أستخدم عبارة الشفوية لأشير ، نشأ شفوياً ضمن ثقافة صوتية - سماعية ؛ لم يصل إلينا محفوظاً في كتاب جاهلي ، بل وصل « مدوّناً » في الذاكرة ، خصائص الشفوية الشعرية الجاهلية ومدى تأثيرها على الكتابة الشعرية العربية في العصور اللاحقة ، أعني أنه نشأ مسموعاً لا مقروءاً، كان الصوت في هذا الشعر بمثابة النسم الحي ، فهو ينقل الكلام وما يعجز عن نقله الكلام ، إنها علاقة بين فردية الذات التي يتعذر الكشف عن أعماقها ، الشاهد المنشد . أن نستغرب تلك المفارقة في القول الشعري الجاهلي : وحدة المقول ، لنقل : كان الإنشاد والذاكرة بمثابة الكتاب الذي ينشر الشعر الجاهلي ، وإذا رجعنا إلى جذر كلمة نشيد في اللغة ، وفي هذا ما يلمح إلى أن عرب الجاهلية كانوا يعدون إنشاد الشعر موهبة أخرى ، والحق أنه كان لموهبة الإنشاد أهمية قصوى في امتلاك السمع ، خصوصاً أن السمع للجاهلي أصل في وعي الكلام وفي الطرب. فكثيراً ما شبة الشعراء المنشدون بالطيور المغردة ، وثمة كلمة مشهورة توجز ما نذهب إليه ، ومن هنا نفهم دلالة القول إن العرب كانت و تزن الشعر بالغناء ، ويذهب ابن رشيق إلى القول إن الغناء أصل القافية والوزن ( العمدة : (١٥/١) ، صرف في تأليفه خمسين سنة . وكان الكتاب والفضلاء من الخواص في الدولة العباسية يأخذون أنفسهم به ، ويضيف محدداً صناعة الغناء بأنها و تلحين الأشعار الموزونة بتقطيع الأصوات على نسب منتظمة . تقاليد خاصة استمرت في العصور اللاحقة. ثياباً جميلة مختلفة عن ثيابه العادية ، كأن الإنشاد احتفال - عرس أو عيد . وهذا ما تشير إليه كلمة للفرزدق خاطب بها الشاعر عباد العنبري بعد أن سمع إنشاده : « إنشادك يزين الشعر في فهمي » (۱). النشيد جسد مفاصله الوزن والإيقاع والنغم ، سجعاً - كما يرجح معظم الباحثين . وتلاه الرجز الذي كان يقال إما بشطر واحد كالسجع ، والقصيد هو اكتمال التطور الايقاعي ، وسجعت الناقة : مدت حنينها على جهة واحدة ، هو كسجع الناقة : موالاة الصوت على طريق واحد. هكذا نقلت العبارة لكي تكون مصطلحاً إيقاعياً، يعني : تكلم بكلام له فواصل كفواصل الشعر من غير وزن . يعني الاستواء والاستقامة والتشابه في الكلام، في الجملة صاحبتها . مادة : سجع ) . حسابهم : سورة الغاشية : ٢٦). شريطة أن يسلم من الاستكراه . بالكهانة والكهان في العصر الجاهلي ، النبي نهى عنه في حديث مأثور : ( إياكم وسجع الكهان » ، واستعمل بخاصة في أشكال النثر الأدبي من خطب ورسائل ومقامات . ووصل هذا الاستعمال في مراحل متأخرة الى درجة من الإفراط والتكلف، أصبح معها مجرد شكل أجوف. أن اسم القصيد مأخوذ من استطراد صاحبه في ما يقصد إليه، بأن يوطيء المقصود الأول ومعانيه إلى أن تناسب المقصود الثاني ) ( المقدمة، قد يكون ذلك عائداً إلى أنه الأكثر قدرة على الاستجابة لحاجات النفس. لا بد هنا من أن نشير إلى أن كون البيت في القصيد وحدة مستقلة بذاتها، وإلى ضرورات تتصل بالسماع والتأثير، تتفق مع وزنه ومغناه وهي إذن جوهرية وليست زيادة أو ملء فراغ ، ولا يجوز أن يعيد القافية نفسها مرتين ( الإيطاء ) ، ولا يجوز تعليقها بالبيت الذي يليها ( التضمين ) . وهذه الشروط جميعها تؤكد على كون القافية خاصية موسيقية ، ومن ثم للقصيد كله بعداً من التناسق والتماثل، وتولدت عن ذلك معايير وقواعد لا تزال