أسباب زيادة الإيمان لقد جعل الله سبحانه لكل مرغوب ومطلوب سببًا وطريقا يوصل إليه، وإنَّ أهم وأعظم المطالب وأعمها نفعا هو الإيمان، وقد جعل الله له مواد كثيرة تجلبه وتقويه، وأسباباً عديدة تزيده وتنميه، إذا فعلها العباد قوي يقينهم وزاد إيمانهم، بينها الله في كتابه وبينها رسوله في سنته. ولعل أهم هذه الأسباب ما يلي: أولاً - تعلم العلم النافع الله وسنة رسوله (۱). وغير ذلك والاجتهاد على تمييز صحيحه من سقيمه أولاً، (٢). وقال ابن حجر: «والمراد بالعلم العلم الشرعي الذي يفيد ما يجب على المكلف من أمر دينه في عبادته ومعاملاته، والعلم بالله وصفاته، وما يجب له من القيام بأمره، عن النقائص، ومدار ذلك على التفسير والحديث والفقه لأنه وسيلة لأعظم الغايات وهي عبادة الله تعالى وحده لا شريك له والقيام بتوحيده على الوجه المطلوب. فالعلم ليس مقصودا لذاته وإنما هو مقصود لغيره وهو العمل، فكل علم شرعي فطلب الشرع له إنما يكون حيث هو وسيلة إلى التعبد به الله تعالى، لا من جهة أخرى، ويدل على ذلك أمور: أحدها: أن الشرع إنما جاء بالتعبد، وهو المقصود من بعثة الأنبياء عليهم السلام، ۱) كقوله تعالى: يَتَأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ) (1). وقوله: الر كِتَبُ أُحْكِمَتْ وَايَنتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ : أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا الله ) (۲)، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيَ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (۳). فقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا تَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَنُوا) (٥). وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتُ وَآنَاءَ الَّيْلِ سَاجِدًا وَقَابِمَا تَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبَاب (1). ثانيا - التأمل في آيات الله الكونية فإنَّ التأمل فيها، والنظر في مخلوقات الله المتنوعة العجيبة، وشمس وقمر، وكواكب ونجوم، وجبال وأشجار، مخلوقات الله التي لا تعد ولا تحصى، لمن أعظم دواعي الإيمان، ولا علاقة فوقها، ثم تأمل فلا صدع فيها ولا فطر ولا شق، ولا أمت ولا عوج. وأشدها موافقة للبصر وتقوية له. وتأمل خلق الأرض وكيف أبدعت تراها من أعظم آيات فاطرها وبديعها، خلقها سبحانه فراشا ومهادًا، وجعل فيها أرزاقهم، وأقواتهم ومعايشهم، وتصرفاتهم، ووسع أكنافها ودحاها، فمدها وبسطها وطحاها فوسعها من جوانبها، وجعلها كفانا للأحياء تضمهم على ظهرها ما داموا أحياء، وكفانا للأموات تضمهم في بطنها إذا ماتوا، فظهرها وطن للأحياء وبطنها وطن للأموات. ثم انظر إليها وهي ميتة هامدة خاشعة فإذا أنزل الله عليها الماء اهتزت وربت، فارتفعت واخضرت وأنبتت من كل زوج بهيج، فأخرجت عجائب النبات في المنظر بهيج للناظرين كريم للمتناولين. ثم تأمل كيف أحكم جوانب الأرض بالجبال الراسيات الشوامخ الصم الصلاب وكيف رفعها وجعلها أصلب أجزاء الأرض، لئلا تضمحل على تطاول السنين، وترادف الأمطار والرياح، بل أتقن صنعها وأحكم ثم تأمل هذا الهواء اللطيف المحبوس بين السماء والأرض يدرك بحس اللمس أسباب نقص الإيمان أسباب نقصه، فكذلك له أسباب تنقصه وتضعفه، وكما أن المسلم مطالب بمعرفة أسباب زيادة الإيمان ليطبقها، فهو كذلك مطالب بمعرفة أسباب نقصه ليحذرها، من باب عرفت الشر لا للشر ولكن لتوقيه ومن لم يعرف الشر من الناس يقع فيه ‏A وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني ). وقال ابن الجوزي: «فإن في تعريف الشر تحذيرا عن الوقوع فيه» (٢). فتعلم أسباب نقص الإيمان، ومعرفة عوامل ضعفه، وطرق الوقاية منها أمر مطلوب (۲) لا بد من العناية به، وقبل الشروع في ذكر أسباب نقص الإيمان وبيانها، أود أن أشير إلى أن عدم تعاهد أسباب زيادة الإيمان، وترك العناية بذلك، فإهمال الأمور التي سبقت الإشارة إليها فيما سبق، يضعف الإيمان وينقصه، فكما أن المحافظة عليها سبب في الزيادة، قال الشيخ محمد العثيمين: وأما نقص الإيمان فله أسباب. فذكر أمورًا منها: ترك الطاعة فإن الإيمان ينقص به، والنقص به على حسب تأكد الطاعة، وربما فقد الإيمان كله كترك الصلاة ، (۳)، يدل على ذلك قول الله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَنِهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّنَهَا ﴾ ، الثاني - معرفة أسماء الله الحسنى وصفاته العلى والتي تدل على كمال الله المطلق من كافة الوجوه، لمن أعظم أبواب العلم التي يحصل بها زيادة الإيمان، والاشتغال بمعرفتها وفهمها والبحث التام عنها مشتمل على فوائد كثيرة وعظيمة، منها: 1- أن علم توحيد الأسماء والصفات أشرف العلوم وأجلها على الإطلاق، فالاشتغال بفهمه والبحث عنه اشتغال بأعلى المطالب، ٢ - أن معرفة الله تدعو إلى محبته وخشيته وخوفه ورجائه وإخلاص العمل له، فالاشتغال بذلك اشتغال بما خلق له العبد، وتركه وتضييعه إهمال لما خلق له، وقبيح بعبد لم تزل نعم الله عليه متواترة، وفضله عليه عظيم من كل وجه أن يكون جاهلا بل أفضلها وأصلها الإيمان بالله، بل حقيقة الإيمان أن يعرف الذي يؤمن به ويبذل بما عرف من صفاته وأفعاله على ما يفعله وعلى ما يشرعه من الأحكام، والحكمة، ولذلك لا يشرع ما يشرعه من الأحكام إلا على حسب ما اقتضاه حمده وحكمته وفضله وعدله، وأوامره ونواهيه عدل الخامس - قراءة سيرة سلف هذه الأمة : وليوث الصدام، وأهل المشاهد والمواقف العظام، أقوى الناسإيمانًا وأرسخهم علما وأبرهم قلوبًا وأزكاهم نفوسا، وخص منهم أصحاب النبي ﷺ الذين شرفهم الله برؤية نبيه ﷺ ومتعهم بالنظر إلى طلعته، فأخذوا الدين منه غضاً طرياً، فاستحكمت به قلوبهم، ويكفي في بيان فضلهم أن الله خاطبهم بقوله: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ )) ، والمعنى: أنهم خير الأمم، وأنفع الناس للناس. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة الله قال : قال رسول الله ﷺ: «خير أمتي القرن وقرأ سيرهم، وعرف محاسنهم، وتأمل ما كانوا عليه من خلق عظيم، وتأس بالرسول الكريم ،