سورة العصر مكية وآياتها ثلاث وتبرز معالم التصور الإيماني بحقيقته الكبيرة الشاملة في أوضح وأدق صورة . . والحقيقة الضخمة التي تقررها هذه السورة بمجموعها هي هذه : وامتداد الإنسان في جميع الأدهار ، والعصر ، . ومن ثم اتصاله بالكون الصادر عن ذات المصدر ، وبالنواميس التي تحكم هذا الكون ، فإنه يمنحه إلى جانب هذا كله متاعا بالوجود وما فيه من جمال ، فإذا الحياة رحلة في مهرجان إلهي مقام للبشر في كل مكان وفي كل أوان . وهي سعادة رفيعة ، ثم إن مقومات الإيمان هي بذاتها مقومات الإنسانية الرفيعة الكريمة . ويقيم في نفسه المساواة مع جميع العباد ، فالانطلاق التحرري ينبثق من هذا التصور انبثاقا ذاتيا ، لأنه هو الأمر المنطقي الوحيد . وكل ما يربطه بالله ، أو بالوجود ، فينتفي من الحياة الهوى والمصلحة ، وتحل محلهما الشريعة والعدالة . مما يصل هذه الخليقة الفانية بالحقيقة الباقية في غير تعقيد ، وبلا وساطة في الطريق . وينفي التردد والخوف والقلق والاضطراب كما ينفي الاستكبار في الأرض بغير الحق ، ولا نزوة طارئة ، والاعتقاد بكرامة الإنسان على الله ، يرفع من اعتباره في نظر نفسه ، ويثير في ضميره الحياء من التدني عن المرتبة التي رفعه الله إليها . وهذا أرفع تصور يتصوره الإنسان لنفسه . . وكل مذهب أو تصور يحط من قدر الإنسان في نظر نفسه ، فتوحي إلى البشر بأن كل سفالة وكل قذارة وكل حقارة هي أمر طبيعي متوقع ، وهناك التبعة المترتبة على حرية الإرادة وشمول الرقابة ، وتبعة تجاه الخير في ذاته ، وإزاء البشرية جميعا . . أمام الله . . وحين يتحرك المؤمن حركة فهو يحس بهذا كله ، ويقدر نتيجة خطوه قبل أن يمد رجله . . إنه كائن له قيمة في الوجود ، . والارتفاع عن التكالب على أعراض الحياة الدنيا - وهو بعض إيحاءات الإيمان - واختيار ما عند الله ، . يساعد على هذا سعة المجال الذي يتحرك فيه المؤمن . فهو يفعل الخير لأنه الخير ، والحياة الدنيا ليست نهاية المطاف . لا دفعة طارئة ، أو في اندفاع نزواته هو وضغطها على إرادته . وشهود انتصار الحق على الباطل ! والإيمان يعالج هذا الشعور علاجا أساسيا كاملا . صائر إلى ذبول وجفاف . . . ومن ثم يهدر القرآن قيمة كل عمل لا يرجع إلى هذا الأصل ، ولا ينبع من هذا المنهج . والنظرية الإسلامية صريحة في هذا كل الصراحة . . جاء في سورة إبراهيم : ( مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف . . وجاء في سورة النور : ( والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء ، . وهي نصوص صريحة في إهدار قيمة العمل كله ، وهدفا متناسقا مع غاية الوجود . وهذه هي النظرة المنطقية لعقيدة ترد الأمور كلها إلى الله . ودليل التجاوب بين الإنسان والكون من حوله . والعمل الصالح وهو الثمرة الطبيعية للإيمان ، والحركة الذاتية التي تبدأ في ذات اللحظة التي تستقر فيها حقيقة الإيمان في القلب . ما أن تستقر في الضمير حتى تسعى بذاتها إلى تحقيق ذاتها في الخارج في صورة عمل صالح . . لا يمكن أن يظل خامدا لا يتحرك ، كامنا لا يتبدى في صورة حية خارج ذات المؤمن . فهو ينبعث منها انبعاثا طبيعيا . . إنه حركة وعمل وبناء وتعمير . وهذا مفهوم ما دام الإيمان هو الارتباط بالمنهج الرباني . متجهة إلى غاية . وقيادة الإيمان