مثله في ذلك مثل كل البدايات في العلوم الإنسانية والاجتماعية، فمع أن الفيلسوف اليوناني أرسطو طاليس يعد هو أول من تكلم عن الدراما كنظرية ووضع الأطر الأساسية للأعمال الدرامية، فإن الدراما كممارسة أدبية واجتماعية كانت قد ظهرت قبله بقرون، ففي بلاد اليونان نفسها - وقبل عدة قرون من أرسطو- ظهرت مع هوميروس، فكلمة دراما مشتقة من الفعل اليوناني القديم (دراؤ) بمعنى "اعمل"، فهي تعني إذن أي عمل أو حدث، فإذا كانت الدراما هي بالأساس عملاً، فإذا كانت الدراما كمصطلح ظهرت مع اليونان، فهل هذا يعني أن الدراما نفسها كعمل أو كفعل لم تكن موجودة قبل اليونان؟ وأنه يتعلم أول ما يتعلم بطريق المحاكاة"( ). فإذا كانت المحاكاة أمرا فطريا فهي إذن موجودة لدى الإنسان منذ عصوره البدائية الأولى عندما كان يحاكي الطبيعة في حركاتها لكي يتغلب على قواها الخارقة لقوته، وهو ما يعرف بالسحر التعاطفي الذي تكلم عنه عالم الأنثروبولوجيا الشهير جيمس فريزر في كتابه الغصن الذهبي( )، أو تكف عنه الأذى. "فالطبيعة هي التي أوحت إليه بذلك، حتى دقات قلبه كانت وما تزال تحمل سمة الإيقاع"( ) الذي تتصف به الطبيعة في كل حركاتها. كانت هي السبب "الذي دفع الإنسان البدائي ليخلق الحركة ويعبر عما يخامره من فرح وبهجة، ولهذا كان الرقص هو الوسيلة الأولى للتعبير عن الفن بالنسبة للرجل البدائي، فالرقص بالنسبة له كان محاكاة للخلق والانفعال والفعل بواسطة الأوزان الحركية"( ). فإن هذا الرقص كان لا بد له من قائد أو مؤلف يعتبر المعادل الموضوعي للمؤلف أو للمخرج في الأعمال الحديثة والمعاصرة، لأن هذه الحركات والرقصات كانت تحتاج إلى عقلية منظمة لمجموعة الطقوس التي باتت تأخذ شكلًا رمزيًا أكثر تعقيدًا من ذي قبل، أو الحركات الصامتة "المايم"( )، ولهذا يمكن اعتبار الساحر القديم هو أول مؤلف دراما في التاريخ. وهكذا بدأ التعبير الدرامي يتطور عند الإنسان في مراحله الأولى، ولعل الصراع هو أهم العناصر الحاسمة في البناء الدرامي التي اكتشفها الإنسان القديم؛ صراع من أجل البقاء، صراع من أجل الحياة. فأصبح الكاهن أو رئيس القبيلة هو المحور الأساسي في هذه المجتمعات من خلال تمثيل الشعائر والطقوس الخاصة بهم، وهذه الطقوس كانت أشبه بالبذور الأولى للدراما، حيث كانت المجتمعات البدائية تقيم له الشعائر الجنائزية ليرضوا روحه ويتقربوا منه، وكما هو معروف فإن الموت أحد العناصر المهمة للتراجيديا( )، وكان ذلك أول تمهيد لظهور الأعمال المسرحية حتى بداياتها الأولى. وعلاقاتها بالصراع، وكانت الشعائر تقام للشباب بعد مرحلة البلوغ لحثهم على القيم الإنسانية وتعليمهم وتثقيفهم من خلال الرقص والحفلات والحركات التمثيلية الصامتة( )؛ ومن ثم كانت الدراما في صيغتها البدائية الأولى لصيقة الصلة بالمجتمع، ولكن مع نشوء الحضارات الكبرى في الشرق الأوسط بدأت الصور الدرامية تتخذ طابعًا أكثر تعقيدًا وحبكة، و"ست" يمثل الشر، وانتهاء ببحث إيزيس عن أشلاء زوجها، ثم إعادته إلى الحياة في أقدم تعبير فني مكتوب عن الصراع بين الكون والفساد( ). وهي أسطورة تموز، وبتمثيل هاتين القصتين الأسطوريتين خطت الدراما خطوات واسعة نحو الأمام، فعند المصريين نجد القارب استخدم كإكسسوار، حيث كانوا يضعونه فوق المدخل لحجرة الأسرار داخل المعبد الذي تقدم فيه الطقوس الدينية والعروض المسرحية آنذاك( ). ورغم كل هذه التطورات في عناصر العمل الدرامي بدءًا من الفعل والمحاكاة لدى الإنسان البدائي مرورا بالفعل والصراع في القصة والطقوس البدائية، إلا أن الدراما ظلت في حاجة مهمة إلى عنصرين حاسمين في تشكيل العمل الدرامي وتكوينه، ولا في حضارات الشرق الأوسط كلها،