تذكر كتب التفسير أنَّ أحد ملوك النصارى على مدينة ( أفسوس ) أو خرسوس) ، واسمه (دقيانوس) انحرف عن دين التوحيد الذي جاء به عيسى عليه السلام، وبلغ انحرافه حد الكفر والفجور، وأخذَ يُكْرِهُ النَّاسَ على عقيدته الفاسدة، فسمع بهم الملك فهددهم بالقتل إن لم يتبعوه، فلم يستجيبوا لأمره ولم يخضعوا لتهديده، وأصروا على توحيد الله تبارك وتعالى وعبادته، فزادهم الله هدى وتثبيتا على ما هم عليه من الإيمان والتوحيد، ورفضوا بإباء وأعلنوا عدم التخلي عن دينهم، وعابوا على الذين انحرفوا واتبعوا الملك من دون حُجَّة أو دليل، ولما رأى هؤلاء الشباب إقبال العامة على الكفر والضَّلال ، فاستقر رأيهم على الخروج من هذه المدينة إلى كهف في جبل ؛ وحتّى يتمكنوا من عبادة ربهم في أمن وطمأنينة ، قال تعالى: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ ءَامَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَهُمْ هُدًى وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوا مِن دُونِهِ إِلَهَا لَقَدْ قُلْنَا إِذَا شَطَطًا هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانِ بَيْنِ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ، وَيُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا) ، لقد شاء الله على أن يكون الكهف الذي لجؤوا إليه صحيا لا يتضررون فيه ، فبابه يفتح نحو الشمال، والشمس تدخله عند الغروب من دون أن تصيبهم بأشعتها فتؤذيهم ، قد وفقهم الله لهذا وهداهم إليه كما هداهم إلى الإيمان والتوحيد من قبل، أما الذين يختارون الضلالة على الهدى فيزيدهم ضلالاً وتيها ، ولا ييسر لهم دليلا يرشدهم. قال تعالى: ﴿ وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ ذَلِكَ مِنْ ءَايَاتِ اللَّهِ مَن نَهُ مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا) ومن نعم الله عليهم في الكهف أيضًا أن حماهم من دخول داخل والاعتداء عليهم وهم رقود؛ إذ يتصور الناظر إليهم أنهم أيقاظ وليسوا بنائمين ، عُيونهم مفتوحة تراقب كلَّ مَنْ يمر من يمر بالكهف، وكلبهم جالس جلسة الحي الذي يحرس أصحابه، قد مدَّ ذراعيه بفناء الكهف، على هيئة الاستعداد واليقظة، وهذه الحال تملأ قلب الناظر إليهم رعبًا وخوفًا ، وتدعوه إلى الفرار لهول المنظر وهيبته. ومرَّةً للجنب الأيسر؛ قال تعالى: ﴿ وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ طَلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِنْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا ) ، فأخذ يسأل بعضهم بعضًا عن المدة التي ناموا فيها، وقال آخرون: أنتم لا تعلمون ذلك، فالله وحده هو الذي يعلم ذلك ولا شك أنهم بعد هذا النوم الطويل في حاجة إلى الطعام، ولا بد أن يرسلوا من يشتري لهم الطعام الطيب الحلال من المدينة التي هجروها فرارا بدينهم، فاختاروا من بينهم واحدًا وأوصوه بالحذر في ذهابه وتعامله خشية أن يكتشفهم الملك الكافر وأعوانه، وربما ألجؤوهم إلى الكفر، فيخسروا بذلك خسرانا فادحا في الدين والدنيا والآخرة، ومات الملك الكافر، وجاء بعده ملك مؤمن صالح ، ولهذا عندما ذهب أحدهم بدراهمه القديمة إلى المدينة ليشتري الطعام أنكر الباعة ذلك؛ لأنهم لم يعودوا يتعاملون بها ، فتحققوا من الشخص الذي جاءهم، ففرحوا بذلك، ويكرموهم، ويزدادوا إيمانًا بقدرة ربهم. وجدوا أنهم جميعًا ماتوا قبل أن يصلوا إليهم بقليل، فظهر للناس صدق خبرهم، وازدادوا يقينا بقدرة الله تعالى على البعث. ثم انقسموا في تكريمهم بعد موتهم إلى فريقين، فريقٌ يقول: نسدُّ عليهم باب الكهف ونذرهم حيث هم، ويتذكرون هذه الآية العظيمة. فبني عليهم مسجد ، ليكون شاهدًا على هذه الآية العظيمة التي حدثت في هذا الموقع. إن هذه الحادثة كانت عظة لأهل الكهف ابتداء؛ إذ أيقنوا بقدرة الله على بعث الناس يوم القيامة، كما حدث لهم في هذه الصورة من النوم الطويل والإيقاظ بعد ذلك. وعظة لكل من علم بهذه الحادثة. قال تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ - وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْ يَتَزَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَنَا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا). وتعددت الأقوال في عدد هؤلاء الفتية، والقول الصحيح في عددهم أنهم سبعة وثامنهم كلبهم ، كما صح عن ابن عباس رضعهما " ، قال تعالى:(سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ) فالآية حين تحدثت عن القول الأول، والقول الثاني وصفتهما بالرَّجمِ بالغيب، وحين ذكرت القول الثالث لم تصفه بذلك ،