للبشرية هي قيادة لتحقيق منهج الحركة التي هي طبيعة الوجود . . وهكذا يريد الإسلام أمة الإسلام . متواصية بالحق والصبر في مودة وتعاون وتآخ تنضح بها كلمة التواصي في القرآن . والتواصي بالحق ضرورة . والمعوقات عن الحق كثيرة : هوى النفس ، . والتواصي تذكير وتشجيع وإشعار بالقربى في الهدف والغاية ، . وهذا الدين - وهو الحق - لا يقوم إلا في حراسة جماعة متعاونة متواصية متكافلة متضامنة على هذا المثال . وحراسة الحق والعدل ، لا بد من الصبر على جهاد النفس ، والصبر على طول الطريق وبطء المراحل ، ولا تبرز إلا من خلالها . . وإلا فهو الخسران والضياع . . هذا والمسلمون - أو أصحاب دعوى الإسلام بتعبير أدق - هم أبعد أهل الأرض عن هذا الخير ، والبقاع التي انبعث منها هذا الخير أول مرة تترك الراية التي رفعها لها الله ، لم يكن لها تحتها ذكر في الأرض ولا في السماء . الموسومة بميسم الله لا شريك له . وتزعموا العالم ، ثانيا : - أنهم لم يتولوا الحكم والقيادة بغير تربية خلقية وتزكية نفس ، ويزكوا أنفسهم ، وينفقوا الأموال سعيا وراءها . فإذا تولوا شيئا من أمور الناس لم يعدوه مغنما أو طعمة أو ثمنا لما أنفقوا من مال أو جهد ؛ بل عدوه أمانة في عنقهم ، وامتحانا من الله ؛ . وقوله . ليبلوكم فيما آتاكم ) . . " ثالثا : أنهم لم يكونوا خدمة جنس ، ورسل شعب أو وطن ، ويؤمنون بفضله وشرفه على جميع الشعوب والأوطان ، ولم تخلق إلا لتكون محكومة لهم . فالأمم عندهم سواء ، الناس كلهم من آدم ، وقد قال عمر بن الخطاب لعمرو بن العاص عامل مصر - وقد ضرب ابنه مصريا وافتخر بآبائه قائلا : خذها من ابن الأكرمين . فاقتص منه عمر - : متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أحرارا أمهاتهم ? فلم يبخل هؤلاءبما عندهم من دين وعلم وتهذيب على أحد ، بل كانوا سحابة انتظمت البلاد وعمت العباد ، وانتفعت بها البلاد والعباد على قدر قبولها وصلاحها . وكان منهم أئمة هم تيجان مفارق العرب وسادة المسلمين من الأئمة والفقهاء والمحدثين . . وهو ذو قلب وعقل وعواطف وجوارح ، ويكونون أمثلة كاملة في الحياة الدينية والخلقية ، . . إلى أن يقول تحت عنوان : " دور الخلافة الراشدة مثل المدنية الصالحة " : فلم نعرف دورا من أدوار التاريخ أكمل وأجمل وأزهر في جميع هذه النواحي من هذا الدور - دور الخلافة الراشدة - فقد تعاونت فيه قوة الروح والأخلاق والدين والعلم والأدوات المادية في تنشئة الإنسان الكامل . . كانت حكومة من أكبر حكومات العالم ، وقوة سياسية مادية تفوق كل قوة في عصرها ، تسود فيها المثل الخلقية العليا ، وتزدهر فيها الأخلاق والفضيلة مع التجارة والصناعة ، وعلاقة الجماعة بالفرد . هذه بعض ملامح تلك الحقبة السعيدة التي عاشتها البشرية في ظل الدستور الإسلامي الذي تضع " سورة العصر " قواعده ، وإذا القافلة كلها تعطو إلى الضياع والخسار . وإذا هي كلها للباطل ليس فيها راية واحدة للحق . وإذا هى كلها للخسار ليس فيها راية واحدة للفلاح ! وراية الله ما تزال . وإنها لترتقب اليد التي ترفعها والأمة التي تسير تحتها إلى الخير والهدى والصلاح والفلاح . ذلك شأن الربح والخسر في هذه الأرض . وهو على عظمته إذا قيس بشأن الآخرة صغير . وهناك . هناك الربح الحق والخسر الحق .