَوِيٌّ خَشِنُ لَمْ يُخَلْخِلْهُ الكبر ، صَوْتُ أَمْ حُسْنِي صَاحِبَةِ الْبَيْتِ . أم حسني كانتْ صَدِيقَةً لِأُمِّهِ وَزَمِيلَةً وَمُرْشِدَةٌ ، صَدِيقَةً عُمْرٍ طَوِيلِ ، كَانَتْ كِلْتَاهُمَا زَوْجَةً لِسَوَّاقِ (كَارُو) ، وَعَامِلَةً كَادِحَةً ، تَكِدُّ بِصَبْرِ النَّمْلِ وَدَأْبِهِ سَعْياً وَرَاءَ الْقِرْشِ ، تَسْدُ بِهِ زَوْجَهَا ، وَتُتَمَّمُ عُشَّهَا . مَانَتْ أُمُّهُ وَهِيَ تَعْمَلُ ، أَمَّا أَمْ حُسْنِي فَمَا زَالَتْ تَعْمَلُ بِهِمَّةٍ عَالِيَةٍ ، وَكَانَتْ أُتُمْ حُسْنِي أَحْسَنَ حَظًّا وَأَوْفَرَ رِزْقاً ، فَتَجَمَّعَ لَدَيْهَا مِنَ الْمَالِ مَا بَنَتْ بِهِ بَيْنَهَا الْمُكَوَّنَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَدْوَارٍ ؛ مَحْزَنِ أَخْشَابٍ أَرْضِي وَشُفَتَيْنِ ، تُقِيمُ هِيَ فِي إِحْدَاهُمَا وَعُثْمَانُ فِي الْأُخْرَى ، وَأَبْتُهَا حُسْنِي لَمْ يُخَلِّفُ وَرَاءَهُ إِلَّا أَسْمَهُ ، أَمَّا - الزمان - الحدث - شَخْصُهُ فَقَدْ حَمَلَتْهُ أَيَّامُ الْحُرُوبِ وَالْمِحَنِ إِلى بِلادٍ نَائِيَةٍ فَاسْتَقَرَّ فِيهَا . أَلَا يَحِقُ لَهُ أَنْ يَحْلُمَ ؟ إِنَّهُ يَحْلُمُ بِفَضْلِ الشُّعْلَةِ الْمُقَدَّسَةِ الَّتِي تَتَّقِدُ فِي صَدْرِهِ ، وَبِفَضْلِ حُجْرَتِهِ الصَّغِيرَةِ يَحْلُمُ أَيْضاً . أَلِفَ أَعْلَامَهُ كَمَا يَأْلَفُ الْفِرَاشَ وَالْكَتَبَةَ وَالسَّحَّارَةَ وَالْحَصِيرَةَ ، وَكَمَا أَلِفَ الأَصْوَاتَ الْحَادَّةَ وَالْمَنْغُومَةَ الَّتِي تَنِدُّ عَنْ نْجَرَيْهِ تُرَدِّدُ أَصْدَاءَهَا الْجُدْرَانُ الرَّاسِحَةُ الْقَائِمَةُ