ولا أن نملأ كلامنا بما يحتاج قارئه إلى معجم؛ فقد تكون الكلمة عربية الأصل، ثم لا تكون الاختيار الأنسب في مقام البيان. تتشكل نظرة دقيقة إلى الكلام؛ نظرة لا تسأل عما تعنيه الكلمة وحده، بل تسأل كذلك: كيف نطقت بها العرب؟ وما منزلتها في استعمالهم؟ وهل يحسن وضعها في هذا السياق؟ ثم ميّزوا مراتب المرويّ منها، وتتفاوت في الشيوع والقوة، الفصاحة ومراتب الاستعمال حتى أنكره بعض أئمة اللغة ولم يعرفه، أما المتروك فما كان مستعملًا في القديم ثم عُدل عنه إلى غيره. وأن المعروف عنده كسر الراء. بل وصفوا الحرف المتغير وموضعه، وينبغي فهم أحكامهم في إطار المفاضلة بين وجوه الأداء بحسب معيار الفصاحة الذي اعتمدوه، فموضوع البحث هو اللفظ وطريقة أدائه. حين يفترق القياس والاستعمال ومن أدق ما تعرضه المادة التمييز بين القياس والاستعمال؛ فالقياس يتعلق بالنمط الذي تنتظم فيه الأبنية والتراكيب، ولهذا جاءت القسمة رباعية: مطرد فيهما، ومطرد في القياس قليل الاستعمال، والإحالة فيه إلى الخصائص: ١/٩٦–٩٧). ويشهد لها الاستعمال. لكن العربية لا تُختزل في قوالب ذهنية نصنع بها كل لفظ ممكن؛ ثم لا تكون هي التي جرى عليها الكلام. وليس وصفها بالشذوذ القياسي حكمًا بخطئها؛ وهذا التمييز يحمينا من التسرع في التصحيح والتخطئة؛ فمخالفة المألوف عند قارئ لا تكفي للحكم على الكلمة، كما أن إمكان بنائها قياسًا لا يكفي وحده لإثبات تداولها. ولكل وصف جهة ينظر منها إلى الكلام، وإهمال هذه الجهة قد يحوّل المصطلح العلمي إلى حكم عام لا يدل عليه. وفي حديث الكتاب عن الحوشي والغرائب والشوارد والنوادر، ومدى ألفة القارئ بها. وتكون ألفاظه خشنة مستغربة لا يعرفها إلا المتبحر في اللغة والأعرابي القح (العمدة: ٢/٢٦٥–٢٦٦). وليست ثمرة هذا الكلام إقصاء كل لفظ قليل التداول؛ وإنما موضع النظر هو استعماله حيث يحجب المعنى، ويحمّل القارئ مشقة لا يقابلها نفع بياني. وتظهر مهارته في اختيار الملائم منها. ويبلغ البحث مستوى آخر عند التمييز بين المستعمل والمهمل؛ إذ ليس كل تركيب يمكن تأليفه من حروف العربية لفظًا استعملته العرب. ص١٠١). كما تتناول المادة أثر تقارب المخارج واستثقال بعض التآليف في إهمال الأبنية. وهذا يلفت إلى أن الكلمة أصوات متتابعة يؤديها اللسان ويتلقاها السمع؛ فالفصاحة متصلة بالمعنى، وهكذا تمنحنا هذه التصنيفات درسًا في القراءة والكتابة معًا: نقرأ التراث بوعي بمراتب ألفاظه، ونكتب بقدرة على التمييز بين وفرة المحفوظ وحسن المختار.