مهيمنة ليس على الكتابة الشعرية وحدها، إن استيفاء البحث في هذه القضايا جميعاً يحتاج إلى تأريخخاص للشعرية العربية. لذلك أقصر الكلام على تلك التي أرى أنها الأكثر التصاقاً بما أقصد إليه في هذا البحث، قائلاً إن الثقافة كانت مزيجاً من « ثقافة عربية خالصة تعتمد على القرآن وما يتصل به من علوم الدين وعلى الشعر وما يتصل به من نحو ولغة - وثقافة يونانية تعتمد على الطب والفلسفة، والهنود والأمم السامية التي كانت منتشرة في العراق ( من حديث الشعر والنثر الطبعة الثانية ، اللحن أو التحريف إلى القرآن والحديث. الشعر لحفظ إيقاعاته وتمييزها عن غيرها من الأوزان والإيقاعات الشعرية اليونانية والسريانية والفارسية والهندية. والتذوق والتواصل الشعريين . فيقول إن العرب أنشدوا الشعر وغنوه بالملكة والفطرة، الألسنة غير العربية » ، الكلام ويلحقون الأشباه بالأشباه ، والمبتدأ مرفوع ثم رأوا تغير الدلالة بتغير حركات هذه الكلمات ، وتسمية الموجب لذلك التغير عاملاً ، كلها اصطلاحات خاصة بهم، فقيدوها بالكتاب، وجعلوهاصناعة لهم مخصوصة ، واصطلحوا على تسميتها بعلم النحو. ثم هذبه وكمل أبوابه الخليل بن أحمد الفراهيدي ( ۱۰۰ - ۱۷۰ هـ. وقد أتبعه بعمل آخر لغوي لحفظ الموضوعات اللغوية، خشينة الزوال وما ينشأ عنه من الجهل بالقرآن والحديث، وحصر فيه مركبات حروف المعجم كلها من الثنائي والثلاثي والرباعي والخماسي ، يروى أنه أتى بكاتب وأوصاه : « إذا رأيتني قد فتحت فمي بالحرف ، وكانت هذه النقاط علامات للإعراب ترشد الناس إلى القراءة الصحيحة وبعد الإعراب تم الإعجام. فقد رتب نصر بن عاصم الليثي الحروف جماعات ووضع كل حرف إلى جانب الحرف الذي يشبهه في الصورة، وخالف بين هذه النقط أفراداً وأزواجاً، ضماً وفتحاً وكسراً، بينما هدف الإعجام إلى تمييز الحروف المتشابهة في الصورة . والكسرة بياء راجعة استغنى أخيراً عن أحد شقيها توضع تحت الحرف. وقد ألحق الفتحة والضمة والكسرة بأصول الكلمات للاستعانة بها على النطق بهذه الأصول، بحث الخليل في الكلمات أصولاً وبناء وحركات، درس الكلمة مفردة لفهم بنائها العام في العربية، ودرسها في الجملة لفهم دلالتها على معنى من المعاني. وهو في هذا يُعد مؤسساً لعلم الأصوات دراسة الكلمات بوصفها مجموعة من الأصوات (1). وكان لحسه الموسيقي الأثر الأول في الوصول إلى تحديد مخارج الحروف، وهذا ما قاده إلى استخدام أوزانها ، -٩- لا شك في أن استنباط الخليل للأوزان الشعرية وتقعيدها (1) يروى عن الخليل أنه تكلم في فنون كثيرة منها : علم الغشاء والإيقاع وعلم راجع المهدي المخزومي كتابه المهم عن الخليل بن أحمد الفراهيديعمل إبداعي لا يكشف عن حسه الموسيقي الأصيل وحسب، فالنطق بدافع التفاهم وحده يعني أن تأثير الكلام لا يتعدى تنبيه الشعور في المخاطب لفهم الغرض المقصود منه وفي هذه الحالة تكون المناسبة بين أزمنة حركاتها في الحنجرة وأعضاء الفم اعتيادية كما هي الحال في لغة الكلام على مجرى العادة . وإرسال الكلمة على هذه الصورة غير الاعتيادية يقتضي اشتراك الحس وقوة التصوّر لإيجاد جنس الايقاع الموزون الذي يربط أجزاءها ويحول دون تفككها، ويذهب الفارابي إلى أن الموسيقى المقرونة بالقول الشعري هي الطبيعية على الإطلاق. فهذه الموسيقى المقترنة بالقول الشعري تكسب المنفس لذة وراحةوسماعاً جميلاً . ولما كانت الألحان الكاملة هي التي توجد بالصوت الانساني ، هي الألحان التابعة للأقوال الشعرية والتي ألفت لتفيد النفس إلى جانب اللذة ، تكسب النفس قوة وتزيد في انفعالاتها القوية . وتكسبها في ذلك هدوءاً واستقرارا . ولما كان كثير من الهيئات والأخلاق والأفعال تابعة لانفعالات النفس وللخيالات الواقعة فيها، صارت الألحان الكاملة نافعة في إفادة الهيئات والأخلاق ، ونافعة في أن تبعث السامعين على الأفعال المطلوبة منهم ، وفي البعثة على اقتناء سائر الخيرات النفسانية ، ريحرف الفارابي الإيقاع بأنه « النقلة على النغم في أزمنة محدودة المقادير والنسب » ( المصدر نفسه، ويختص علم الإيقاع بنظم اللحن في طرائق 27/121 ضبط أجزاءه على أزمنة معينة تقاس عليها الأصوات في مواضع الشدة واللين. وتفصل الإيقاعات أجناساً في دوائر زمنية تسمى الأصول، معيناً من الأسباب والأوتاد ، متحرك وثان ساكن ، ٤ - أجزاء المصاريع ( المصراع هو شطر البيت ) ، أي حالة غنائية بتأليف خاص لعناصر اللحن فالبيت « غير محدود إلا بالوضع عند أهل كل لسان » ، فالبيت والحالة هذه مصطلح غنائي - إنشادي ، فهذه العلاقة جعلت النقد الشعري يتأسس ، بل لغيره - لمن يسمعه ، ومن هنا كانت تقاس شاعرية الشاعر بقدرته على الابتكار الذي يؤثر في نفس السامع . ذلك أن مدى فهم السامع لما يقوله هو الذي يحدد مستوى بيانه الشعري . وليس فهمه إلا انعكاساً للذوق الشائع العام . ومن هنا لم تكن المزية الشعرية في ما يقوله الشاعر أو في ما يثبته ، كما يعبر الجرجاني ) دلائل الإعجاز ، عبر معيار التأثير المطرب ، وبنيت الشعرية على جمالية الإسماع والإطراب، التي حولها الاستخدام السياسي، إلى نوع من جمالية الإيصال الإعلامي، بحيث يكون الشعر فناً قولياً يؤثر، في نفوس الناس - مدحاً أو هجاء ، الموازنة : ۱۹۱/۱ ) . وهذا مما أدى إلى الفصل بين الشعر والفكر . في توكيد هذا الفصل فيجعل الشعر نقيضاً للفكر، وهذا الفصل بين الشعر والفكر توكيد الجمالية الشفوية وترسيخ الصورة معينة من الشعر هي الصورة الغنائية - الإنشادية . بالصفات التالية : ١ - صافية ( ليس فيها ما يشوبها ، ٣ - الممططة منها رطبة ( لينة ، ٦ - بعض النغم محبب ( سريع ) . - بعضها مرجح ( واضحة النغمة ، - مفخمة أحيانا بالصدر ، ) المعدة للأصوات عند الرجال) . وهذه الصفات الموسيقية لا تنبع إلا من كلام سهل ، وتحس حساً غير مستبشع - كما يعبر الفارابي . لأن المقصود ينال بأمثال هذه الكلمات نيلا أسرع . ويلخص الجاحظ موقف النقاد من هذه المسألة بقوله : وكذلك حروف الكلام ، وأجزاء الشعر من البيت تراها متفقة ملساء ، ) البيان والتبيين : ۸۲/۱ ) . - ( الأعراب الخلص هم معدن الفصاحة التامة ) ( المصدر السابق : ٢٦/٣ ) ، وفي خاصية البداهة - التي هي ( الفرق بين العرب وغيرهم في البيان ) ( المصدر نفسه : ٢٤/٣ - ٢٥ ) ، ترتبت على ذلك قيم معيارية منها القول بأن المعاني المختلفة تفترض بحوراً مختلفة ، ولهذا يجب في صناعة الشعر اختيار البحر المناسب للمعنى المناسب . وأدى هذا إلى قول يرى صلة أكيدة بين طبيعة المعاني وطبيعة الأعاريض الشعرية . فالمعاني الجادة أو الحارة أو الجياشة أو الصاخبة تلزم لتأديتها بحور طويلة ؛ والمعاني الرقيقة أو الحادثة أو الماجنة أو الراقصة تلزم لتأديتها ، إذ لا يُسمّى شعراً إلا إذا كان بوزن وقافية معاً . ومنها القول بضرورة أن يتجنب الشاعر أي إخلال. (1) يقول بشار ( المولد ) يصف شعره : فهذا بديه لا إذا كنجبير قائل ما أراد القول زوره شهرا وكان بشار بعد، وهو المولد الحضري، مطبوعاً شأن الأعراب . تشترك فيها حروف غير موسيقية ( الثاء ، ومنها القول بضرورة جمال الابتداء وجمال الانتهاء في القصيدة ، بشوق إلى ما يأتي بعده . وهي نظرة ترى إلى القصيدة بوصفها نداءً / استجابة ، أو جدل دعوة متبادلة بين أنا الشاعر ونحن الجماعة - كأن هناك توافقاً مسبقاً بين القصد الذي يدفع الشاعر الجاهلي لتأليف قصيدته ، هكذا تجيء بنية القصيدة متطابقة مع حركة التواصل وفعاليته وغايته . ومن حيث أنه يؤالف بين حركات النفس وحركات٧ الجسم . تشترك فيها حروف غير موسيقية ( الثاء ، ومنها القول بضرورة جمال الابتداء وجمال الانتهاء في القصيدة ، بشوق إلى ما يأتي بعده . فلم تكن القافية خاصيةشعرية جوهرية في اللغات الآرامية والسريانية والعبرية واليونانية ، كما هو الشأن في العربية ومن هنا كان النقاد العرب القدامي يؤكدون على أن بنية الوزن المقفى في الشعرية الجاهلية ليست احتذاء لشعر أية أمة أخرى ، ويرى هؤلاء أنها موت في أدوار بدأها الجاهلي في حداثه الإبل ، ولأنها الصوت الطبيعي الذي ينزل من البيت منزلة الإشارة التي تصحب كلام المتكلم . وقد فطن الجاهليون بفطرتهم إلى أنه لا بد في الإيقاع من موافقة المعاني في حركاتها النفسية للأوزان في حركاتها اللفظية ، لذلك الحركات النفسية ، داخل الجزء نفسه . وهذا مما دفع بعض الباحثين إلى القول إن الوزن في الشفوية الشعرية الجاهلية لم يكن قاعدة خارجية يخضع لها الشكل الشعري ، ودفع بعضاً آخر إلى القول إن اللقاء الذي كان يتم بين صوت الشاعر وسمع السامع، ولقاء الإنسان العربي الأول مع ذاته ومع الآخر. ويختبيء جزء كبير من اللاشعور الجماعي العربي . فحين نقرؤه اليوم نتذكر صوتنا الأول ، ونصغي إلى أصوات اللغة كيف كانت تحتضن التاريخ والإنسان . كان الخليل رجل علم في النحو والبلاغة والموسيقى . نظرإلى اللغة بوصفها بناءً ونظاماً ، فوضع أوزانه - بقواعدها وجوازاتها ، في إطار غايته التوكيد على أن للعرب ، موسيقاهم الخاصة التي تحمل صفات عربية خالصة ، وكان في هذا كله عالماً يصف ويُنظر لما يصفه . ويمكن القول إن عمله هذا كان تأريخياً لحفظ اللغة ، إلى مرتبة القاعدة المعيارية وذلك بتأثير الصراع السياسي - الثقافي - القومي بين العرب وغيرهم . فهذه اللغة بما هي الإنسان في تفجره واندفاعه تظل في توهج وتجدد في حركية وتفجر ؛ إنها دائماً شكل من أشكال اختراق التقنين والتقعيد إنها البحث عن الذات ، وفي قراءتنا هذه لا بد من أن نقرأ الصمت ، تكشف عن تنوّعه الاختلافي مما يفترض تنوعاً في الفهم والأحكام النقدية؟ هل كان التنوع في النظر إلى الشعرية الجاهلية موجوداً ، لكنه طمس أو منع؟ لماذا ؟ وكيف ؟ هل كانت هناك سلطة تستأثر بالخطاب التقعيدي إلى درجة تجعل منه هو نفسه سلطة تلغي كل خطاب آخر ؟ وما هذه السلطة ؟ أهي دينية ، أهي لغوية ؟ أهي قومية ؟ أهي تمسك بالبداوة - رمزاً للنقاوة والأصول - ورفضاً للمدينة، وبحيث تكون الهوية تكراراً للذات نفسها ؟ إن في هذه التساؤلات ما يُشير إلى أن ذلك الخطاب التفعيدي ،